العنوان حكومة يلماظ العلمانية تواصل تحديها: الجماهير التركية تواجه محاولات إغلاق المدارس الدينية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
جاءت التظاهرات الحاشدة التي نظمها إسلاميون عقب صلاة الجمعة بداية الشهر الجاري في إسطنبول أمام جامعي الفاتح وبايزيد، وفي مدينتي قيصرى وقونيه في إطار الاحتجاج ضد محاولات حكومة يلماظ إغلاق مدارس الأئمة والخطباء، وتأكيدا على أن مظاهرة العاصمة أنقرة، واحتجاج الآلاف من أسر تلاميذ المدارس الدينية أمام مقر حزب الوطن الأم الذي يرأسه يلماظ رئيس الوزراء، هي البداية لسلسلة من التظاهرات والاحتجاجات التي ينوي الإسلاميون تنظيمها وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى ازدياد حدة التوتر وعدم الاستقرار في تركيا وبخاصة بعد أن بدأت تلك الاعتراضات تأخذ شكل المواجهة بين الحكومة والإسلاميين الذين يهتفون في تظاهراتهم باستعدادهم للاستشهاد في سبيل ضمان استمرار المدارس الإسلامية في تأدية رسالتها، وهو ما دعا وزارة الداخلية إلى اعتقال ۲۰۰ شخص حتى الآن.
وهذا التطور الجديد يضع أحزاب الحكومة الائتلافية خاصة الوطن الأم في مأزق حرج مع تنامي المعارضة بين أعضائه ضد قانون التعليم الجديد. ورغم توتر الموقف إلا أن مسعود يلماظ رئيس الوزراء التركي يحاول أن يبدو متماسكا، وغير مبال بتلك الاعتراضات سواء الصادرة من داخل حزبه أو الآتية من قبل الشارع التركي، مؤكداً إصراره على تنفيذ مخطط إغلاق المدارس الدينية عبر بوابة النظام التعليمي الجديد الذي يتكلف حوالي مليارين ونصف. المليار دولار «ألف تريليون ليرة تركية» من المتوقع بدءها بمبلغ ۳۰۰ تريليون ليرة منها ۱۰۰ تريليون تؤخذ من الخزانة العامة و۱۰۰ تريليون من ضريبة جديدة سيتم فرضها على الشعب، و۱۰۰ تريليون قرض من البنك الدولي، وذلك وفقا لخطة يلماظ التمويلية للمشروع، والذي أكد في أكثر من مناسبة أنه لن يتراجع عن هذا المشروع مهما كانت الضغوط.. وأيا كانت الاعتراضات.
وتأكيداً على التزامه بذلك الخط قام يلماظ يوم الجمعة قبل الماضي بالتوقيع على لائحة تقضي بإخراج ٧٦ ضابطاً وضابط صف من الجيش بسبب ميولهم الإسلامية، وجاء توقيع يلماظ في اجتماع لمجلس الشورى العسكري حضره للمرة الأولى منذ توليه رئاسة الوزراء وهو الأمر الذي يرى فيه عدد من المراقبين إصراراً من جانب الحكومة التركية على تصعيد الموقف بينها وبين الإسلاميين، خاصة وأن ذلك صاحبه تصريح من وزير الداخلية مراد باشي اسكي أوغلي قال فيه إن وزراءه بصدد البدء في فتح ملف التحقيق مع رجب الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول - من حزب الرفاه - حول دوره في المظاهرات التي خرجت في إسطنبول دون الحصول على إذن من وزارة الداخلية.
وأكد الوزير في تصريحاته التي أعتبرت استفزازية إلى حد كبير بأنه لن يتراجع ولن يتردد لحظة واحدة عن إقالة أردوغان من منصبه إذا أثبتت التحقيقات أن له دورا في تلك التظاهرات بأي شكل من الأشكال.
وقد وصل إلى مجلس الشعب «البرلمان» الذي نظر مشروع قانون التعليم العلماني وكان من المقرر التصويت عليه السبت الماضي مذكرة مذيلة بتوقيع مليون مواطن يؤكدون اعتراضهم على القانون ويطالبون المجلس بأن تكون مدة التعليم الإلزامية ذات الثماني سنوات على مرحلتين (5+3)، وهي نفس وجهة نظر حزب الرفاه في القانون، إلا أن أحزاب الائتلاف الحاكم خاصة حزب اليسار الديمقراطي ترفض ذلك الأمر كلياً ومعها حزب الشعب الجمهوري الذي يدعم الحكومة من الخارج ويطالب رئیسه دينز بيقال بضرورة أن يتم ربط التعليم الديني في تركيا بوزارة التعليم وليس بإدارة الديانة وفقاً لمشروع القانون الحالي.
يذكر أن أزمة إغلاق المدارس الدينية في تركيا اندلعت في أعقاب قيام رئاسة الأركان بتنظيم بعض المحاضرات حول مخاطر الأصولية على النظام العلماني في البلاد، وأعلن العسكر فيها أنهم لن يقفوا على الحياد إزاء تزايد عدد تلاميذ فصول القرآن والذين من المتوقع أن يصل عددهم عام ٢٠٠٥ إلى ستة ملايين طالب، متهمين حزب الرفاه بدعم الأصولية التي انتعشت وفقاً لوجهة نظرهم بعد وصوله للسلطة، وطالبوا المسؤولين بضرورة تطبيق نظام تعليمي جديد تمتد فيه مرحلة التعليم الإلزامي إلى ٨ سنوات متصلة، وذلك بهدف تجفيف المنابع الدينية وإغلاق مدارس الأئمة والخطباء، وهو ما رفض نجم الدين أربكان رئيس الوزراء السابق تنفيذه، وتسبب في حدوث انشقاق وأزمة كبيرة بين السلطة التنفيذية التي يرأسها والمؤسسة العسكرية. مما اضطره إلى تقديم استقالته ليتولى مسعود يلماظ زعيم حزب الوطن الأم الوزارة والذي يتهمه الإسلاميون بأنه جاء لتحقيق رغبة العسكر، وهو اتهام تتضح صحته من إصرار يلماظ على تنفيذ مشروع القانون الجديد رغم ما يواجهه من اعتراضات وتظاهرات جماهيرية وصعاب حزبية سواء من داخل حزبه أو من الأحزاب السياسية الأخرى التي تجلس في مقاعد المعارضة خاصة الرفاه والطريق القويم والوحدة الكبير.
وفي مناورة سياسية ذكية قام مسعود يلماظ بإسناد حقيبة وزارة التعليم ووزارتي الثقافة والدولة للشؤون الدينية والأوقاف إلى حزب اليسار الديمقراطي إضافة إلى وزارة المالية المكلفة بتمويل عملية تغيير النظام التعليمي، وذلك بهدف إبعاد شبهة إغلاق المدارس الدينية عن حزبه الذي يضم عددًا من النواب الإسلاميين إلى جانب تلقيه الدعم الانتخابي من بعض الطرق الصوفية، واضعاً بذلك حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بوليت أجاويد في المواجهة مع الجماهير الآن أو في الانتخابات المقبلة.
فهل ينجح يلماظ في تحقيق هدفه والإفلات من محاسبة الجماهير، أم يفشل يلماظ في أول اختبار له أمام المؤسسة العسكرية؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل