العنوان حكومة «الفرصة الأخيرة ».. أمام امتحان حقيقي لإبعاد الأردن عن «شبح» الثورات
الكاتب براء عبدالرحمن
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 28
السبت 05-نوفمبر-2011
شؤون عربية
- تعيين د. عون الخصاونة رئيساً للحكومة أثار ارتياحاً عاماً لصفاته الشخصية الرفيعة وتاريخه الناصع.. لكن هذا الارتياح سرعان ما تبدَّد منذ بدء تسرب أسماء التشكيلة الوزارية
- يبقى العامل الأهم في نجاح هذه الحكومة هو مدى قدرتها على إجراء تعديلات دستورية جديدة تمِّكن الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية من تشكيل الحكومة وتلغي مجلس الأعيان أو اختياره من خلال الانتخابات
إنها حكومة «الفرصة الأخيرة.» هكذا، وصف كثير من المراقبين والمحللين السياسيين حكومة د. عون الخصاونة، التي صدر الأمر الملكي بالموافقة على تشكيلها يوم الإثنين 24 أكتوبر الماضي، فقد جاء تشكيلها في وقت يعيش فيه الأردن حالة غير مسبوقة من الاحتقان الداخلي، الذي قد ينفجر في أي لحظة من اللحظات بشكل لا يمكن لأحد أن يتنبأ بتداعياته ولا بتأثيراته.
كما أنها جاءت بعد يومين فقط من «موقعة سلحوب » التي شهدت أحداثاً مؤسفة، قام خلالها «البلطجية » بالاعتداء على رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات، إضافة إلى الاعتداء على عدد كبير من الشخصيات الأردنية المهمة، كان من أبرزها: سالم الفالحات المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، زكي بني إرشيد الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي، محمد عواد الزيود عضو المكتب التنفيذي لجبهة العمل الإسلامي، موسى الحديد اللواء العسكري المتقاعد، فارس الفايز، جمال الطاهات، نبيل الكوفحي.. ولم يقتصر الأمر على الاعتداء على هذه الشخصيات، بل تم استخدام السلاح الناري ولأول مرة من قبل «البلطجية »، وهو ما رأى فيه المراقبون تطوراً خطيراً يمكن أن يؤدي إلى خروج الحراك الشعبي عن سلميته التي حافظ عليها منذ مطلع العام الحالي.
لذا يمكن القول: إن «موقعة سلحوب ،» كانت القشة التي قصمت ظهر بعير حكومة معروف البخيت، التي كانت تراهن على بقائها حتى مطلع العام المقبل على الأقل، حيث كان إعلانها عن تحديد يوم السابع والعشرين من ديسمبر المقبل موعداً لإجراء الانتخابات البلدية، رسالة واضحة إلى جميع الأطراف المعنية، بأن حكومة البخيت باقية إلى ذلك التاريخ على الأقل، شاء من شاء، وأبى من أبى!.. ولكن الموقعة المشار إليها، دفعت الملك «عبدالله الثاني » إلى المسارعة ب «احتواء» الموقف، والإعلان عن إقالة رئيس الوزراء معروف البخيت، وإقالة مدير المخابرات العامة الفريق محمد الرقاد.
تغييرات شاملة
كان لافتاً أن إقالة رئيس الوزراء ومدير المخابرات العامة تمت في وقت واحد من يوم الإثنين 17 أكتوبر الماضي، وتم تعيين بديليهما مباشرة، حيث عيّن د. عون الخصاونة رئيساً للوزراء، وعيّن اللواء المتقاعد فيصل الشوبكي مديراً للمخابرات العامة.. وقالت مصادر مطلعة ل «المجتمع»: إن الملك عبدالله الثاني عرض على الخصاونة تولي هذا المنصب ثلاث مرات؛ الأول: خلال شهر فبراير الماضي قبيل تعيين معروف البخيت، والثاني: خلال شهر أغسطس الماضي، حيث اعتذر الخصاونة في المرتين مبرراً ذلك بشغله منصب نائب رئيس محكمة العدل الدولية، وأهمية هذا المنصب بالنسبة للأردن والعرب، ولكن الخصاونة في المرة الثالثة اضطر إلى الموافقة، خصوصاً وأن الملك تجاوب مع طلبه بأن تكون «الولاية العامة» لمجلس الوزراء حسب ما ينص عليه الدستور الأردني، وأن تمارس الحكومة صلاحياتها كاملة دون تدخلات من أي جهة كانت.
وتضيف المصادر أن الملك استشار الخصاونة في اسم مدير المخابرات الذي يرشحه، فرشح له اللواء فيصل الشوبكي الذي يحتفظ معه بعلاقات قديمة ومميّزة.. ولم تقتصر التغييرات التي أجراها الملك على منصبي رئيس الوزراء ومدير المخابرات، بل شملت كذلك رئيس الديوان الملكي د. خالد الكركي الذي كانت بعض دول الخليج قد تحفَّظت عليه سابقاً، مطالبة باستبداله بسبب دوره في كتابة خطابات الملك الراحل الحسين بن طلال خلال الاحتلال العراقي للكويت التي تضمَّنت إساءات بالغة لدول الخليج، حيث وصفها ب «بلاد الظمأ والملح والنفط المحترق ،» وقد تم تعيين اللواء المتقاعد رياض أبو كركي رئيساً جديداً للديوان الملكي، وهو ما أثار تندر الصحافة الأردنية التي عنونت بعضها «تعيين أبو كركي بدلاً من الكركي!
ارتياح يتبدَّد سريعاً: أثار تعيين د. عون الخصاونة ارتياحاً عاماً في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في الأردن، نظراً لما يُعرف عنه من صفات شخصية ومناقبية عالية، حيث عرف خلال العقدين الماضيين بالدماثة، والاستقامة، والتواضع، والنزاهة، وخلال الفترة التي عمل فيها قاضياً في محكمة العدل الدولية، أظهر أداء قانونياً رفيعاً، وساعد على هذا الارتياح، أنه لم يسبق للخصاونة أن تولى منصباً تنفيذياً في الأردن من قبل، باستثناء منصب رئاسة الديوان الملكي، في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال، خلال الفترة من 1996 - 1998 م، وبالتالي فإن الرأي العام الأردني لا يحمل عنه انطباعات سلبية، أسوة برؤساء الوزراء الذين تم تعيينهم خلال عهد الملك «عبدالله الثاني» الذين كان لمعظمهم تجارب سلبية سابقة.
ولكن هذا الارتياح سرعان ما تبدَّد منذ بدء تسرب أسماء التشكيلة الوزارية، حيث أثارت التشكيلة إحباطاً عاماً، عبّرت عنه مواقف معظم القوى السياسية والاجتماعية، فقد صرح الناطق الإعلامي باسم جماعة الإخوان المسلمين جميل أبو بكر: إن الحركة الإسلامية غير متفائلة كثيراً بالحكومة الجديدة، على الرغم من أن شخص رئيس الوزراء عون الخصاونة يحظى باحترام كبير لدى الشارع الأردني بشكل عام.. مشيراً إلى أن الشخصيات التي أدخلت على الحكومة لا تبعث على كثير من الأمل، خصوصاً أن معظمها شخصيات عامة وغير معروفة، إضافة إلى وجود وزراء كانوا بالحكومات السابقة.
أما حزب الوحدة الشعبية يساري فقد وصف مكتبه السياسي تشكيلة الحكومة بأنها «جاءت استنساخاً للحكومات السابقة، وبذات الآلية المتبعة».. أما لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة، فقد رأت بأن تشكيلة حكومة الخصاونة «أحبطت الأجواء الإيجابية التي سادت عشية تكليفه ورحيل رئيس الحكومة السابق معروف البخيت، وأن التشكيلة أظهرت بأن الحكومة الجديدة لا يمكن أن تؤسس للخروج من الأزمة، ووضع البلاد على طريق الإصلاح السياسي».
أما على صعيد الكتَّاب والصحفيين، فقد عبّر معظمهم عن هذه الروح، حيث عنون الكاتب سليمان الخالدي في مقالته في جريدة «الغد» «النزاهة وحدها لا تكفي»، في حين عنون الكاتب الحقوقي د. فوزي السمهوري مقالته في جريدة «السبيل» «حكومة مخيِّبة للطموح والآمال».
هل تنجح الحكومة في مهمتها؟
لا شك أن مهمة «القاضي» عون الخصاونة، الذي ضحّى بمنصب رئيس محكمة العدل الدولية، الذي كان مرشحاً له، من أجل إنقاذ بلاده، وانتشالها من «المستنقع » الذي يمكن أن تقع فيه، هي مهمة صعبة للغاية، خصوصاً في ظل وجود قوى «الشد العكسي »، التي ترى أن تنفيذ عملية «إصلاح » حقيقية وجوهرية، إنما يعني تهديد نفوذها ومكاسبها وامتيازاتها، لذا فإنها لن تتوانى عن إفشال أي خطط وبرامج إصلاحية حقيقية، ولكن «الغطاء » السياسي الذي يمكن أن يوفره الملك عبدالله الثاني لهذه الحكومة، ودعم مدير دائرة المخابرات العامة اللواء فيصل الشوبكي، الذي يعد صديقاً للخصاونة، يمكن أن يساعدا الخصاونة على مواجهة قوى «الشد العكسي »، ويبقى العامل الأهم في نجاح هذه الحكومة، هو مدى قدرتها على تحقيق إنجازات و «اختراقات » في القضايا التالية:
1- إجراء تعديلات دستورية جديدة إضافية، إذ إن التعديلات التي تم اعتمادها من الملك «عبدالله الثاني » ليست كافية، ولا يزال هناك تعديلان أساسيان مطلوبان، وهما:
أ- تمكين الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية من تشكيل الحكومة.
ب- إلغاء مجلس الأعيان، أو اختياره من خلال الانتخابات العامة.
2- صياغة قوانين جديدة عصرية تشمل قوانين: الانتخابات البلدية، الانتخابات النيابية، الأحزاب.
3- مكافحة الفساد بصورة جديّة وعملية، بحيث يطمئن الرأي العام الأردني إلى جدية الحكومة في مكافحة الفاسدين مهما علت مناصبهم، إذ إن تجارب محاربة الفساد في الفترة الماضية أساءت لصورة الحكومات المتعاقبة، وبدا أن هذه الحكومات جزء لا يتجزأ من مشكلة الفساد.
الأسابيع القليلة المقبلة، هي التي ستظهر نجاح الحكومة في عملية الإصلاح من عدمه، والعبرة بالأفعال لا الأقوال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل