العنوان حلف الأطلسي يعلن الحرب على العالم الإسلامي
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 87
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 28-مارس-1995
لم يكن إعلان أمين عام حلف الأطلسي ويلى كلاس في فبراير الماضي باعتبار الأصولية الإسلامية خطرًا يماثل خطر الشيوعية على الغرب إبان الحرب الباردة مفاجأة لدى كثير من المراقبين الذين يرصدون تحركات القائمين على حلف الأطلسي منذ شهور عديدة، لكن المفاجأة كانت في أن تصريحات ویلی کلاس جاءت شبه متطابقة لنص تصريحات أدلى بها في نفس الوقت شيمون بيريز - وزير الخارجية الإسرائيلي – الذى كان في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أعلن بيريز بأن «الأصولية الإسلامية هي أكبر تهديد للسلام والاستقرار والاقتصاد في العالم بعد الشيوعية».
وكان ويلى كلاس وزير الخارجية البلجيكي السابق، والمتهم في قضايا فساد ورشوة في بلاده، قد اختير أمينًا عامًا لحلف الأطلسي في سبتمبر الماضي ١٩٩٤، وبعد اختياره بأيام قليلة فوض بإعداد ورقة عمل حول خطر الأصولية في زعزعة استقرار منطقة البحر المتوسط، وذلك بطلب من وزير الدفاع الإسباني ودعم وزيري دفاع فرنسا وإيطاليا بعد اجتماع دام يومين في إشبيلية ضم وزراء الدفاع في الدول الست عشرة الأعضاء في حلف الأطلسي، وانتهى في ٢٠ سبتمبر ١٩٩٤، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها وزير الدفاع الفرنسي بنفسه اجتماعًا للحلف؛ حيث اجتمع مع كل من وزير الدفاع الأمريكي، ووزير الدفاع البريطاني كلًّا على حدة، وحذرهما من خطر الأصولية المتنامي في العالم الإسلامي وضرورة تحرك بلديهما في نفس اتجاه فرنسا.
وقد سبقت اجتماع إشبيلية اجتماعات عديدة لوزراء خارجية ودفاع الحلف، دارت كلها حول محور الأصولية الإسلامية وسبل مواجهتها بعدما استقر الغرب - واهمًا - على تحديدها عدوًّا بديلًا للشيوعية التي سقطت في عام ١٩٩١، ورغم قدم هذه الفكرة لدى الغرب ووجود صراعات قديمة في أوروبا بين المسلمين والأوروبيين دخلتها أطراف كثيرة، إلا أن الفرنسيين والإسبان والإيطاليين ظلوا يحملون راية العداء للإسلام؛ وذلك لكثرة المواجهات التي وقعت بينهم وبين المسلمين منذ ما يزيد على تسعة قرون.
ومن العوامل التي ساعدت على ظهور هذه الفكرة أيضًا هذا الكم الكبير من الدراسات والأبحاث والندوات التي نشرتها مراكز التفكير في الغرب، واستطاعت أن تؤثر بها على صناع القرار هناك.
مراكز الدراسات
أما مراكز الدراسات والأبحاث والتفكير التي تملأ الولايات المتحدة على وجه الخصوص، والدول الغربية على وجه العموم، والتي بدأت نشأتها في منتصف الستينيات، ثم أصبحت محورًا مهمًّا من محاور صناعة القرار والتأثير في الغرب، فقد حولت كل اهتماماتها ودراساتها التي كانت منصبة نحو الاتحاد السوفيتي إلى العالم الإسلامي، وصار لا يمر أسبوع إلا وتعقد فيه عشرات الندوات على امتداد رقعة الولايات المتحدة والدول الغربية، تبحث كلها عن العدو الجديد الذي أطلقوا عليه اسم الخطر الأخضر، إشارة إلى العالم الإسلامي، ولأن كثيرًا من مراكز الدراسات والتفكير هذه يسيطر عليها اليهود أو يوجهونها أو يدعمونها، فقد استطاع الصهاينة أن يقنعوا الغرب بأن عدو اليهود هو عدوهم في يوم وليلة، متغافلين عن الواقع المرير الذي يعيشه العالم الإسلامي في هذه المرحلة، وظلت الأفكار تتبلور هنا وتطرح هناك حتى جاء بحث المفكر الأمريكي «صموئيل هنتنغتون» الذي نشره في مجلة «الشئون الدولية» في صيف عام ١٩٩٣؛ لتصبح نظرية صراع الحضارات التي طرحها هنتنغتون هي المحور الذي يدور حوله الغرب، وتتلخص نظرية هنتنغتون كما ذكرها في بحثه المثير قائلًا: إن نظريتي هي أن المنبع الأساسي للصراع في العالم مستقبلًا ليس أيديولوجيًّا ولا اقتصاديًّا، إن الانقسام الكبير داخل الإنسانية سيكون ذا طبيعة ثقافية، إن الدولة، الأمة، سوف تكون دائمًا هي المحرك الأقوى للشئون العالمية، غير أن الخلافات الأساسية في السياسة الكونية سوف تتمحور بين قوميات ومجموعات من ثقافات وحضارات مختلفة» مشيرًا بذلك في بحثه إلى ثماني حضارات عالمية هي الغربية والكونفوشيوسية واليابانية والإسلامية والسلافية والأرثوذكسية والهندوسية واللاتينية والأمريكية والإفريقية.
وسرعان ما أصبح صموئيل هنتنغتون كأنه المفكر الذي استطاع أن يفهم ما لم يفهمه غيره من البشر، ونشرت في أعقاب دراسته مئات الدراسات والأبحاث والمقالات التي أيدتها، وحولت الصراع القادم إلى صراع بين جهتين فقط هما الإسلام والغرب، وكتب مئات الغربيين - غير المنصفين - يحذرون من الخطر الأخضر، القادم وضرورة الاستعداد لمواجهته، فيما ضاعت أفكار المنصفين وأطروحاتهم ونداءاتهم على بني قومهم بأن الإسلام لن يكون خطرًا عليهم أدراج الرياح.
وعلت صيحات هنتنغتون وأنصاره مثل برنارد لويس، وفرانسيس فوكوياما، ويوسف ناي، وروبرت كابلان، وأشعيا يومان، وجان کلود بارو، ودانيال بايبس، وجوديث ميللر، ومئات آخرين على صيحات أطلقها منصفون غربيون مثل جون اسبوزيتو، وجون فول، وإيفون حداد، وجون كين، ولويس كانتوري، وروبرت كرين، وجريق نوكس، وآخرين من المنصفين، حتى جاء إعلان ويلي كلاس في فبراير ١٩٩٥م؛ ليؤكد بأن الغرب قد سار في الاتجاه المغاير، وأعلن الحرب بالفعل على العالم الإسلامي.
إرهاصات مسبقة
سبق إعلان كلاس إرهاصات مسبقة كثيرة أخذت زخمها الكبير في الاجتماع الضخم الذي عقد في إسطنبول يومي التاسع والعاشر من يونيو ١٩٩٤؛ حيث شارك أربعون وزيرًا للخارجية والدفاع بالدول الغربية في اجتماعين منفصلين، ضم الأول مجلس وزراء حلف الأطلسي، والثاني أعضاء مجلس تعاون شمال الأطلسي الذي يضم كافة الدول الأوروبية؛ سواء الشرقية منها أو الغربية، حتى إن روسيا شاركت فيه، وكان محور الاجتماعين يدور حول وضع خطة لمواجهة الخطر القادم الذي يمكن أن يواجه النظام العالمي الجديد بعد زوال قوة الشيوعية، بل وانصهار جزء كبير منها في النظام الجديد، وبعد عشرات الاجتماعات التي عقدت بين الوزراء الأعضاء في الحلف قبل هذا الاجتماع الأخير وبعده؛ كلف أمين عام الحلف ويلى كلاس رسميًّا بإعداد ورقة عمل للحلف عن خطر الأصولية الإسلامية، وذلك في أعقاب انعقاد مؤتمر وزراء دفاع الحلف الذي عقد في إشبيلية في إسبانيا في سبتمبر ١٩٩٤، وقد دعم الطلب في حينه ثلاث دول هي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وتعتبر هذه الدول الثلاث - حسب رأى كثير من المراقبين - هي رأس الرمح الذي يدفع حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي إلى التركيز على حالة عدم الاستقرار في البحر المتوسط وضرورة مواجهة المد لإسلامي.
ورغم أن دول الحلف جميعها قد خفضت ميزانيات دفاعها للأعوام القادمة، إلا أن فرنسا كانت الوحيدة التي أصرت على زيادة ميزانية دفاعها زيادة مضطردة للخمس سنوات القادمة ابتداءً من عام ١٩٩٤، مع زيادة عدد الجيوش وزيادة كفاتها القتالية، وأصدرت لهذه الغاية كتابًا «أبيض» أكدت فيه أنها لن تتراجع أمام تضاعف الأزمات في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتربط الدول الثلاث أحداث تاريخية وصدامات قديمة تتعلق بدول العالم الإسلامي والحملات الصليبية التي قامت ضده انطلاقًا من فرنسا قبل تسعة قرون.
وقد مهد ويلي كلاس لإعلانه بعده لقاءات وحوارات صحفية نشرت في العديد من الصحف الغربية.
ففي حوار نشرته صحيفة «سوديتش زيتونج» الألمانية في الثاني من فبراير الماضي قال كلاس: «إن الأصولية هي على الأقل خطيرة كما كانت الشيوعية، ونرجوكم ألا تقللوا من شأن هذا الخطر» وقال أيضًا: إنه يرى أن حلف الأطلسي يمكنه التصدي للتهديد الذي يشكله المتطرفون الإسلاميون، بينما هو يعيد تحديد دوره بعد أن كسب الحرب الباردة، ثم أضاف: إن حلف الأطلسي هو أكثر من تحالف عسكري، فقد أخذ على نفسه الدفاع عن المبادئ الأساسية للحضارة التي تربط أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، وفي حوار آخر نشرته الإيندبندنت البريطانية في نفس الوقت قال كلاس: إن الخطر الذي يشكله الأصوليون الإسلاميون هو من أهم التحديات التي تواجه الغرب بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة وزوال خطر الشيوعية، وأكد كلاس على ضرورة «ألا نقلل من المخاطر الناجمة عن الأصوليين الإسلاميين، فمن واجبنا أن ننظم حوارًا خاصًّا مع الدول التي تواجه ذلك النوع، من الصعوبات» وبعدما أوضح أن الحلف سيدعو دولًا عدة لبدء مناقشات حول الأمن في حوض المتوسط، تم توجيه الدعوة بالفعل إلى مصر و«إسرائيل» والمغرب وتونس وموريتانيا؛ حيث اجتمع كلاس مع سفراء هذه الدول في بروكسيل، وجرى التنويه إلى أن هذه العلاقات ستدور في البداية في نطاق المبادلات النظامية، لكنها سوف تتطور بعد ذلك إلى تعاون أوسع في مجال الأمن؛ حيث يمكن أن يصل الأمر إلى ضم هذه الدول كأعضاء في حلف الأطلسي.
الدعم الأوروبي
برغم محاولة سفراء بعض الدول الأوروبية لدى حلف الأطلسي التنصل من تصريحات كلاس، ونشر سفراء فرنسا وإسبانيا واليونان وبريطانيا تصريحات في الصحف تدين إعلان كلاس؛ إلا أن واقع وتصرفات هذه الدول كان يخالف ذلك، فكلاس تحرك بناء على طلب وتكليف من دول حلف الأطلسي في اجتماع أشبيلية لإعداد ورقة عمل لمواجهة الأصولية، حتى أن خوليان جارشيا فارجاس – وزير الدفاع الإسباني - قد رسم في هذا الاجتماع صورة كالحة عن اكتساح الأصولية الإسلامية لشمال إفريقيا، وصور بروزها الحاضرين بأنها الخطر الداهم على أمن أوروبا كلها، أما نظيره الفرنسي فرانسوا ليوتار فقد ذهب إلى أبعد من ذلك وقال وهو يخاطب الحضور ويحرضهم على المسلمين: «إن الأصولية الإسلامية تغرز خنجرها عميقًا في صدر أوروبا وإفريقيا» وقد أجابه بعد ذلك وزير التعاون الاقتصادي والتنمية الألماني كارل ديتر شبرا نفر بتصريح نشرته «أوغسبورغ الجمانية» الألمانية قال فيه: «إن فرنسا لم تعد منذ فترة طويلة هي البلد الوحيد المهدد، وإن التطرف الإسلامي يهدد ألمانيا أكثر فأكثر».
وتساءل سيرا نفر قائلًا: «لماذا علينا أن نسمح بدون حدود عليا ببناء مساجد وإدخال نمط الحياة الإسلامية إلى بلادنا، بينما لا ترفع هناك في الوقت نفسه القيود المفروضة على المسيحيين والتمييز بحقهم».
وفي تصريح آخر إلى مجلة «جنرا ابتراتيفر» اليومية التي تصدر في بون أكد شیرانفر في عددها الصادر في ٦ فبراير الماضي على ضرورة «تعاون دول الاتحاد الأوروبي مع الدول الإسلامية التي تدعو للسلام ودعمهم حتى يتمكنوا من تطويق الأصولية»، وقد تطابق هذا مع أطروحات سابقة للمستشار هيلموت كول؛ حيث قال كول في اجتماع ضمه مع ۲۰۰ من كبار المسئولين الغربيين المهتمين بشئون الدفاع في ميونخ في 29 يناير ١٩٩٤: لا يسعني إلا أن أنصح الغربيين بأن يستفيقوا من سباتهم، فهناك خطر حدوث مواجهة مع ۸۰۰ مليون مسلم في العالم، وكان كول يتحدث في أعقاب عودته من الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس الأمريكي كلينتون، وقال كول: إن الخطط الأمنية لأوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط في حاجة إلى إعادة نظر في ضوء ما يجرى في الجزائر والمغرب ومصر وتونس، وأكد كول في خطابه على أن العاصمتين الألمانية والفرنسية تتبادلان المعلومات، وتتعاونان عن كثب في متابعة الأنشطة الإسلامية.
أما الموقف البريطاني فإنه يسير بتنسيق وترتيب مع الموقف الفرنسي، خاصة فيما يتعلق بمسلمي البوسنة والإعلان مرارًا عن عدم السماح بقيام دولة إسلامية أو تكتل إسلامي في قلب أوروبا يكون له تهديده على دول المنطقة.
أمين عام حلف الأطلسي ظل ستة أشهر يعد ورقة العمل لمواجهة العالم الإسلامي.
أما باقي دول الحلف فإنها تسير وراء هذه الدول.
الموقف الأمريكي
أخذت حدة تصريحات المسئولين الأمريكيين المعادية للإسلام تتصاعد مع وصول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض في يناير ۱۹۹۳، ووقوعه تحت الضغط الإسرائيلي المستمر، واستسلامه لمطالب اليهود؛ حتى صار كل لقاء يتم بين كلينتون ورابين تعقبه مباشرة تصريحات تحمل تهديدات مباشرة للأصولية الإسلامية، وكانت آخر التصريحات التي أدلى بها مسئولون في هذا الإطار هو ما صرح به وزير الدفاع الأمريكي وليم بيريأثناء ندوة عقدت في ميونخ في الخامس من فبراير الماضي، وشارك فيها مسئولون كبار وخبراء من حلف شمال الأطلسي؛ حيث قال بيري: «سأعمل خلال اجتماعاتنا الوزارية المقبلة على حث أعضاء حلف الأطلسي على تركيز اهتمامهم على ظاهرة تنامي الحركات الإسلامية الأصولية في منطقة البحر الأبيض المتوسط».
أما نيوت جينجريتش - رئيس مجلس النواب الأمريكي الذى كان أول مطلب له بعد توليه منصبه في يناير الماضي هو أن تنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس باعتبارها عاصمة إسرائيل الأبدية، فقد قال في مؤتمر صحفي عقده في واشنطن أمام ضباط في الجيش وجهاز الاستخبارات الأمريكي في السادس من فبراير الماضي: «إن على الولايات المتحدة أن تعتمد على استراتيجية متماسكة وواضحة لمقاومة التطرف الديني» وتقديم المساعدات إلى الجزائر من أجل الصمود والبقاء، وكذلك للنظامين في مصر وتركيا» وأضاف بأن المطلوب هو وضع إستراتيجية صلبة لمكافحة ما أسماه بـ «الشمولية الإسلامية» غير أن «القانون الشامل لمكافحة الإرهاب1995»، والذي تقدمت به الحكومة الأمريكية إلى الكونجرس في أوائل فبراير الماضي، والذي يتكون من ۱۱۳ صفحةً، ويضم سبعمائة مادة ومادتين يعتبر من أكثر القوانين التي يمكن أن تحد من تحركات المسلمين أو أنشطتهم في الغرب، كما يعطى السلطات الأمريكية حق محاربة المد الإسلامي في أي مكان خارج الولايات المتحدة، وقد شرح رئيس الكونجرس نيوت جنجريتش ملخص هذا القانون في أنه يمنع وصول الأصوليين إلى السلطة في أية دولة في العالم، ويهدف إلى تطوير إستراتيجية فعالة لمساعدة قوى جديدة على تسلم السلطة في إيران والسودان، وكذلك التعاون مع أصدقاء الولايات المتحدة في الغرب والعالم لاتخاذ موقف موحد من الأصولية، ورغم أن القانون لم يشر بوضوح إلى الأصولية الإسلامية إلا أنه فضل عليها، وتتهم الجمعيات الإسلامية الأمريكية جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة بأنها تقف وراء هذا القانون الذي يستهدف العمل الإسلامي على وجه الخصوص، وقد أصدر المجلس الإسلامي الأمريكي بيانًا انتقد فيه مشروع القانون، وقال عبد الرحمن العمودي رئيس المجلس: «إن ما اطلعنا عليه أثار قلقنا الشديد؛ لما وجدناه من محتويات تتناقض مع المبادئ الأولية للحقوق المدنية التي كفلها الدستور الأمريكي للمواطنين في الولاياتالمتحدة، كما أن القانون أشبه ما يكون بقوانين الطوارئ في بعض دول العالم الإسلامي»، وأشار العمودي بأن القانون بوضعه الحالي موجه بالتحديد إلى الحركات الإسلامية.
الدور الصهيوني
لا نستطيع إغفال الدور الصهيوني في تصعيد هذه المواجهة إن لم يكن تحريكها جميعها، فالكيان الصهيوني هو المعني أولًا بالمد الإسلامي والصحوة الإسلامية التي تملا العالم الإسلامي، وهو الذي يعيش أجواء الحرب مع المسلمين؛ سواء داخل فلسطين المحتلة أم خارجها، ومع موجة الفساد المستشرية في الإدارات الغربية بعمومها وجد اليهود فرصتهم في الاختراق والتوجيه وإقناع الغرب المتخبط بأن أعداء «إسرائيل» هم أعداء الغرب، وأن الإسلام هو الخطر الأول على الجميع، ففي رحلة قام بها حاييم هيرتوزج - رئيس الكيان الصهيوني السابق – إلى بولندا في مايو ۱۹۹۲ ألقى خلالها خطابًا أمام البرلمان البولندي قال فيه: إن الأصولية الإسلامية وتجدد العداء للسامية لا يزالان يهددان الشعب اليهودي، ويقول أثناء زيارة قام بها لبريطانيا في فبراير ۱۹۹۲: «إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر»، ويكرر الكلام نفسه في لاهاي وهولندا، ومن هناك وجه خطابا إلى الدول العربية ناشدها فيه «توحيد جهودها لمكافحة ظاهرة التطرف الإسلامي، وذلك من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط».
أما إسحاق رابين رئيس حكومة العدو الصهيوني فإنه يكرس كل جهده الآن وجهد حكومته لمحاربة المد الإسلامي والصحوة الإسلامية التي يعتبرها الخطر الحقيقي المهدد للكيان الصهيوني، ويشكل هذا الموضوع محور اهتمامه في معظم خطبه ولقاءاته؛ سواء داخل الكيان الصهيوني أم خارجه، ويعطى لهذا الموضوع اهتمامًا لدى زياراته للولايات المتحدة التي يتردد عليها بصفة دائمة، ففي مؤتمر اتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة إيباك، والذي عقد في إبريل ۱۹۹۳ قال رابين، «إننا لسنا متأكدين - بعد - من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تمامًا خطر الأصولية الإسلامية، والدور الحاسم الإسرائيلي في محاربتها» ثم يستطرد قائلا: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضًا إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السلام العالمي، والآن نقف نحن الإسرائيليين في خط النار الأول ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية».
الصهاينة يحركون العالم كله من أجل المواجهة مع العالم الإسلامي
وفي أعقاب لقائه مع الرئيس كلينتون بعد هذا الخطاب أشار رابين إلى اتفاق إسرائيلي أمريكي يقضى بملاحقة الحركات الإسلامية التي وصفها بأنها تقف في طريق السلام، وأكد رابين على أن كلًّا من الولايات المتحدة وإسرائيل سوف تبحثان في المستقبل القريب وبكثير من الاستعجال في كيفية مواجهة مختلف «أوجه التعصب الذي أدي إلى الإرهاب القاتل الذي وصل إلى الولايات المتحدة أخيرًا».. وفى مؤتمره الصحفي الذي مع كلينتون دعا رابين إلى إشراك ما أسماء بالدول الحرة من أجل التشاور حول الوسائل الرامية إلى كبح جماح الأصولية التي تشكل على حد زعمه - تهديدًا لأمن إسرائيل ودول المنطقة.
واستكمالًا لتلك المسيرة فقد كشفت مصادر «إسرائيلية» في الثاني عشر من فبراير الماضي لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن بنود قالت: إنها جزء من خطة إستراتيجية لمحاربة «الأصولية الإسلامية» وقالت: إنه تم عرضها على وزراء مجموعة الترويكا الأوروبية خلال زيارتهم التي قاموا بها إلى تل أبيب في أوائل فبراير الماضي.
التنسيق الصهيوني الغربي
إن ربطًا بسيطًا بين تصريحات هيرتزوج ورابين وتصريحات الغربيين نجد أن هناك تنسيقًا وتطابقًا في التصريحات والآراء والمواقف، وما أعلنه رابين في الولايات المتحدة في إبريل ۱۹۹۳ صار واقعًا قائمًا في فبراير ۱۹۹٥، وبالتالي فإن إعلان حلف الأطلسي هو وليد تحركات وتكتيكات ودراسات وأبحاث وزيارات ولقاءات ومؤتمرات استمرت على مدار سنوات عديدة، قام اليهود الصهاينة فيها بدور كبير، وهي تدفع كلها نحو المواجهة والصدام.
سحق الشعوب
إن المراقب لهذه التوجهات الجديدة لا يمكنه إغفال ما تهدف إليه، فإعلان الحرب على «الأصولية الإسلامية» بالمفهوم الغربي والمفهوم الصهيوني هو إعلان الحرب على أصول الإسلام وجذوره، تلك الأصول التي يرفض أي مسلم أن يتخلى عنها، أو يتنازل عن التمسك بها، ومن ثم فإن هذا الإعلان موجه إلى الشعوب المسلمة وإلى العالم الإسلامي بأسره، وليست هناك فئة مستثناة، وإذا كان بعض المسئولين الغربيين حاولوا لي عنق هذه الحقيقة، فإن المستشار الألماني هيلموت كول قد أشار إليها بوضوح في يناير ١٩٩٤ بوضوح حينما قال: «لا يسعني إلا أن أنصح الغربيين بأن يستفيقوا من سباتهم، فهناك خطر حدوث مواجهة مع ۸۰۰ مليون مسلم في العالم».
وبالتالي فلم يعد على الشعوب المسلمة سوى أن تدرك هذه الحقيقة، وتتعامل مع هذا الواقع قبل أن تسحق.