العنوان بسبب انتقادهم للنظام البعثي: حملة اعتقالات واسعة في صفوف الإسلاميين في العراق
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 45
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
* تعاظم موجة السخط الشعبي بعد تفاقم الإجراءات القمعية بحق جميع المواطنين.
* النظام يقوم بحملات تصفية للمعارضين بصفة مستمرة منذ عام ١٩٦٨م وإلى الآن.
أصدرت منظمة ليبرتي المعنية بحقوق الإنسان في لندن تقريرًا هامًّا في الثالث عشر من نوفمبر الجاري عن الأوضاع المتردية في العراق، وقيام النظام العراقي بحملة اعتقالات واسعة في صفوف الإسلاميين مؤخرًا بسبب السياسات الداخلية والخارجية التي يمارسها النظام البعثي في العراق، والتي أدت إلى تدهور الأوضاع بشكل سيئ، وقد شملت حملة الاعتقالات أساتذة جامعات وعلماء ومهنيين بارزين. وقد جاء في تقرير ليبرتي- نقلًا عن مصادرها في بغداد- بأن سلطات الأمن العراقية لا تزال مستمرة في شن حملة مكثفة على الإسلاميين في مختلف مدن العراق ذات الأغلبية السنية، وقد شملت الحملة اعتقالات واسعة في صفوف السنة العاملين في مشاريع الإغاثة والعمل التطوعي الاجتماعي والثقافي من ذوي الميول الإسلامية، وكانت هذه الحملة قد بدأت في أوائل شهر أكتوبر الماضي، وتركزت في البداية على بعض الشخصيات المرموقة، ثم ما لبثت أن توسعت لتشمل المئات من أقاربهم وأصدقائهم والمتعاطفين معهم، وقد شملت الاعتقالات حتى شهر نوفمبر تشرين الثاني الجاري أكثر من ألف من المواطنين العراقيين، بعضهم من الشيوخ والمرضى والأطفال، وكثير منهم من النساء اللواتي أخذن رهائن بعد أن أفلت أزواجهن أو أقاربهن من الاعتقال، وكان الإسلاميون قد استأنفوا نشاطاتهم العلنية بعد أعوام من الاضطهاد والمنع التام إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق نتيجة لمغامرات النظام العراقي بغزو إيران أولًا في مطلع الثمانينات، ثم بغزو الكويت ثانيًا في مطلع التسعينات.
● البعث يكمم الأفواه
ولم يكن المنع مقتصرًا على الإسلاميين، فقد منعت السلطات الحاكمة في العراق أي نشاط سياسي علني معارض منذ وصولها إلى السلطة في انقلاب عسكري في 17/7/1968م، وعلى الرغم من تشكيل جبهة وطنية سنة ۱۹۷۰م، أجيز بموجبها لبعض الأحزاب بالعمل ضمن شروط معينة، إلا أن الحركات الإسلامية ظلت مستبعدة، في حين انضم إلى الجبهة الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الديمقراطي الكردستاني «البرازاني» إضافة إلى بعض الشخصيات السياسية، وفي عام ۱۹۷۱م جرت أول اعتقالات في صفوف الإسلاميين السنة، أدت إلى الحد من نشاطهم بشكل ملحوظ، وفي منتصف السبعينيات شنت السلطات حملات اعتقال وإعدام متوالية ضد الإسلاميين الشيعة، بينما تعرض السنة منذ تولي صدام حسين للرئاسة في تموز 1979م، إلى حملات من الاعتقال والإعدام تجددت في سنوات ۱۹۸۰،۱۹۸۱، 1985، ۱۹۸۷، وكان آخر هذه الحملات الكبيرة اعتقال أكثر من مائتين من الإسلاميين السنة في شهري يناير وفبراير من عام ۱۹۸۷م، وجرت محاكمات صدرت بموجبها أحكام على ٥٦ متهمًا، منها خمس أحكام بالإعدام، ولكن تراجع النظام عن أحكامه؛ فأطلق سراح من حكم عليه بالسجن بقرارات عفو، ثم أفرج عن الخمسة المحكوم عليهم بالإعدام في شهر ديسمبر من عام ١٩٩٠م، ويعزى هذا التراجع إلى حسابات أمنية خاصة، حيث إن العرب السنة يشكلون العمود الفقري لأجهزة النظام الحاكم، وقد تجلى ذلك فيما بعد حينما حرص النظام- رغم بطشه- على تحاشي إثارة حفيظة آخر رصيد بقي لديه، بعد أن انفصلت المناطق الكردية تحت الحماية الدولية، ونفذت قرارات منع الطيران، ومؤخرًا منع تحريك القوات إلى الجنوب.
●إثارة قضية الأصولية
أما الآن، وضمن خطته لإرضاء المجتمع الدولي، وإقناع الغربيين برفع الحظر عن البلاد، بدأ النظام- وتؤيده في ذلك فرنسا وروسيا- بإثارة قضية الخطر الأصولي منتهزًا الفرصة لقمع النشاطات الإسلامية التي انتشرت إثر الاستياء الشعبي المتنامي بسبب الظروف الاقتصادية المتردية نتيجة الحظر الاقتصادي الدولي المفروض منذ غزو الكويت في أغسطس «آب» ۱۹۹۰م، وخاصة أن النظام ظل يعارض أي نشاط لمنظمات الإغاثة الدولية، ويقاوم قيام أي نشاط إغاثي محلي، وتعاظمت موجة السخط الشعبي مع تفاقم الإجراءات القمعية بحق من يمارس التجارة من المواطنين، حيث سجن وأعدم العديد من التجار بتهم مختلفة منها تداول العمولات الأجنبية، وظهر التذمر على صور نقد لإجراءات السلطة من قبل بعض الخطباء في صلوات الجمعة في المساجد، مما جرأ كثيرًا من الناس على ممارسة النقد علانية، وتحميل الحكومة مسؤولية ما يعيشه الناس من معاناة وضيق، وما لبثت موجة التذمر أن بلغت ذروتها مطلع شهر أكتوبر مع تحركات الجيش العراقي قرب الكويت، وتوجيه الدعاة والمصلحين الانتقادات اللاذعة إلى النظام الذي أدخل البلاد في أزمة خانقة، يعاني بسببها ملايين العراقيين الجوع والمرض والاضطهاد.وتؤكد مصادر ليبرتي أن النظام بادر نتيجة لذلك بشن حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت عددًا من الخطباء والعلماء وأساتذة الجامعات ومختلف فئات المثقفين.
●نوعيات المعتقلين
ومن الذين اعتقلوا في بداية الحملة الدكتور مصطفى البنجويني «٦٥ عامًا» وهو أستاذ في أصول الفقه من علماء الأكراد المشهورين يقيم في الموصل، ولم تتأكد التقارير بأنه تم مؤخرًا الإفراج عنه لتردي حالته الصحية في السجن؛ حيث كانت قد أجريت له عملية تبديل شرايين في القلب قبل عشر سنوات في سويسرا، ويحتاج بشكل مستمر إلى تعاطي عقاقير طبية خاصة، كما تردت الحالة الصحية للشيخ أيوب الخطيب- رئيس رابطة العلماء في محافظة صلاح الدين، وإمام المسجد الكبير في سامراء- فأفرجت السلطات عنه بعد أيام من اعتقاله، إثر تدخل نائب الرئيس عزت الدوري شخصيًّا لكونه من عشيرته، وأما الشيخ إبراهيم النعمة- رئيس رابطة علماء الموصل- فتفيد المصادر بأنه لا يزال قيد الاعتقال، ولا يعرف شيء عن مصيره.ومن المعتقلين اختصاصي طب العيون الدكتور محمد شاكر الغنام، الذي كان مديرًا لمستشفى تكريت العسكري قبل أن يحال على التقاعد برتبة أدنى بسبب رفضه الانتماء لحزب البعث الحاكم، والدكتور عمر محمود، وهو عميد صيدلي متقاعد منذ عدة سنوات، وكلاهما تأكد نبأ تدهور صحتيهما في أجواء سيئة من الاعتقال، إذ لا يتوفر لهما العلاج الطبي اللازم، ويحتجزان في زنازين مغلقة منذ أكثر من شهر.
أما إمام مسجد سامراء الشيخ أحمد حسن ألطه- الأستاذ سابقًا في كلية الشريعة بجامعة بغداد- والذي فصل منها بسبب معارضته لسياسات السلطة، وانتقاده لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، فقد اعتقل مع ولديه حسام «۲۰ عامًا» وعبد الوهاب «۱۷ عامًا» في سامراء، وتم نقلهم إلى بغداد، ولا يعرف شيء عن مصيرهم منذ اعتقالهم.وفي مدينية الدور الواقعة ٣٠ كم شمال سامراء، داهمت قوات الأمن منزل الدكتور إبراهيم كارنيك- طبيب بيطري يعمل في المنطقة منذ ١٤ سنة- ولما لم يعثر عليه اعتقلت زوجته، ولا تزال محتجزة في مكان مجهول منذ أكثر من شهر، علمًا بأن لديها أربعة أطفال صغار بحاجة لرعايتها.ومن المعتقلين المهندس محمد حمزة الدوري المقيم في بغداد، والذي كان محكومًا عليه بالإعدام سنة ۱۹۸۷م، وأفرج عنه بعفو خاص في ديسمبر ۱۹۹۰م، وكذلك رجل الأعمال المهندس عواد اليعقوب من البصرة، الذي اعتقل قبل أربعة أسابيع، هو وخاله وأخواه، وبينما أطلق سراح الثلاثة فيما بعد بقي عواد معتقلاً ولا يعرف شيء عن مصيره، ولا مكان احتجازه، علمًا بأنه حكم بالسجن لمدة ١٥ عامًا سنة ۱۹۸۷م، وأفرج عنه في قرارات العفو العام في شهر سبتمبر ۱۹۸۸م.
● شمول الاعتقالات لمحافظات مختلفة
وتؤكد مصادر ليبرتي وجود أعداد كبيرة من المعتقلين من الموصل والمناطق المجاورة لها، ومن محافظة الأنبار «من مدن الفلوجة، الرمادي، هيث، حديثة، رأوه، عانه، القائم»، وكذلك من محافظة صلاح الدين «من مدن تكريت، سامراء، بيجي، الدور» بالإضافة إلى المعتقلين من بغداد وضواحيها، ومن بعقوبة والمقدادية والبصرة.ويفيد بعض من أطلق سراحهم مؤخرًا بأن السلطات لم توجه لهم تهمًا محددة، وإنما اكتفى المحققون بالقول لهم «إنكم تشكلون تهديدًا محتملًا لأمن الدولة، رغم أننا لا دليل لنا على ذلك حتى اللحظة».لقد ساء منظمة ليبرتي ما تدهورت إليه الأوضاع في العراق بسبب سياسات النظام الحاكم فيه، وهي إذ تبدي تعاطفها مع الشعب العراقي منددة بانتهاكات حقوقه، فإنها تطالب الحكومة العراقية بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وبإطلاق الحريات في البلاد، وبالحيلولة دون استمرار المباحث وسلطات الأمن في البطش بالمثقفين، والعاملين في حقول الإغاثة والعمل التطوعي، الذي إنما يهدف إلى التقليل من معاناة الناس بسبب الأزمة المفروضة عليهم دون خيار منهم.