العنوان حقيقي السعي لاعتقال مجرمي الحرب الصرب: الوجه الأخر للخداع الغربي
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001
مشاهدات 51
نشر في العدد 1459
نشر في الصفحة 30
السبت 14-يوليو-2001
يوجد في محكمة جرائم الحرب في لاهاي حتى الآن ۳۸ متهمًا، صدرت في حق بعضهم أحكامًا بالسجن تتراوح بين خمس و ٤٥ سنة. وهذا الثمن الذي يدفعه المجرمون، لا يساوي نفسًا بشرية واحدة أزهقت ظلمًا وعدوانًا، وفي أعقاب ترحيل الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش إلى لاهاي ليلة الجمعة ٢٨ يونيو الماضي، وتنشيط المساعي لاعتقال مجرمي الحرب من صرب البوسنة وعددهم ۷۸ مجرمًا، وعلى رأسهم رادوفان كراجيتش وراتكو ملاديتش، بدأ المشهد في البلقان وكأنه ينحو في اتجاه العدالة، وبدأ الضمير الغربي وكأنه صحا فجأة، و«الثأر» لمئتي ألف قتيل، والحقيقة كما سنرى غير ذلك تمامًا.
المذبحة مستمرة
إن كان مجرمو الحرب الصرب يحاكمون حاليًّا من أجل الجرائم في البوسنة والهرسك وكوسوفا، فهل ترقى هذه المحاكمات إلى مرتبة العدالة؟ سواء فيما يتعلق بالأحكام الصادرة ضدهم؟ أم بمستوى العزاء الذي يقدم للضحايا الذين لا يزالون يدفعون الثمن كل لحظة، بل إنهم قالوها صراحة: «لو يجبرون الجلادين على الحياة كما نحيا ويأخذوننا نحن للسجن الذي يعد فندقًا من خمسة نجوم»!! كان أجدى للضحايا لو خصصت المحكمة مبالغ مالية لأسر الشهداء والمعوقين والعاطلين عن العمل بسبب قيام المجرمين بهدم المصانع والضيع ووسائل الإنتاج، وهناك ۷۰۰ ألف مسلم مهجر في دروب التيه الغربي، ماذا لهم؟ مليون مهجر في داخل البوسنة متى سيعودون إلى ديارهم؟
۹۰۰ ألف بيت ووحدة سكنية مدمرة، من سيعيد بناءها؟ ١٦ ألف يتيم، من سيتكفل بهم ويعيلهم؟
150ألف معاق، من سيرعاهم؟
٤٠٠٠ آلاف مصنع ومؤسسة تجارية وصناعية دمرت، من سيقوم بإعادة دورة الإنتاج إليها؟
١٥ ألف مدرسة هُدمت، وأكثر من ١٤٠٠ مسجد دمرت، من سيدفع لترتفع أبنيتها من جديد؟
كل ذلك لم تأت عليه المحكمة، ولم تبحثه حتى عند تطرقها إلى تلك الجرائم وإدانتها للمجرمين، لم تقر أن للضحايا حقوقًا غير «معاقبة المجرمين»، حق التعويض ويا له من تعويض، ماذا يعوض شهيدًا أو مفقودًا أو جزءًا من جسد الإنسان؟ ماذا يعوض التشريد والحرمان والمرض؟
في الغرب عندما يقوم إنسان بترويع آخر، يدفع الجاني تعويضًا للضحية حتى وإن ادعى أنه روع، فيا لترويع المسلمين، ويا له من ترويع، الكل يعلم ماذا حدث في مجزرة البلقان البوسنية، ومجزرة البلقان في كوسوفا، والمجزرة الدائرة في مقدونيا، لماذا أسقط حق التعويض؟ بل لماذا لم تعالج آثار العدوان؟، وما نجم عن المذبحة من مذابح لا تزال مستمرة، وتطهير عرقي لا يزال مستمرًا.
فنادق خمس نجوم
ما يتمتع به المجرمون «المسجونون» في لاهاي لا يتمتع به اللاجئون السياسيون في الغرب، فمن حق المجرم في لاهاي أن يوفر له جميع القنوات الفضائية والجرائد، وتغيير لحاف سريره الصحي يوميًّا، والتمتع بالماء الساخن والإضاءة المجانية على مدار الأربع والعشرين ساعة، وجميع مستلزمات «نظافته» وحقه في التمتع بالشمس صيفًا والتدفئة المركزية شتاء، وحقه في الرعاية الصحية، وزيارة أهله بل الإقامة الدائمة في هولندا، وحقه في أن يطلب جميع المواد التي يرغب فيها بما فيها القيام بالطبخ لنفسه، وحقه في استخدام الهاتف يوميًّا ولمدة سبع دقائق يتصل فيها بمن شاء ومتى شاء وأينما شاء، فأين السجين السياسي بل اللاجئ السياسي من ذلك في عهد حقوق الإنسان؟ ويا لعبث البعض، بل يا لغباوتهم وسخافتهم عندما يجتمعون لمناقشة وطرح أخلاقية القبض على مجرمي الحرب والمزايدة على الترحيب بذلك.
فمجرمو الحرب وكبيرهم سلوبودان ميلوسوفيتش، كانوا مجرد أدوات في يد الغرب الذي استغل غباءهم واستغل بطشهم وأطماعهم لتحقيق مشروعة هو وليس مشروعهم هم، حيث تفتت يوغسلافيا، ولم تقم صربيا الكبرى، ودخل حلف الأطلسي منطقة البلقان، وأقام فيها القواعد العسكرية لتسهيل مهمة الحلف في الزحف نحو الشرق ولم يُقِم الحلف الأرثوذكسي، كان ثمن ذلك دماء المسلمين وأعراضهم وأرضهم ودينهم، حيث إن الغرب لا يقل جرمًا عن ميلوسوفيتش والصرب، كان بإمكان الغرب إيقاف الحرب في يومها الأول مثلما فعل في سلوفينيا، وأن تكون محدودة، كما حدث في كرواتيا، وألا تكون كما حصل في مقدونيا عام (۱۹۹۱م)، أما كوسوفا فقد كان الوضع ملائمًا للتدخل السريع بعد أن تعب وحش البرية ميلوسوفيتش وأنهكته الحروب السابقة فوقع الإجهاز عليه.
واليوم هناك همسات تفيد أن سلوبودان ميلوسوفيتش قد يقتل في سجنه، ويدعي الغرب أنه انتحر كما يروج الآن، مثلما انتحر والده في سنة ١٩٦٢م وأمه في عام ١٩٧٢م، لتختفي معه حقيقة الموقف الغربي من المذابح التي أودع السجن بسببها كما يكذبون، لقد كان لميلوسوفيتش شركاء من الغرب مثلهم اللورد أوين ومثلهم ياسوشي أكاشي، والجنرال الفرنسي موريون، والجنرال الكندي ماكينزي، والجنرال البريطاني روبرت سميث، وأرجو ألا ننسى «الجنرال» العربي بطرس بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة حينذاك.
أين حق التعويض للضحايا؟ و لماذا لم تُعالج آثار العدوان ؟
16 ألف يتيم و 50 ألف معاق و 200 ألف مصنع و 15 ألف مدرسة دُمِرت ... لماذا لم تلتفت إليها عين العدالة.
سيوف الحرب سم السلام زيف العدالة
كان الصرب في الحرب سيوفًا مسلطة على رقاب المسلمين، وفي «السلام» سمًا وعلقمًا، في الحرب يقتل الشهيد مرة واحدة، وفي زمن «السلام» يموت الضحايا كل يوم، وفي الحرب كان الإعلام يتحدث عن الإغاثة ليغطي جرائم الحرب، وفي السلام تغطي جرائم الحرب وما نتج عن الحرب، وما يتم تحقيقه من مكاسب أسفرت عن نتيجة الحرب لصالح من طوعها لمصالحه ووقف متفرجًا عليها بالمحاكمات.
وإن أول ما ركز عليه الغرب بعد توقيع اتفاقية دايتون في ۲۱ نوفمبر ١٩٩٥م هو إزاحة القادة الذين خاضوا النضال والجهاد ضد العدوان الصربي، وأعادوا الاعتبار للثقافة الإسلامية، وشجعوا الالتزام الإسلامي، وبدأوا بتكوين حركة ثقافية في البوسنة، وكانت تلك خطيئة في نظر الغرب.
وذهب كاردينال الكاثوليك إلى روما يستحث البابا على منع المسلمين من بناء ١٦٠ مسجدًا في سراييفو في حين أن العدد الذي عمل المسلمون على بنائه لا يتجاوز ثمانية مساجد، والآن تم وقف إعطاء تصاريح لبناء مساجد جديدة، وأصبحت التصاريح تؤخذ من مكتب الأمم المتحدة بدل البلدية، ومنعت بعض النساء من العمل بسبب الحجاب، وطُرد المصلون من الوظائف الكبيرة في الدولة، ويمنع المسلمون من العودة إلى ديارهم، وهناك ٥٠ ألف نسمة يعيشون في الخيام، وتجتاح البلاد موجة من الدعوات للإباحية من خلال السماح لأعداد كبيرة من الروسيات والأوكرانيات والمجريات والرومانيات بالقدوم للبوسنة بهدف بيع أجسادهن لمن يرغب في ذلك، ومنعت الشرطة البوسنية من ترحيلهن، وكان لزامًا أن تغطى هذه السياسات بأقنعة خداعية، ولم يكن هناك أفضل من استخدام مجرمي الحرب كغطاء مرة أخرى لتمرير سياسات معدة بإتقان تهدف إلى تحقيق ما لم تقدر على تحقيقه الإمبراطورية النمساوية المجرية، ولم تظفر به المملكة الصربية، ولم يتسن للشيوعية تنفيذه بالكامل، وهو القضاء على نزعة التحرر لدى المسلمين، وهو أن يحكم المسلمون أنفسهم بأنفسهم، والتوق للعيش في ظل نظام إسلامي يعز فيه الإسلام وينهض به المسلمون.