العنوان حكومة جديدة «واسعة الصدر».. والأولوية للتنمية السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 30
السبت 01-نوفمبر-2003
كانت حكومة (أبو الراغب) من أطول الحكومات عمرًا لكن رحيلها فاجأ الأوساط السياسية
كان التغيير الحكومي الأخير في الأردن مفاجئًا، إذ لم تسبقه مؤشرات تؤذن بقرب رحيل حكومة علي أبو الراغب، في حين جرت العادة أن يسبق أي عملية تغيير أو تعديل حكومي الكثير من الضجيج الإعلامي وهذا ما جعل السؤال ملحًا: لماذا جاء التغيير مفاجئًا؟ وما مبرراته؟
بحكم الواقع السياسي في الأردن كان ينبغي أن يكون استمرار حكومة (أبو الراغب) هو المستغرب لا رحيلها، فالعمر التقديري لمتوسط عمر الحكومة في الأردن لا يزيد على عام واحد، وقد تجاوزت حكومة أبو الراغب هذا السقف بكثير، إذ استمرت في الحكم ثلاثة أعوام ونصف العام، قام (أبو الراغب) خلالها بإعادة تشكيل الحكومة مرتين وبإجراء عدة تعديلات وزارية عليها لكن ذلك كله لم يقلل من حجم المفاجأة التي شكلها رحيل الحكومة لا سيما أنها حصلت على ثقة مجلس النواب قبل أقل من أربعة أشهر، عند آخر تعديل وزاري أجري عليها.
لماذا؟
كثير من الأوساط السياسية يرى أن التغيير يتم في غالب الأحيان من أجل التغيير دون مسوغات مهمة تبرر رحيل حكومة وقدوم أخرى. ففي ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة واتخاذ الحكومات قرارات سياسية واقتصادية تثير السخط الشعبي، يغدو التغيير حاجة نفسية أكثر منه حاجة عملية، ويحقق بعض التنفيس بعد فترة من الاحتقان والشد.
والملاحظ أن تغيير الحكومات لا يؤدي في معظم الأحيان إلى تغيير في السياسات والتوجهات حيث يبقى كل شيء على حاله، وهو ما جعل كثيرًا من المواطنين لا يكترثون بالتغيير لقناعة جذّرتها التجربة أنه لن تكون له تأثيرات مهمة عمليًا.
وقد تحدثت الأوساط السياسية والإعلامية مؤخرًا عن صراعات وخلافات شهدها طاقم الحكومة المستقيلة خلال الأسابيع الأخيرة من عمرها، وصلت مستويات غير معهودة من الملاسنة، ورأت في عدم انسجام الفريق الحكومي مبررًا قويًا يفسر سرعة التغيير.
فقد شهدت العلاقة بين عدد من الوزراء توترًا خرج إلى العلن وتعرض ثلاثة وزراء إلى اتهامات من وزير المياه بأنهم يملكون آبارًا ارتوازية ويستغلون المياه الجوفية بصورة مخالفة للقانون، وحرص الوزير على تشجيع الصحافة على إثارة الموضوع.
لكن النزاع الداخلي الأهم الذي شهدته الحكومة نشأ بين (أبو الراغب) نفسه، ونائبه للشؤون الاقتصادية محمد الحلايقة الذي يحظى بنفوذ اقتصادي واسع، وتركز الخلاف على بيع حصة الحكومة في شركة البوتاس لشركة كندية، حيث عارض الرئيس التسرع في إتمام الصفقة خشية التسبب باعتراضات نيابية حادة فيما أيد نائبه سرعة إتمامها بمبرر أن السعر المعروض مناسب.
كتاب التكليف الذي وجهه العاهل الأردني لرئيس وزرائه الجديد المكلف بتشكيل الحكومة فيصل الفايز، أشار بوضوح إلى حالة عدم الانسجام التي عاشتها حكومة (أبو الراغب) في أسابيعها الأخيرة، وقال: «نلاحظ ما شابها من ضعف أحيانًا في بعض أدائها وما ظهر من عدم تنسيق في بعض الأحيان بين أعضائها، وذلك ما أثر على جوهر أداء الفريق الواحد، وما انعكس على انسجامها وتحقيق أهدافها»، وكرر توجيه النقد للحكومة السابقة عندما تحدث عن الصورة المرغوبة للحكومة الجديدة: «نريد حكومة منسجمة مع ذاتها في سبيل تحقيق رؤيتنا... والأداء الحكومي المرجو هو الالتزام الكامل من قبل جميع أعضاء الحكومة رئيسًا ووزراء ليكونوا فريق عمل واحدًا... نرنو إلى حكومة وزراء لا موظفين، فريق عمل متجانس».
