العنوان حمدًا لله وشكرًا
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 15-فبراير-2000
اللهم لك الحمد كله، ولك الكمال كله، ولك التقديس كله، اللهم اغفر لي جميع ما أسلفته واعصمني فيما بقي، اللهم إني أتوسل بك إليك، وأسألك أن تجمع لي جوامع الخير كله، وأن تصلح حالي في الدنيا والآخرة، وأن ترزقني عملًا صالحًا ترضي به عني، اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنّ فضلًا.
الحمد لله الذي هدانا للإيمان وأتم علينا نعمة الإسلام، الحمد لله الذي أنعم علينا بالأخوة الصادقة على طريق الدعوة إلى دينه، الحمد لله الذي جمع قلوبنا على الحب فيه، والإخلاص له والعمل لرسالة الإسلام، الحمد لله حمدًا يكافئ نعمه ويوافي مزيده، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
هأنذا التقي إخواني وأحبابي من جديد ولا بد أن أتقدم إليهم جميعًا بخالص الشكر والتقدير لما غمروني وأهلي به من مشاعر جياشة وعواطف صادقة طوال غيابي 5 سنوات عن اللقاء بهم والأنس بقربهم، وإن لم يغيبوا عن بالي وخاطري يومًا ما، فمن لم يشكر الناس لا يشكر الله كما جاء في الأثر.
فشكرًا لهم وجزاهم الله عني وعن أهلي وأسرتي خير الجزاء، كما كانت دعواتهم تحوطني وإخواني جميعًا، تخفف عنا، ويرفع الله بها عنا التضييق والإيذاء.
وكانت رسائلهم تصلنا مكتوبة وشفوية تحمل السلام والدعوات تنزل على قلوبنا بردًا وسلامًا.
وغمرنا الناس بلا استثناء على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم ومشاربهم بكل الحب والعطف والإكرام من جميع دول العالم بمختلف اللغات واللهجات وصلتنا رسائل وطرود تحمل التعاطف والهدايا.
زملاء العمل والجيران، العاملون في الحقل الإسلامي، على اختلاف وجهات النظر، المناضلون السياسيون من الأحزاب والقوى السياسية وقفوا ضد إحالتنا إلى المحاكم العسكرية مطالبين بوقف محاكمة المدنيين أمام مجالس عسكرية. منظمات حقوق الإنسان عالمية وعربية ومصرية حضرت معنا التحقيقات وراقبت المحاكمات وزارتنا في السجون، العاملون بحقل الإعلام وقفوا بجوار قضيتنا العادلة، ونقلوا بأمانة وجهات نظرنا، ودافعوا عن حقنا في الحرية ومحاكمة عادلة أمام قاضينا الطبيعي وطالبوا بالإفراج السريع عنا.
وتسير قافلة الدعوة إلى الله
ونلتقي مرة أخرى على طريق الدعوة إلى دين الله، وفي مجال الدعوة لا بد أن أشير إلى موقف كل الدعاة إلى الله تعالى الذين ساندوا الإخوان في محنتهم، وأظهروا مواقفهم الصادقة وعلموا أن المصائب تجمعن المصابينا، وأيقنوا أن هذه الدعوة لن تضعف أو تستكين، وأنها ما زالت على طريق الحق ثابتة، لا يثنيها تهديد أو وعيد، وأنها تنطلق من الإسلام ومنه تستمد.
فشكر الله لكل الدعاة، ولكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، شكر الله لهم دعواتهم الصادقة وابتهالاتهم في ساعات السحر واستنزالهم سهام القدر، فقد خفف الله بها عنا كثيرًا، وعليهم الاستمرار في اللجوء إلى الله حتى يرفع الغمة عن بقية إخواننا وكل الشباب المسلم في السجون والمعتقلات والمحتشدات في كل بقعة من بقاع الأرض، وأن يطلق سراحهم، ويخفف عنهم ويثبتهم على الحق ويرزقهم وأهلهم الصبر والرضا والثبات.
ونمضي معًا على طريق الدعوة التي لم تخدعنا بل بصرتنا وعرفتنا فلم نهتز، وتضرعنا إلى الله أن يرزقنا حسن الظن به وجميل التوكل عليه.
فقد قال إمام هذا الجيل الشهيد حسن البنا: «العقبات في طريقنا»، وصارحنا فقال: أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا تزال مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وستعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟» .
وقد صدَّقت الأيام والمحن قوله، وأجاب الإخوان عن تساؤله منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان بما تقر به عينه وأعين المؤمنين ونسأل الله أن يزيدنا ثباتًا وبصيرة، ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: 27). ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (الحجرات: 17).
وبعد، فطالما استمرت الأوضاع على ما هي عليه واشتدت الهيمنة الأجنبية على مقدرات أمتنا سيلقى الصادقون في معارضتهم للتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية البلاء إثر البلاء، فعليهم الاستعداد لذلك من مختلف الاتجاهات والأفكار خاصة الدعاة في كل مكان.
وعلينا أن نتهيأ لكل الظروف ونسأل الله العافية واللطف بنا وبأمتنا وأن نستعين بحسن الصلة بالله وقوة الإيمان به وصدق التوكل عليه وجميل الثقة به.
وأن نعد أهلنا وأسرنا لذلك وأن نعينهم على الصبر بحسن العشرة وصدق المودة وإسداء المعروف، وأن نساعدهم على الثبات بالفهم السليم والإخلاص الصادق ومعرفة الطريق والاستعداد لمراحله المختلفة.
وأن نكسب أهلنا وأرحامنا إلى صفنا وأن نزيل ما يشوب علاقاتنا بهم من شوائب أظهرتها أطماع الحياة الدنيا، وأن تتخفف من شواغل الدنيا وجواذب الطين حتى لا تثقلنا الهموم إذا وقع البلاء.
وأن نعيش مع أهل المحن والابتلاء في السجون والمعتقلات:
- ندعو الله لهم في كل صلاة بالفرج القريب والثبات على الحق.
- نصلي لهم بالليل في ساعات السحر وتذكرهم بأسمائهم.
- أن نطمئن على أهلهم وأولادهم ونقف بجوارهم ونراسلهم.
- أن نراسل هؤلاء خلف الأسوار ولو ببطاقات المعايدة في المناسبات كما يفعل المواطنون في الخارج، فهذا أقل ما يجب نحو هؤلاء الممتحنين الراضين بقضاء الله.
كلمة أخيرة
يعلم الله أننا لا نحمل في قلوبنا ضغينة لأحد أو كرهًا لشخص، حتى هؤلاء الذين ظلمونا أو ساعدوا على ظلمنا، بل ندعو الله لهم أن يكونوا عادلين وأن يقيموا العدل بين الناس، نحن نكره الظلم ولكننا ندعو الله أن يثوب الظالمون إلى رشدهم وأن يرفعوا المظالم عن الناس.
ولابد أن أشكر كل من القت به أقداره في طريقنا رغمًا عنه: حراسًا وقوات أمن وجنودًا ووكلاء نيابة وغيرهم، شكرًا على التعاطف المكتوم الذي امتلأت به صدورهم نحونا، ولم يستطيعوا أحيانًا التعبير عنه بحرية، شكرًا على المعاملة الحسنة في إطار القوانين واللوائح والتعليمات، شكراً على كل كلمة طيبة تخفف عناء ولفتة كريمة تزيل عنا آثار المحنة.
ستظل قلوبنا مملوءة بالحب لكل الناس، وستظل أيدينا ممدودة بالخير للجميع، ونسأل الله أن تظل صدورنا نقية صافية، كما هو أدب الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل