; حوار في الثقافة والأدب: الاختراقات العولمية | مجلة المجتمع

العنوان حوار في الثقافة والأدب: الاختراقات العولمية

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 52

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 53

السبت 28-ديسمبر-2002

يتكلم البعض عن العولمة وكأنها قدر من الأقدار التي لا يمكن تفادي اختراقاتها، وإذا أراد هؤلاء أن يجملوا الكلمات قالوا لك لا بد من فهم هذا القدر النازل لنستطيع استيعاب منتوجاته والانخراط في فعله الذي لا مندوحة لنا من الدخول في تياره.

 ومما يقولونه من أجل تسويق هذا الفكر المهزوم ها هي ذي العولمة تمشي في أسواقكم، تدخل بيوتكم بلا استئذان، تفرض عليكم البضاعة بدون أخذ رأيكم، وها هي تجلس سيدة أمرة في دور أموالكم في حفلاتكم في أعراسكم، في حفلات اختيار ملكات الجمال، وفي عروض الأزياء، إنها تزرع فيكم التقدم، وتوطئ الأكناف لقبول الواقع المتمدن، تفرض اتجاه الاستهلاك فيكم، لترتفع هامات الجوع في جماهيركم المكتظة. فهل أنتم في منأى عنها كي تتمتعوا بالهوية؟ أم هل ترضون أن تكونوا الهوامش المنسية على حافات الغزو؟! إن كنتم تريدون ذلك فلتنغمسوا في غموض الهوية والخصوصية الماضوية، ولتغرقوا أنفسكم في الخطاب الماضوي الموروث باعتباره يمثل أسًا متينًا من أسس الهوية الحضارية، كما يقول الحبيب الجنحاني في مقاله للزمان اللندنية ٢٧/٤/٢٠٠١م، ناقدًا فيه «هذه الخصوصية التي يستميت البعض في الدفاع عنها لأسباب مختلفة، لأنها ليست محل إجماع فئات النخبة عن السياسية والفكرية» مغضيًا بذلك الطرف. أن الاختلاف الداخلي والحوار البيني داخل مجتمع ما حول عناصر هويته هما علامة حياة، ليس علامة يأس، يتيح لكل الانسحاب من مواقف الصلابة والصمود والقتال التي تحافظ على استحكامات الأمة، إذ بدونها تصبح الأمة في العراء تجاه الاختراقات المبتغية تعويم الوضع العام وتغريبه.

إن أخطر الاختراقات، ما تعلق منها بالثقافة، إذ تعمل تلك الاختراقات على تغييب مميزات الأمة، ليصبح وجهها ذا سمات جينية هجينية، ولا أدل على ذلك من وقوع الحداثة النقدية في فخ العولمة، محولة بذلك النقد إلى عملية ترجمة غامضة، وغير مفهومة للنقد الغربي، فراح نقادنا يتكلمون عن الأدب العربي بلغة «طلسمية»، مترجمة، بعيدًا عن أساسات النقد العربي الممتد مع القرون، مستغنين عن البناء فوق تلك الأساسات وتطويرها داخل السياق العام للخصوصية.

إن إدارة الظهر لمقتضيات الزمان والمكان والظروف والإمكانات والحاجات الخاصة بحجة عدم الغياب أو عدم القدرة على مقاومة التيار الجارف العولمة كل شيء، إنما تشكل عملية إلقاء للنفس في التيار الطاغي بدون تبصر بالعواقب، فالذي يلقي نفسه بهذه الطريقة سوف تكون نهايته الضياع في التيار واللجة، وفقدان المكان والزمان المناسبين وخسارة الدور الفاعل المحسوب. إن العالم لا يقدر إلا من يحترم نفسه وخصوصياته ومميزاته، ويقاتل دونها بالفكر والنص والواقع مهما لمعت شعارات الحداثة، أو حاولت تسويق انقضاضها على الخصوصية المبنية فوق الأسس، بعيدًا عن حسابات الجماهير وحاجات المجتمع، وما يخوضه من نضال فكري ويواجهه من عدوان، وما يتمسك به من ثوابت وأساسات ترسي له مكانة ومكانًا بين المجتمعات. ويظل الفنان أبدًا مانحًا من تجربته الشعورية كل نصوصه ونتاجه، في حين تتعلق هذه التجربة إلى حد بعيد بمعتقداته وفهمه وما يحيط به من واقع حياتي.

وهذا ما يحدد دور هذا الفنان وأثره في محيطه، وما إذا كان يتبنى مكنونات قومه المتطورة مع الزمن، أم أنه قد فرغ عقله وقلبه وفكره من كل ذلك، فامتلأت جعبته من حقول الآخرين. فأصبح يتكلم بلسانهم، ويفكر بعقولهم، مغادرًا هموم قوم ومشاغلهم، فأنى لهذا الفن أن يمثل البيت الذي يقيم فيه هذا الغائب، وقد وضح الصورة المطلوبة أحد دعاة الحداثة المتوارثة، إذ قال حسام الخطيب: «لا بد للحداثة إذا رغبت أن تتمتع بدفء الجمهور أن تمس قضايا الأمة والمجتمع والعصر».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل