; حكم إثبات الأهلة بالحساب | مجلة المجتمع

العنوان حكم إثبات الأهلة بالحساب

الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

مشاهدات 69

نشر في العدد 503

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

اطلعت على ما نشرته صحيفة الجزيرة في عددها الصادر يوم السبت 2/12/1400 هـ تحت عنوان «رمضان الماضي 30 يومًا وليس 29» بقلم الأخ أحمد السعدي، واحتج على ذلك بأن المراصد العالمية بما فيها مرصد جامعة الرياض، أكدت حسابات أم القرى بأن شهر رمضان الماضي كان 30 يومًا ولم يكن 29، وزعم أن الهلال في مساء يوم الأحد، الموافق 29 رمضان قد غرب قبل الشمس بمدة لا تقل عن عشر دقائق في جميع أنحاء المملكة.. إلخ.

وتعلق أيضًا بأن مؤتمر إسطنبول قد وضع قواعد للرؤية الحكيمة لحل هذه المشكلة.

ولما كان هذا الموضوع له أهمية كبيرة لتعلقه بصوم المسلمين وفطرهم وحجهم؛ رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة تتضمن إيضاح الحق وإبطال ضده، فأقول: إن الأحاديث الصحيحة قد استفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر باعتماد الرؤية وإكمال العدة وعدم الالتفات إلى الحساب، فوجب على المسلمين جميعًا أينما كانوا أن يأخذوا بذلك ويعتمدوه، ولا يجوز لهم أن يكذبوا الثقات في رؤية الهلال بأن المرصد الفلاني زعم كذا أو بأن المراصد الأخرى زعمت كذا أو بأن مؤتمر إسطنبول وضع كذا، وقد سبق الجميع المعلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فوضع للمسلمين قواعد واضحةً يعرفها العالم والجاهل والحضري والبدوي والحاسب وغيره، فقال عليه الصلاة والسلام: «صُوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيتِه ، فإن غُمَّ عليكم فأكْمِلُوا العِدَّة ثلاثين» وفي لفظ «فَصُومُوا ثلاثين» وفي لفظ آخر «فاقْدِرُوا له ثلاثين»، وفي حديث آخر «فأكْمِلُوا عدة شعبان ثلاثين». وقال عليه الصلاة والسلام: « لا تقدَّموا الشهرَ حتى تروُا الهلالَ أو تُكملوا العدةَ ثم صوموا حتى تروُا الهلالَ أو تكملوا العدة». 

 وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: «ألا أني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «صومُوا لِرُؤيتِه، وأفْطِرُوا لِرُؤيتِه، وانْسكُوا لها، فإنْ غُمَّ عليكم فأتِمُّوا ثلاثينَ، فإنْ شَهِدَ شاهِدانِ مُسلِمانِ فصُومُوا وأفْطِرُوا».

 وعن أمير مكة الحارث بن حاطب: قالَ: «عَهِدَ إلينا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن ننسكَ للرُّؤيةِ، فإن لم نرَهُ، وشَهِدَ شاهدا عَدلٍ نسَكْنا بشَهادتِهِما» وهما حديثان صحيحان.

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ ولَا نَحْسبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا. و هكذا وأشار بأصابعه العشر ثلاث مرات، وقال الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وخنس إبهامه في الثالثة، والمعنى أنه يكون تارة ثلاثين، ويكون تارة تسعًا وعشرين، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولم يحلهم النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الشهور إلى الحساب بل أحالهم إلى أمر شاهد يراه الناس في السماء وعند عدم الرؤية أمرهم بإكمال العدة، وقد أجمع سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان من أهل العلم المعتبرين على ذلك فلا يجوز لأحد أن يحتج على إبطال الرؤية بمجرد دعوى أصحاب المراصد أو بعضهم مخالفة الرؤية لحسابهم، كما لا يجوز لأحد أن يشترط لصحة الرؤية أن توافق ما يقوله أصحاب المراصد؛ لأن ذلك تشريع في الدين لم يأذن به الله، ولأن ذلك تقييد لما أطلقه الله ورسوله واعتراض على صاحب الشريعة الذي لا ينطق عن الهوى، وتكليف للناس بما لا يعرفه إلا نفر قليل فيضيقون بذلك ما وسعه الله، ومن المعلوم أنه لا أحسن ولا أكمل من حكم الله ورسوله في كل شيء كما قال الله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).

فنصيحتي لجميع المسلمين ولجميع الحاسبين بوجه أخص أن يتقوا الله وأن يحذروا مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم والتشريع للناس ما لم يأذن به الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ﴾ (الشورى: 21)، وقال سبحانه: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: 54)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: 56)، والآيات في هذا المعني كثيرة.

وفي (الصحيحين) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله» وفي صحيح البخاري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟ قالَ: مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى».

والأدلة على إبطال التعليق بالحساب في إثبات الهلال كثيرة جدًا وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ومقنع لطالب الحق.

وأسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم وأن يمن علينا جميعًا بالفقه في دينه والثبات عليه إنه سميع قريب..

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

الرابط المختصر :