وكانت الحكومة الراحلة تعاملت بانفعال زائد مع كثير من الأزمات السياسية والاقتصادية ودخلت في صراعات مع القوى السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني لا سيما بعد قيام الحكومة بسن عدد كبير من القوانين المؤقتة استهدفت بصورة خاصة الحريات العامة، مستغلة عامين كاملين من غياب الرقابة البرلمانية إثر حل مجلس النواب وتأجيل الانتخابات النيابية المرة تلو الأخرى.
ومع أن الحكومة الراحلة وضعت على رأس أولوياتها النهوض بالملف الاقتصادي حتى بات البعض يطلق عليها تسمية (حكومة التنمية الاقتصادية)، فإن الوضع الاقتصادي لم يشهد أي تقدم في عهدها، بل إن أرقام النمو تراجعت والأسعار ارتفعت بصورة كبيرة، والدين الذي أثقل كاهل الاقتصاد ارتفع عما كان عليه سابقاً، وهو ما أعطى مؤشرات على فشل الحكومة.
الأولوية للتنمية السياسية
كتاب التكليف أعطى (التنمية السياسية) الأولوية الرئيسة في أجندة الحكومة الجديدة؛ لهذا الغرض تم استحداث وزارة للتنمية السياسية تتولى إدارة الحوار الوطني مع الأطراف السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني، ويتوقع أن تنطلق هذه الحوارات في مساراتها المتعددة خلال الفترة القادمة، لكنها قد تكون محكومة بالنتائج التي توصلت إليها اللجان التي شكلت لهذا الغرض في عهد الحكومة السابقة.
الحكومة الجديدة جاءت مقلصة من حيث عدد وزرائها، حيث جرى دمج عدد من الوزارات كما تم للمرة الأولى إلغاء وزارة الإعلام والاكتفاء بناطق رسمي باسم الحكومة واستبعد أعضاء البرلمان تمامًا من تشكيلة الحكومة وزادت حصة المرأة فيها، واستبعد من اعتبروا وزراء أزمات في الحكومة السابقة ثار حول أدائهم كثير من اللغط.
واحتفظ وزراء الملف الاقتصادي في الحكومة السابقة بمواقعهم، في مؤشر على استمرار ذات التوجهات التي ركزت على الانفتاح الاقتصادي والخصخصة التي كانت موضع نقد من المعارضة، الملف السياسي لم يجر عليه تغيير هو الآخر، إذ احتفظ وزيرا الخارجية والداخلية بموقعيهما، وكذا وزيرا التعليم والأوقاف.
ويتمتع رئيس الوزراء فيصل الفايز (٥٢ عامًا) بعلاقات جيدة مع القصر، فقد شغل موقع نائب رئيس التشريفات الملكية ثم رئيسًا لها عام ١٩٩٩م، وفي مارس الماضي تولى حقيبة وزارة البلاط الملكي وكان قد حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة کارديف البريطانية، فالماجستير في العلاقات الدولية من جامعة بوسطن الأمريكية، قبل أن يلتحق بالعمل في وزارة الخارجية.
وعلى الصعيد المحلي لم يدخل الفايز في مناكفات مع أي من القوى السياسية، وهو يعد بأن تكون علاقاته إيجابية معها، ويقول: إنه سيكون واسع الصدر في تحمل النقد من الصحافة والأوساط السياسية. أما على الصعيد الخارجي، فيتمتع الفايز بعلاقات جيدة مع عدد من دول الخليج، وسبق أن قام خلال العام الحالي بعدة مهام زار خلالها ثلاثًا من دول الخليج، وأشرف على ترتيب تزويد الأردن بحاجاته النفطية من تلك الدول بأسعار تفضيلية بعد انقطاع النفط العراقي الذي اعتمد عليه الأردن بصورة كاملة خلال السنوات السابقة.