; حوار المجتمع مع: المستشرق الأمريكي فرانك فوجال | مجلة المجتمع

العنوان حوار المجتمع مع: المستشرق الأمريكي فرانك فوجال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984

مشاهدات 80

نشر في العدد 661

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 06-مارس-1984

  • أنا لا أشارك المستشرقين الغربيين في تصويرهم للحدود الإسلامية بالبربرية والوحشية
  • تعديل المادة الثانية في الكويت أكثر إلزامًا لتطبيق الشريعة

زار الكويت مؤخرًا المستشرق الأمريكي فرانك فوجال والذي يعمل حاليًا في إعداد مشروع بحث حول «تطبيق القوانين الشرعية في المملكة العربية السعودية» بالتعاون مع جامعة هارفارد ومركز دراسات الشرق الأوسط... وقد قامت مجلة المجتمع بإجراء هذا الحوار معه؛ لإلقاء مزيد من الضوء على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في الكويت والتعرف على إحدى النظرات الأكاديمية الغربية في هذه القضية..

المجتمع: من المعروف أن اهتمامات المستشرقين البريطانيين والفرنسيين قديمة بالإسلام... ولكن اهتمام المستشرقين الأمريكيين بالإسلام جديد، وأظنه ازداد بعد الثورة الإيرانية، فما هي الأسباب في اهتمام الأمريكان بالإسلام؟

فوجال: كانت بداية الاهتمام انطلاقًا من العلوم الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية خاصة في معرفة الطبقات، والظروف الاقتصادية... وغيرها ... وعلى العموم اهتمام الأمريكان بالصحوة الإسلامية مازال غير واضح، ومازال هناك نقص كبير لظاهر التفكير عند المسلمين... أما اهتمامي الشخصي فينصب على دراسة القانون الإسلامي والدعوة إلى تطبيق الشريعة.

المجتمع: ولكن لماذا لم تنطلق هذه الاهتمامات قبل ذلك؟

فوجال: ربما لأن الشرق الأوسط بدأ يأخذ دورًا في السياسة الدولية بعد ازدياد قوته الاقتصادية والسياسية؛ خاصة بعد هزات سياسية متعددة كقطع النفط وكالثورة الإيرانية.

المجتمع: ألا ترى أن هم أسباب هذا الاهتمام هي سياسية بالدرجة الأولى؟

فوجال: ربما نعم.. خاصة وأن الحكومة الأمريكية تقدم منحًا دراسية لهذه التخصصات... والذين يتخصصون كثير منهم يستفيد من هذه المنح، ومن هذا الدعم من أجل اهتماماته الشخصية لا من أجل أسباب سياسية وأنا من أولئك... فالدارسون ليس دائمًا دافعهم سياسيًّا، إنما أحيانًا يكون الدافع هو البحث والمعرفة.

المجتمع: كما ذكرت بأن لك اهتمام شخصي في دراسة الشريعة الإسلامية، فهل يمكن أن نعرف البداية أو السبب الذي دفعك لهذا الاتجاه؟

فوجال: في مرحلة البكالوريوس كان لي اهتمام بالإسلام كدين عمومًا وبالتصوف الإسلامي على الأخص... وهذا دفعني للتركيز على الاطلاع على المجلات التي تتحدث عن الشرق الأوسط... ومن خلال دراستي للقانون تعرفت على جوانب في القانون الإسلامي، مما قادني نحو الاهتمام بدراسة الشريعة الإسلامية خاصة وأنه يوجد نقص كبير في الغرب في هذا المجال... وإنني اعتقد أننا نستطيع أن نستفيد كثيرًا من الشريعة الإسلامية في القانون الأمريكي.

المجتمع: ومن هم أهم المستشرقين الذين تأثرت بآرائهم؟

فوجال: أهمهم هو الأستاذ ألكسندر سوكس نيكسون.. وهو مسيحي لابد للمسلمين أن يتعرفوا على أقواله، فهو يتفق مع كثير من المسلمين في بعض الأساسيات التي ينتقدون بها الغرب... ‏وعلى العموم لابد من الحوار بيننا وبينكم... ‏والحوار لا يقوم إلا على معرفة متكاملة بين الطرفين.. ونحن لابد أن نعرفكم ونصحح المعلومات الخاطئة عنكم، ونصحح طرق بحث المستشرقين عن الإسلام... وأنتم لابد أن تعرفوا ما يقوله الغربيون عنكم..

المجتمع: بصفتك مستشرقًا متخصصًا بدراسة الشريعة الإسلامية والقانون الإسلامي، ما رأيك بالحملة التي شنها المستشرقون ضد أحكام الشريعة الإسلامية وخاصة باب الحدود ووصف الحدود الإسلامية بالبربرية والوحشية؟

فوجال: أنا لا أشارك المستشرقين الغربيين في تصويرهم للحدود الإسلامية بالبربرية أو الوحشية... بل أنها حققت نجاحًا -في بعض الدول الإسلامية- في منع الجريمة أكثر بكثير من نجاحنا بالغرب.. فعلى سبيل المثال تطبيق الحدود في السعودية فعال جدًّا في منع الجريمة... وأنا ممن عاش في السعودية... ومع ذلك فإن تطبيق الحدود نادر جدًّا هناك، والسبب يعود إلى أن العقاب رادع، فيمنع وقوع الجريمة... في المقابل عندنا في الغرب تزداد الجرائم يومًا بعد يوم، وتكلف المجتمع تكاليف باهظة من الأرواح والأمن والاطمئنان.. حتى أن رئيس المحكمة العليا في أمريكا قال: «ما نمنحه للمتهمين والمدانين من حقوق يعتبر أكثر من اللازم، وعلينا أن نصحح الوضع ونعيد التوازن»..

لا شك أن النجاح الذي حققته السعودية في منع الجريمة لا يعود إلى القانون وحده... بل إلى القيم الاجتماعية والدينية السائدة، والتي تساهم بشكل فعال في منع الجريمة.

المجتمع: هل معنى كلامك أن انتشار الجريمة في الغرب يعود في أحد أسبابه إلى ضعف القيم الدينية هناك؟

فوجال: نعم.. ضعف الوازع الديني أحد أسباب انتشار الجريمة.. والآن هناك صيحات جادة تطالب بإعادة النظر في النظريات الأساسية للقيم والتصورات ويجب تصحيحها.

المجتمع: طالما أنك ترى أن القيم الاجتماعية والموازين الدينية لها أثر متكامل مع القوانين في منع الجريمة؛ ألا ترى أنه من أكبر المظالم التي رسخها الغرب في المجتمعات الإسلامية أن فرض عليها العلمانية التي أبعدت الدين عن مجال التشريع والسياسة؟!

فوجال: أرجو أن تتجنبوا مساوئ العلمانية، وأن تنجحوا في الاستفادة من دينكم وقوانين شريعتكم، ليس هذا من أجلكم فحسب‎...‏ بل من اجل الإنسانية.. فالعلمانية تمثل تطرفًا غير مقبول في التعامل مع الدين، ولابد أن نعالج هذا التطرف عندنا وعندكم طالما نتعامل كلنا مع العلمانية..

وأنتم لديكم مبادئ أصيلة من دينكم فبإمكانكم أن تنجحوا...

المجتمع: هناك اعتقاد سائد عندنا نحن المسلمين أن العقبة الأساسية التي تحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية هي الغرب الذي يعتقد أن استمرار مصالحه ونفوذه قي العالم الإسلامي مرهون باستمرار قيمه ومبادئه وأيدولوجياته التي ترتكز علي العلمانية.. فما رأيك؟

فوجال: لا اعتقد ذلك والسبب أن مصالح الخرب تستمر باستقرار الوضع في العالم الإسلامي، وإذا كان تطبيق الشريعة الإسلامية يحقق الاستقرار فهذا يحفظ مصالح الغرب.

المجتمع: نختلف معك في ذلك؛ إذ إن الاستقرار في العالم الإسلامي دافع قوي للتنمية والتطور... والتنمية والتطور تعني تحول الشعوب الإسلامية إلى شعوب منتجة منافسة للغرب بدلًا من أن تكون مستهلكة لمنتجات الغرب... وهنا الخطورة على مصالح الغرب على الأقل من المنظور الاقتصادي.

فوجال: أمام تطبيق الشريعة الإسلامية عقبات كثيرة، ولكنها ليست كلها عقبات خارجية؛ بل هناك عقبات داخلية على مستوى الفكر والسياسة، ولابد من معالجة هذه العقبات أولًا... والغرب أحيانًا يعتقد أن في تطبيق الشريعة الإسلامية إكراه للأخرين غير المسلمين للأخذ بالإسلام.

المجتمع: كيف يعتبر الغرب تطبيق القوانين الإسلامية على المسيحيين هو نوع من الإكراه، ولا يعتبر تطبيق العلمانية وهي أيدلوجية من إنتاج المجتمعات النصرانية - نوع من الإكراه على المسلمين.

فوجال: ربما لأن العلمانية ليست عقيدة دينية.

المجتمع: في هذه الأيام التي تزور فيها الكويت قام مجلس الأمة بكل أعضائه تقريبًا بالمطالبة بتغيير القوانين الوضعية إلى قوانين إسلامية من خلال تعديل المادة الثانية من الدستور؛ بحيث تصبح «الشريعة الإسلامية مصدر التشريح» بدلًا من «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع».. بينما هناك رأي آخر يقول: إن تغيير القوانين يتم من خلال المادة الحالية، ‏ولا يلزم تعديل المادة الثانية..‏ بصفتك رجلًا قانونيًّا ومتخصصًا في دراسة الشريعة الإسلامية، ورجلًا مطلعًا على بعض تجارب الدول الإسلامية، أي الأسلوبين أقدر على تطبيق الشريعة الإسلامية تعديل المادة الثانية أم إبقاؤها؟

فوجال: لا شك أن تعديل المادة الثانية أكثر إلزامًا للتغيير نحو تطبيق الشريعة الإسلامية... ولكن رغم كل هذا فالأمر متروك لجدية الحياة الديمقراطية في البلاد ... ففي مصر عدلت مادة دستورية بحيث أصبحت مبادئ الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع وهذا منذ سنتين، ولم يتغير شيء نحو تطبيق الشريعة الإسلامية.. بل أن هناك مشاريع لقوانين إسلامية قبل التعديل الدستوري لم تقبل ولم تطبق، وحتى بعد التعديل الدستوري لم تقبل ولم تطبق.. وعلى العموم إذا توفرت الجدية فمن خلال النص الحالي يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية..

المجتمع: يقال إنه في حال تعديل المادة الثانية سينشأ في البلاد فراغ أو اضطراب قانوني؟

فوجال: أعتقد أن الشريعة الإسلامية تتسم بالمرونة... ولابد من توضيح من أن القانون لن يقتصر على الشريعة الإسلامية، بل لابد من ‏الاستفادة من القوانين الأخرى التي لا تخالف شريعتكم.

المجتمع: ما رأيك في التجربة الإيرانية كأحد النماذج لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

فوجال: ليس لدي معلومات متوفرة عن التجربة الإيرانية في تطبيق الشريعة الإسلامية، ومعظم المعلومات الواردة عن الأوضاع السياسية.. كما أنني متخصص في الفقه السني.

المجتمع: القانون الأمريكي منح الفرد حقوقًا كثيرة وحريات شخصية هائلة، نعتقد نحن المسلمين أنها حريات أدت إلى فوضى أخلاقية؛ لأنها تعتبر الجماعة مسؤولة عن الفرد وليس الفرد مسؤولًا عن نفسه فقط.. من خلال تجربتكم الغربية ما رأيكم بالنظريتين؟

فوجال: أعتقد أنه لابد من مراجعة شاملة للنظريات الغربية التي قامت عليها كثير من القوانين، وأعتقد أنه لابد من إعادة التوازن للحريات الشخصية وحقوق الفرد مع حقوق الجماعة وحرياتها... ولعل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتني لدراسة الشريعة الإسلامية هي الاستفادة منها لتطوير قوانينا وأنظمتنا‎...‏ بالطبع لن نطبق الإسلام في أمريكا، ولكن يمكن أن يستفيد منه الكثير... وإنني أعتقد أنه لابد أن يكون للدين ‏موضع مؤثر في الدستور الأمريكي... كما أعتقد أن النظام الليبرالي الغربي يجب ألا يجمد على نظريات المفكرين القدامى كدور كايم وماركس وفرويد؛ بل لابد من تفكير جديد وتطوير في النظريات والاستفادة من تجارب الأخرين، وتقييم هذه النظريات في ضوء الممارسة.

المجتمع: من خلال دراستك للشريعة الإسلامية ما هي الأمور التي يمكن أن يستفيد منها الغرب من الشريعة الإسلامية؟

فوجال: أعتقد أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة من أبرز المبادئ التي يجب أن نستفيد منها لي الغرب، وبإمكاننا تطوير أساليب ووسائل هذا المبدأ من خلال الإعلام، والإعلان، والصحافة وغيرها.. فنحن في الحقيقة أجهزة أعلامنا تدعو إلى المنكر وتنهى عن المعروف، ومن أمثلة ذلك مسلسلات العنف والجريمة في التلفزيون وتشجيع الممارسات الجنسية..

المجتمع: نشكر السيد فوجال على هذا الحوار ونتمنى له التوفيق في مشروعه.

الرابط المختصر :