; حملة العلاقات العامة الصهيونية.. خارج محكمة لاهاي | مجلة المجتمع

العنوان حملة العلاقات العامة الصهيونية.. خارج محكمة لاهاي

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 26

السبت 06-مارس-2004

الموقف الفلسطيني سواء على صعيد السلطة أو المنظمات لم یکن موفقًا في إدارة مهمة علاقات عامة في قضية الجدار لكسب الرأي العام الدولي

يكيف يمكن للسلطة أن تقنع الرأي العام بأنها ضد الجدار بينما تدور إشاعات عن أن مسؤولين كبارًا فيها يبيعون الإسمنت لإسرائيل؟

هناك أدلة دامغة على أن مسؤولين كبارًا في السلطة لديهم شركات مقاولات تبني مستوطنات صهيونية في الضفة الغربية 

بعد أن أنهت محكمة العدل الدولية سماع مرافعات عدد من الدول غير المؤثرة في الرأي العام الدولي، بشأن قضية جدار الفصل العنصري الذي يبنيه الكيان الصهيوني داخل أراضي الضفة الغربية، انكبت المحكمة وراء أبواب مغلقة على دراسة القضية تمهيدًا لإصدار «رأيها الاستشاري» للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو رأي من المنتظر ألا يتم إعلانه أو التوصل إليه إلا بعد فترة طويلة غير معروفة. الضجة الإعلامية التي رافقت اليوم الأول من مرافعات الأيام الثلاثة خبت وتلاشت في اليومين الثاني والثالث وما بعدهما، مما يشير إلى عدم اهتمام وسائل الإعلام بالحدث بالشكل الذي كان الجانب الفلسطيني والعربي يأمله، فالموقف الأمريكي منحاز لإسرائيل في قضية الجدار، وكذلك الموقف الأوروبي الذي رفض مبدأ إحالة القضية إلى المحكمة الدولية. 

«إسرائيل» حشدت ماكينتها الإعلامية وعلاقاتها العامة للدفاع عن موقفها فشحنت آلاف اليهود ومعهم بقايا حافلة كانت قد فجرت في عملية استشهادية قبل شهور ووضعتها خارج مبنى المحكمة، لتوجيه انتباه وسائل الإعلام العالمية ولفتها عما يدور داخل المحكمة وقد نجحت في هدفها إلى حد بعيد.

الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية استشعر الخطر الواقع عليه، لكنه كان استشعارًا متأخرًا، فكانت المظاهرات والاحتجاجات التي تجلت في مواجهات قرى «بيت دقو» و«بيت إجزاء» و«بدو» قضاء القدس المحتلة. وكانت مواجهات القرى الثلاث قد استعرت وأدت إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة خمسين آخرين بجروح عندما بدأت جرافات الاحتلال في عملها تمهيدًا لبناء الجدار العنصري في أراضيهم.

وعلى رأي محلل إسرائيلي فقد كانت إسرائيل محظوظة لأن اشتباكات قرى القدس وسقوط الشهداء وهذا العدد الكبير من الجرحى بين الفلسطينيين وقع بعد انتهاء مرافعات محكمة العدل الدولية حول الجدار، مثلما كانت محظوظة عندما وقعت عملية القدس الاستشهادية قبل يوم واحد فقط من بدء تلك المرافعات فالمعركة الإعلامية وحملة العلاقات العامة التي لازمت قضية الجدار لم تكن تسير في صالح الفلسطينيين.

لقد حرص الكيان الصهيوني على إرسال عدد من طلاب الجامعات العبرية ومن شبابها «المثقف» إلى لاهاي للدفاع عن الموقف الصهيوني من قضية الجدار خلال مرافعات لاهاي التي رفضت حكومة شارون حضورها أو المشاركة فيها. ومع أن بعض المشاركين اليهود الذين تجمعوا خارج مبنى المحكمة وهم يحملون الأعلام الإسرائيلية وصور قتلاهم في العمليات الاستشهادية لم يكونوا من المؤيدين لبناء الجدار الحالي على حد وصف أحد المسؤولين عنهم، فإن هدف التجمع الصهيوني كان محددًا وهو الدفاع عن حق إسرائيل في حماية نفسها. 

ووفقًا لأمريكي يهودي أسهم في حملة العلاقات العامة الإسرائيلية بإرسال خمسة وخمسين طالبًا يهوديًا إلى لاهاي خلال المرافعات، فإن بعض الطلاب يريدون هذا الجدار على حدود الخامس من يونيو ١٩٦٧، وليس داخل أراضي الضفة الغربية. ويقول جوي لاو مؤسس منظمة للعلاقات العامة لدعم الكيان الصهيوني وتدعى «إسرائيل في القلب»: إن الجميع مجمع على حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها، وأن أسلوب ذلك ينبغي أن يكون مسألة إسرائيلية داخلية على حد زعمه، وليس محكمة العدل الدولية.

لاو يدعي أنه أسس منظمته هذه قبل عامين لشعوره بالإحباط من أن ممارسات حكومة شارون لا تساعد على تحسين صورة الدولة اليهودية في الخارج. هذا الرجل دفع من جيبه أكثر من خمسين ألف دولار لتمويل حملة هؤلاء الطلاب التي استغرقت ثلاثة أيام من المظاهرات ضد المرافعات، والحديث لرجال الإعلام مستعينين بأكبر وسيلة إيضاح جلبوها معهم وهي الباص المدمر وكان لاو قد أرسل ثلاثين شابًا صهيونيًا ليجوبوا المدن الأوروبية في نوفمبر الماضي، وهو يخطط لإرسال مؤيدين آخرين يتحدثون الإسبانية والبرتغالية إلى أمريكا الجنوبية الشهر القادم.

الحملة الإعلامية الصهيونية بدأت بإحالة قضية الجدار إلى المحكمة العليا الإسرائيلية استباقًا لمحكمة لاهاي، وتبع ذلك مزاعم إسرائيلية عن تفكيك أجزاء من الجدار أقيمت شرقي عدد من القرى الفلسطينية قرب طولكرم وهي باقة الشرقية ونزلة عيسى، ونزلة أبو نار مما يعزلها عن محيطها العربي ويمنع حركة أهاليها وتواصلهم مع بقية المناطق الفلسطينية. وقد فتحت قوات الاحتلال بوابتين لعبور الناس في حملة علاقات عامة لتحسين صورة الجدار في نظر الرأي العام العالمي، بعد أن ظل أهالي هذه القرى الثلاث يعانون على مدى ثمانية أشهر من الإغلاق المستمر المفروض عليهم.

 وعلى الرغم من أن جزءً من الجدار قد أزيل من ناحية الشرق إلا أن الحقيقة هي أن «إسرائيل» أكملت بناء جدار أخر غرب هذه القرى الثلاث وبارتفاع ثمانية أمتار مما يفصلها عن بقية القرى العربية الأخرى على الجانب الآخر من الخط الأخضر والتي كانت قريبة منهم ولهم معها تواصل اجتماعي واقتصادي خصوصًا قريتي جت وباقة الغربية.

قرية جبارة قرب طولكرم هي الأخرى ضحية لجدار العزل العنصري، ففي القرية ثمانون طفلًا لا يستطيعون الذهاب إلى مدرستهم لأن الجدار حال دون وصولهم إلى المدرسة وقوات الاحتلال تغلق البوابات المؤدية إلى الناحية الشرقية من البلدة، مما يضطر الأطفال للوقوف ساعات أمام تلك البوابات لعل الجنود الصهاينة يفتحونها حتى يصلوا إلى مدرستهم.

قبل أسابيع ادعت سلطة الاحتلال أنها ستزيل الجزء من الجدار الذي يفصل قرية جبارة عن بقية مناطق الضفة الغربية، وأنها ستوفر باصًا لنقل التلاميذ إلى مدرستهم. لكن شيئًا من ذلك لم يتحقق، إذ كان يقصد به تجميل وجه شارون القبيح قبيل انعقاد جلسات المحكمة الدولية. ويؤكد هذه الحقيقة فؤاد جبارة، عضو المجلس البلدي في القرية الذي يقول: «إن الوعود الإسرائيلية كانت لأغراض الدعاية والإعلام وليس المساعدة أهالي جبارة»، ويضيف إذا كانوا سيزيلون الجدار حول القرية، فلماذا يعرضون علينا نقل أطفالنا بالباصات؟! كما أنهم إذا نقلوا الجدار إلى الناحية الغربية - كما حدث مع باقة الشرقية وأخواتها - فإنهم سيعزلون القرية عن قلنسوة والطيبة والطيرة داخل الخط الأخضر والتي لأهالي جبارة مصالح اقتصادية وتجارية مباشرة وضرورية معها.

هذه هي حال عدد كبير من القرى والمناطق الفلسطينية التي يطبق عليها الجدار: لا تستطيع التواصل مع شرقها الفلسطيني، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أهاليها الحركة غربا وعبور الخط الأخضر للتواصل مع أقاربهم وأنسبائهم أو للعمل وتأدية مصالحهم. وقد أطلقت «إسرائيل» في شهر أكتوبر الماضي على المناطق المحصورة بين الجدار شرقاً والخط الأخضر غربًا اسم منطقة «السيم» أو المنطقة العازلة! الموقف الفلسطيني سواء على صعيد السلطة أو المنظمات لم يكن موفقًا في إدارة حملة علاقات عامة لكسب الرأي العام الدولي، على الأقل في قضية الجدار الذي لا يختلف اثنان على أنها قضية في صالح الفلسطينيين.

لقد برزت محاولات فلسطينية وعربية للربط بين جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية والفصل العنصري في جنوب إفريقيا قبل انتهاء النظام العنصري فيها لكنها محاولات لم تثبت جدواها، بل إننا شهدنا تراجعًا في الموقف الأوروبي الرسمي من الجدار على الرغم من أنها قضية «رابحة»، وهو مدعاة للتأمل والتأكيد على حقيقة أن الموقف الدولي من سياسة التمييز العنصري في نظام جنوب إفريقيا السابق لم يتحقق بسبب رأي محكمة، وإنما في ظل جهود متواصلة استمرت سنوات بذلها المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا وفي الخارج. فقد نجح المؤتمر في تشكيل رأي عام دولي لم يكن يتعاطف معهم في غالبيته لكنه أسهم فيما بعد بالضغط على الحكومات الأوروبية والأمريكية لفرض عقوبات على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في ذلك الوقت.

كيف نترجم التعاطف إلى قوة: أما على الجانب الفلسطيني وعلى حد تعبير محلل سیاسي، فإن الصورة عكس ذلك، فالفلسطينيون يحوزون على تعاطف الغربيين الواسع مع قضيتهم وخصوصًا في مسألة الجدار باستثناء الولايات المتحدة التي مازال الرأي العام فيها مؤيدًا لإسرائيل، لكن الفلسطينيين لم ينجحوا في ترجمة هذا التعاطف إلى قوة لصالحهم. ولعل ذلك مرده إلى أن القيادة الفلسطينية لم تعد تمثل الشعب الفلسطيني بعد توقيع اتفاق أوسلو تمثيلًا حقيقيًا بعد أن أثبتت عجزًا فاضحًا في الدفاع عن شعبها وحقوقه خلال السنوات العشر الماضية.

وعلى حد تعبير نفس المحلل السياسي، فقد ظلت السلطة الفلسطينية حتى هذه اللحظة على قيد الحياة في الساحة الدولية لا لسبب سوى أنها مازالت تؤمل الرأي العام العالمي بأنها ستوقع اتفاقًا مشؤومًا آخر في حال تسلم حزب العمل الإسرائيلي مقاليد الحكم بدلًا من حكومة شارون وهو ما يعني أن السلطة تدير ظهرها الملايين الفلسطينيين الذين يرفضون خطط السلام التي تعطي «إسرائيل» الحق في الإبقاء على مستوطناتها في الضفة الغربية، وفي التنازل عن القدس المعروفة مقابل قدس مزورة في أبو ديس وفي حرمان ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة. 

الجدار لم يبدأ بناؤه منذ شهرين أو ثلاثة كما توحي بذلك التصريحات الرسمية الفلسطينية والتحرك الرسمي الفلسطيني الخجول، وإنما بدأ في شهر يونيو من عام ۲۰۰۲، فلماذا انتظرت السلطة كل هذه المدة حتى اقترب بناء الجدار من نهايته؟! 

إضافة إلى ذلك هناك معركة إعلامية أخرى كدنا نخسرها بعد أن فقدنا الأرضية السياسية في الدفاع عن الحق الفلسطيني، وهي كيف يمكن للسلطة أن تقنع شعبها والرأي العام بصدق موقفها من الجدار العنصري بينما تدور «إشاعات» عن أن مسؤولين كبارًا في السلطة وفي أعلى درجات سلم المسؤولية يبيعون الإسمنت لإسرائيل لبناء الجدار. ونفس الأمر ينطبق على بناء المستوطنات اليهودية في الضفة إذ إن هناك أدلة دامغة، وليس مجرد إشاعات عن أن مسؤولين كبارًا في السلطة الفلسطينية لديهم شركات مقاولات تبني مستوطنات في الضفة الغربية وفي هذه الحالة كيف تكون السلطة مقنعة في طرحها؟.

الرابط المختصر :