السبت 18-فبراير-1989
الحوار مع الداعية المسلم أحمد ديدات، حوار شيق وممتع، فهو داعية متحمس، جريء صريح... موسوعة في المعلومات عن الأديان - وخصوصًا النصرانية - التقته المجتمع - رغم ضيق وقته - فكان هذا الحوار «الساخن» معه.
المجتمع: من هو أحمد ديدات؟
دیدات: أحمد ديدات... مسلم ولد في الهند، وهاجر إلى جنوب أفريقيا ومنذ 60 عامًا وهو يعيش هناك، وهو حاليًا يقوم بمهمة الدعوة إلى الله، ويحاور أصحاب الديانات الأخرى، إذ أنه متخصص في المقارنة بين الأديان «نصرانية، يهودية، بوذية، هندوسية...».
المجتمع: هناك من ينتقد دعوتك لأصحاب الديانات الأخرى للمحاورة والمناظرة، ويعتبر ذلك نوعًا من إثارة الفتن والانتقاص من الديانات الأخرى، فما هو ردك؟!
دیدات: أنا إنسان مسلم أعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الإسلام هو دين الحق، وهو الدين الذي سيقبل عند الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19)، وقال أيضًا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)... لذا من حقي أن أعرض دعوتي على الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى، وأحاورهم بالحجة والمنطق والبرهان، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (سورة البقرة: 111)، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125)، فالدعوة إلى الله والمجادلة من القضايا التي ورد ذكرها في الآية السابقة، إذًا لماذا ينتقدني أولئك؟!... إن عليهم أن ينتقدوا أنفسهم، فهم متقاعسون ومتخاذلون عن القيام بهذه المهمة التي هي أصلًا مهمة الأنبياء والرسل، وعلينا نحن في القرن العشرين أن نكملها ونقوم بها!
المجتمع: لا يعترض أولئك على الدعوة إلى الله ولكنهم يعترضون -حسب قولهم- على ما يسمونه الانتقاص من الديانات الأخرى؟!
ديدات: إن الذي يطالع في القرآن الكريم يجد فيه من الآيات ما تعتبر -حسب مفهوم هؤلاء انتقاصًا من قدر الديانات الأخرى!... فالله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (المائدة: 72)، ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: 73)... وهذا ينطبق بالطبع على النصارى حاليًا، الذين يقولون بذلك، فهل الإقرار بهذه الحقائق يعتبر انتقاصًا أو تجريحًا؟!
وعندما أناقش شخصًا يعبد الفأر أو البقرة أو غيرهما، فأنتقد عبادته وأحاججه بالأدلة والبراهين، هل يعد ذلك انتقاصًا وتجريحًا؟! إذا كان الأمر كذلك، فإن سهام الانتقاد -في هذه الحالة- ينبغي أن توجه إلى القرآن الكريم وليس لي، فأنا لا آتي بشيء من عندي!... ولكن هؤلاء لا يجرؤون على انتقاد القرآن صراحة، فينتقدون من يقومون بحمله والتبشير به والدعوة إليه، تحت شعارات وحجج ومبررات يسردونها ويوهمون الناس بها!
المجتمع: لماذا تركز على الخطر التبشيري ولا تركز على خطر التهويد «أي تحويل الناس إلى اليهودية»؟!
ديدات: اليهودية كديانة لا تسعى إلى العالمية، لأن اليهود لا يهتمون بتحويل غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى إلى اليهودية، فهم ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية فيها احتقار وازدراء، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للنصارى الذين يطمحون إلى تنصير المسلمين، ولهم نشاط واضح وملموس في مناطق شتى وبالذات في المناطق الفقيرة.
المجتمع: قد يكون هذا صحيحًا من زاوية خطورة اليهودية كدين، ولكن ألا ترى أن الخطر المستقبلي والاستراتيجي هو من اليهود، وبالتالي يحتاج الأمر منك إلى التركيز على الخطر اليهودي أكثر من الخطر النصراني؟
ديدات: اليهود يريدون السيادة على أرضنا، ويرغبون في انتزاع اعتراف منا بالتخلي عن فلسطين، وبالتالي الخطورة من جانبهم تكمن في هذه النقطة، وهي رغبتهم في السيادة على حساب غيرهم، ولكن أريد أن أسأل سؤالًا: من الذي أنشأ وزرع دولة «إسرائيل» على أرضنا...
أليست هي بريطانيا «النصرانية»؟! من الذي دعم ويدعم «إسرائيل» عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا... أليست هي أمريكا «النصرانية»؟!... إذا كان الأمر كذلك فلماذا تريد قطع الذيل ولا تريد قطع الرأس؟! إن تنصير المسلم، معناه تحوله أتوماتيكيًا إلى الوقوف في صف اليهود، ووقف المجتمعات الغربية «النصرانية» عمومًا مع «إسرائيل» يفسر بالعداء للمسلمين، لأن النصراني يعرف ويدرك أن مصلحته تقتضي دعم اليهود والوقوف خلفهم، من هذا، فإني أركز على الخطر النصراني من الزاوية الدينية العقائدية... ومع ذلك، فإني ومع اشتعال الانتفاضة فتحت معركة جديدة مع اليهود، وقد حذرني الكثيرون من ذلك، ولكني أجبتهم، لقد تجاوزت السبعين من عمري، فما الذي أخشاه بعد ذلك؟!!
المجتمع: انتقد بعض الكتاب في الصحافة المحلية زيارتك إلى الكويت وبعض البلاد العربية، واعتبروا أن هذه الجولة لا مبرر لها في ظل مجتمعات مسلمة، فيها أقليات ضئيلة من غير المسلمين، وقالوا بإنه ينبغي لديدات أن يتحدث عن الخطر التبشيري في بلاد أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وليس في البلاد العربية، فالخطر... في زعمهم.... هناك وليس هنا ، فما هو تعليقكم؟!
دیدات: أولًا، أنا جئت إلى الكويت بدعوة من الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وهي حسب معلوماتي هيئة معترف بها رسميًا، وأنشئت بمرسوم أميري.... ثانيًا، عندما أقوم بزيارة إلى بلد ما، فليس بالضرورة أن يكون هذا البلد معرضًا لخطر تبشيري، لأن القضية ذات شقين شق يتعلق بواجب المسلمين في القيام بواجباتهم إزاء دينهم، وشق يتعلق بتوعيتهم بالخطر التبشيري سواء في بلدهم أو بلاد المسلمين الأخرى، ولقد قدر الله لي أن أتجول في بلاد كثيرة، وأعايش مشاكل المسلمين فيها، فينبغي أن أنقل صورة عنها إلى المسلمين الذين يعيشون -وللأسف- في سبات عميق، حتى يتعرفوا على حقيقة الأوضاع التي يعيشها إخوانهم، ويتعرضون يوميًا لمخاطر التنصير.
المجتمع: هل لك أن تعطي القارئ فكرة عن دعوتك التي وجهتها للبابا للحوار معه؟
ديدات: لقد دعا «البابا» في مرات كثيرة إلى الحوار مع المسلمين، وكنت أتمنى أن يتصدى لهذه المهمة علماء المسلمين، ولكن أحدًا -للأسف- لم يقم بذلك، فاضطررت للقيام بهذه المهمة، وأرسلت إليه رسالة أطلب فيها محاورته، ولكنه لم يرد علي فأعدت الكرة ثانية بتوجيه برقية له، فجاءني الرد باستعداد البابا لمقابلتي في سكرتاريته الخاصة في الفاتيكان، ولكني أرسلت له أطالبه أن يكون الحوار في مكان عام حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من الناس من مختلف الديانات من مراقبة الحوار بين طرفين يمثلان الإسلام والنصرانية، ولكن البابا تجاهل الرد على هذا الطلب تمامًا، فأرسلت إليه رسالة أخرى كررت فيها طلبي، واتبعتها ببرقية، ولكن أحدًا لم يجب على ذلك!.... وإنني أعتبر أن الدعوة ما زالت مفتوحة، وبانتظار الإجابة!
المجتمع: ما هي أسباب رفض البابا في تقديرك للحوار معك علنًا، مع موافقته على ذلك على انفراد؟!
ديدات: البابا ليس بهذه الدرجة من الغباء! فإنني على يقين بأن مكانته الدينية والسياسية ستتزعزع بعد الحوار، وهو يدرك ذلك، لذا فإنه ليس على استعداد للمغامرة، خاصة وأنه تابع -أو على الأقل سمع- بالحوار العلني الذي تم بيني وبين جيمي سواجارت، وكيف أني وضعت سواجارت في زاوية حرجة، لم يستطع التخلص منها إلا بالتهرب بحركات تمثيلية مكشوفة!
المجتمع: هي يعني ذلك إعلانًا منك بهزيمة سواجارت في مناظرتك له، وهزيمة البابا مقدمًا وقبل النزال؟
ديدات: أنا أترك الحكم في تقدير النتائج دائمًا للجمهور المتابع، ولكنني أعتقد شخصيًا بأنني أحرجت سواجارت كثيرًا، ووجد الغربيون من يقف أمام داعيتهم الذي كان يسحر العقول بطريقة حديثة فيحرجه ويسخر منه!
وأما الإعلان عن هزيمة البابا فلا يمكن أن تكون قبل النزال، ولكنها نقطة تسجل عليه، إذ لا بد له من قبول الدعوة أو تبرير رفضها!
المجتمع: وهل تظن أن هذه المناظرات ستقنع البابا أو سواجارت أو من تناظرهم بأفكارك وأرائك؟
ديدات: أنا لا يهمني أن يقتنع هؤلاء بما أطرحه من أفكار، ولكن يهمني أن تقتنع الجماهير التي تتبعهم وتدين لهم بالولاء والتأييد والمناصرة.... ويهمني أن أدافع عن الإسلام الذي يهاجمونه في نشراتهم وكتبهم، ويهمني أن أبين لهم ضعف حججهم وأدلتهم.
المجتمع: هناك من اتهمك بأنك تهاجم العرب وتحمل عليهم، فما مدى صحة ذلك؟
ديدات: أنا لا أهاجم العرب كعرب، ولكني أنتقد تقاعس الأغلبية منهم عن مهمة الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، خاصة وأن القرآن نزل بلغتهم والرسول منهم ومعظم الصحابة والتابعين هم من العرب، فيفترض فيهم أن يسيروا على نهج الآباء والأجداد، والتبعة عليهم أكثر من غير العرب الذين يجدون صعوبة في فهم القرآن.
ولكن ليس للقضية أي بعد جاهلي أو قومي كما سمعت أن البعض يحاول تصويره.
المجتمع: كان بودنا أن يطول اللقاء...
ولكن الوقت بلغ الثانية عشرة ليلًا، فجزى الله الداعية المسلم أحمد ديدات على تجاوبه وتخصيصه المجتمع دون الصحف الأخرى بهذا الحوار، آملين أن يوفقه الله في دعوته، ويطيل في عمره لخدمة الإسلام والمسلمين.