العنوان حوار في منزل الشيخ علي الطنطاوي
الكاتب طارق الحسين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999
مشاهدات 101
نشر في العدد 1357
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 06-يوليو-1999
لحى الله دنيا لا يقر لها قرار تميد فلا تستقر وتميل بلا اعتدال، هكذا خلقها الله، وهكذا أرادها، يرفع فيها الوضيع ويوضع فيها الرفيع النفيس فيها عزيز غريب لكن الرخيص مبتذل في سوقها منثور.
وأرى الناس أضحت غريبة كدنياها فتراهم يعافون النفيس يخرجه لهم بحر الحياة على شواطئه مع قدرته وفقده، ويألفون كل رخيص ممل ممجوج.
أردت أن أتناسى هذا الواقع المؤسف، وألا أكون مثل هؤلاء الغافلين، فطوفت بفكري في عالم النفائس، تلك التي يجود الله بها على الناس دائمًا، وإن كانت قليلة نادرة لحكمة أرادها الله سبحانه، فقادني الإصرار، ودلني الفكر على درة من درر الدنيا، ونفيسة من نفائس الحياة، وملحة من ملح الأرض، وعلم من أعلامها، وأحد أرفع منارات العلم والفن والأدب فيها.
توجهت إلى منزل الإمام، وطرقت الباب ودخلت بعد أن أذن لي، وإذا به يجلس جلسته المعتادة، ويطل بوجه ملأه النور فكأنه لآلاء بدر أو لمعان ياقوت قد ملئ هيبة ونورًا وكأن ملائكة من السماء تملأ المكان سكينة وطمأنينة فأحسست وكأني في روضة من رياض الجنة، وكانت هذه المرة الثالثة التي زرته فيها وهو يجلس الجلسة نفسها، وفي المكان نفسه مع بعض شحوب اعتراه، وتوجع يظهر عليه.
دنوت منه على شيء من الهيبة والإجلال فلثمت جبينًا سجد لله تسعين عامًا، وذاق لفح الريح، وحر السموم، واسع الغبار مهاجرًا ورحالًا، معلمًا ومتعلمًا، ولثمت بدأ طاهرة طالما سلت على الجهل سيوفًا فأثخنت منه الجراح ورمت على الظلماء نورًا فبددت حجبها، وداعست برماحها وسهامها أدب السفاح والتخلف، والنفاق، والوصولية، والتزوير.
نظرت في وجه الإمام نظرة خائف أو مشفق أو محب سمها ما شئت، فأصبت بشيء من الذهول والخفقان والتساؤل ما الذي ألم بالإمام إنه صامت ساكن لا يتحرك فيه إلا عيناه، ولا يلبث أن يغمضهما بشدة علامة على التوجع والألم الشديد.
وسمرت عيني فيه فكلما نظر إلى رميت بيصري بعيدًا عنه حتى لا يحس بكربي فيه، إنه ينظر بنظرات تتحدث لكن لغة العيون لا تسمعها إلا آذان القلوب ولا يفهمها إلا عقل الإحساس والشعور، يعرف ذلك من مارس همس الأرواح الصفية الرضية الصادقة.
وسأحكي لكم وأروي ما سمعت وما رأيت أراه قد عشق الموت ولكن الحياة تعشقه إنه يستجدي الموت وهي تستجديه، متشبث برأيه والحياة تتشبث به، هو زاهد فيها، وهي تتقطع طمعًا فيه، سمعته يتجاذب معها حديثًا ساخنًا وحوارًا محتدمًا، امتزجت فيه قسوة الشيخ واستعطاف الحياة، واختلطت فيه مواعظه بذكرياتها، وهاجت فيه صراحته ومجاملتها.
سمعتها ترجو بقاءه، وتذكره بمفاخره وماضيه لعله يتوقف عن وداعه وعن إصراره على الرحيل، فقال لها:
ماذا تريدين وقد أعطيتك يا حياة كل الحياة وأعطيتك زهرة العمر أنفس العمر أبعد أن كبرت سني، ورق عظمي، وعدت إلى أرذل العمر تطلبين مني البقاء كأني أملك البقاء والغناء؟ لقد خضت الأرض كل الأرض، طرت في أجوائها وحلقت، ومخرت عباب بحارها وصارعت الأمواج فيها سرت في براريها وصحاريها وأريافها، وجبالها، ومدنها وقراها، طوقت أرجاء الدنيا لا لأخذ منها، بل لأعطيها بعض ما عندي. ولم أمل من التجوال حتى ملني التجوال فوقفت هنا هنا حيث ترين يا حياة حيث لا أملك الوقوف فتحملني قدمي ولا الجلوس فأتمالك، أنا صريعك يا حياة أفلا يكفيك هذا حتى طلبت مني البقاء؟
عشتك قرنًا ابني وأشيد. وأعمل وأجاهد وأكافح وأناضل وعرفت فيك أجيالًا تتابعت علي ثم تولت وذهبت وبقيت أما يكفيك هذا حتى طلبت مني البقاء؟
وقفت عقودًا متتاليات لا أعرف الراحة ولا النوم ولا السكون، أنشر العلم، وأحارب الجهل كم من مدرسة شهدت لي فصولها وجدرانها وترابها أن عشرات ومئات خرجوا من تحت يدي فصاروا ملح الأرض وجمالها.
صرخت حينًا حتى انقطعت عنقي أعرف الناس العزة كيف يطلبونها، وهتفت بالجهاد أحرك القلوب الغافلة والعقول البليدة والأجساد الفاترة ليحموا حوزة الدين يوم دخلها الدخلاء.
وقفت أصارع الظلم قاضيًا بين الناس فما تركت للمظلوم حقًا إلا رددته عليه ونصرت كل مستضعف فقد الناصر الرحيم من الناس حتى ذهبت سنوات عمري بين الدعوة والتدريس والقضاء والتأليف والطلب ونصرة الإسلام أبعد هذا يا دنيا تطلبين مني البقاء؟
إن لي أحبابًا ذهبوا منذ زمن سحيق، أبي وأمي، أساتذتي ومشايخي أصدقائي وأقراني ذهبوا جميعًا ولم يبق على الأرض منهم أحد، ولم أجد أمثالهم. أحبهم ويحبوني، وأشتاق إليهم وهم كذلك.
إنني أتقطع يا حياة شوقًا إليهم وإلى لقائهم وحديثهم، وأرجو أن يجمعني الله بهم هناك قريبًا حيث يستقر المؤمنون.
ألك حق يا حياة في أن تطلبي مني البقاء؟ ثم أخذ الإمام بقماش في يده يمسح دموعه التي لا تتوقف إثر مرض في عينيه ثم تابع الحديث: صدقيني لقد سلمتك فلم يعد لك عندي هوى ولا رغبة ولا اشتياق.
لم أكن أول من عاشك فقد سبقني إليك من لا يحصي عددهم إلا الله، فهل تظنين أن رحيلي سيوقف من الأجيال؟ فلماذا الإصرار على بقائي يا حياة لو أن الموت بيدي لكنت ذهبت إلى ربي منذ زمن بعيد، ولكنها آجال يا دنيا، والله يفعل ما يريد.
كيف أرغب في البقاء وقد سلبت درة نفسي ومهجة قلبي وذرات دمي ابنتي بنان؟ أين كنت لما قتلوني بقتلها؟ صدقيني أنا لست بعدها إلا جسدًا خاويًا وقلبًا فارغًا.
ماذا قدمت لي يا حياة لما سلبت أرضي، ومُنعت أجمل ما بقي لي فيك أهلي وجيراني وبلدي وذكرياتي وأجمل أيام عمري أبعد هذا تريدين مني البقاء؟
وسكت الإمام وقد غلبه السعال، وأخذ يمسح دموعه التي لا تتوقف من المرض، وأراد أن يكمل حديثه، ولكنه أشفق على دموعي وعلى بكاء الدنيا ونشيجها، وقد حارت جوابًا من جوابه، وحارت كلامًا من كلامه، وأخذت تلملم بقاياها فيه حتى يحين موعد الرحلة إلى هناك.
رجل العصر
بقلم : زهير الشاويش
عاش أستاذنا، ووالدنا حياة عريضة طويلة، ذات أبعاد في الأفق، وعمق بجذورها في الأرض، وكان له الأثر الكبير في تنشئة الدعاة، والأدباء والقضاة، والمجاهدين الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وامتاز بالمروءة والنخوة والفضل.
كان سلفيًا بطبعه وعلمه وعمله، محاربًا للبدع والتعصب والخرافة، وتعلمنا منه السلفية في دمشق، ومن الشيخ بهجة البيطار، والشيخ كامل القصاب، والدكتور مصطفى السباعي وكان قبلهم الشيخ عبد القادر بدران، وجمال الدين القاسمي، وطاهر الجزائري، وبعدهم الشيخ الألباني، والأستاذ عبد الرحمن الباني.
رجل العصر
ومن سلفيته المبكرة، ما قاله في ذكرياته 3/296: «وفي طرف المسجد قبر الإمام أبي حنيفة وما زرته لأنني خفت أن يكون فيه مثل ما كان في مقبرة الشيخ عبد القادر الجيلاني في مسجده في بغداد، وعند قبر الحسين (المزعوم) في مصر، وعند الغير المنسوب إلى يحيى عليه السلام في الشام وكلها بدع مذكرة أنكرها الفقهاء».
قاد الأمة بوجه الاستعمار الفرنسي في سورية. ودافع عن فلسطين وحفظ حقها إسلامًا وعروبة فيما قال وكتب، وسافر من أجلها لنصف الدنيا، وشارك في المؤتمرات والاجتماعات لها.
وقمع الملحدين في أيامهم الأولى في محيطه الإسلامي، وجابههم في كل مكان.
وصحح مسار العلماء والمشايخ في الأوقاف و مساجد دمشق وغيرها، وكان مالئ الدنيا وشاغل الناس طوال حياته.
عرفته منذ أكثر من ستين سنة في مدرسة أنموذج الميدان - بدمشق سنة ١٩٣٦م، جاءنا أواخر السنة الدراسية، فلم يعلمنا شيئًا من البرنامج الدراسي الآن الامتحانات قد انتهت وأيامها حدث شغب في الصف وكنت من أطول الطلاب فالتفت إلينا وكنت الأقرب إليه وتناولني بصفعتين، ما أذكر أنني نلت غيرهما في حياتي، ثم عرف أنني لم أكن الذي أثار الشغب فأرضاني، وسامحته، انظر ذكرياته 2/267.
ولكن بقيت الصلة معه عامرة مستمرة ، بفضله وتكرمه - فعلمنا أناشيد البطولة لنقاوم الفرنسيين.
وعلمنا الإضراب عن الصفوف والخروج إلى الشوارع ورمي الحجارة على الجنود المتمركزين وراء الرشاشات وداخل المصفحات على مفارق طرقات الميدان فنادى بما لاتفهم من كلامه عن خروج فرنسا عنا وعن الاستقلال.
ولكن كنا نفهم المطالبة بعودة فخري البارودي زعيم الشباب من الاعتقال، وكانت دمشق تفهم عليه يتغلق ستين يومًا، لا يفتح فيها دكان، سوى بعض الأفراد داخل الحارات، وليس عيبًا إذا لم أذكر أو أفهم ما كان يقوله لنا، فإنه قال مثل ذلك يوم نعي الشيخ بدر الدين الحسني (ما أذكر الذي قلته فيها، ولكن أذكر أثرها في نفوس الناس) الذكريات 2/217.
ونسير بالمظاهرات وراء الطنطاوي إلى باب الجابية، ومرة أخرى إلى الجامع الأموي، وأحيانًا إلى سراي الحكومة في المرجة مع باقي طلاب المدارس الذين كانوا ينضمون إلينا وبعض الشباب على طول الطريق.
ومما تعلمنا منه يومها أبيات شعر للأستاذ خير الدين الزركلي، ونشرها على قبر سيدنا خالد بن الوليد، وأظن أن مطلعها:
على قبر خالد عصبة قامت تحاكي القائدا
وهذا معنى الشعر فقط، ولم أجدها في ديوان الزركلي.
ومقولة الشيخ كامل القصاب: لاحماية.. لا وصاية.. لا انتداب.
وهي منظومة أيضًا:
الحماية والوصاية كلها معنى الأسر وعلى العيش بذل أبدًا لا تصبر
وكانت له خطب حماسية كنت أحفظ منها الكثير. وكان لأثرها فينا وفي كل الناس، حتى يهاجموا الدبابات والرصاص بصدورهم. ومضى الزمن حتى جمعنا الله به في العمل العام سنة ١٩٤٥م فقد اصطحبني الأستاذ محمد سعيد الطنطاوي إلى جلسة في بيتهم مع مجموعة من العاملين في العمل العام، وأذكر منهم راتب النفاخ، وهيثم الخياط وعصام العطار وغيرهم.
وكانت المفاجأة أن الشيخ على دخل علينا وجعل يحدثنا وكأنه واحد منا، ولما سأل كل واحد منا عن مكان بيته، قلت له: أنا من أنموذج الميدان التي ضربتني فيها من غير ذنب فقال: للمعلم حالات يحتاج فيها لضبط الصف فيسرع بالعقوبة وأنا أقبل قراك، فخذ بحقك مني.
ومنذ ذلك اليوم يعتبرني مثل أخوته أو أبنائه وأعارني بعض كتبه فطالعتها خلال يومين، وأعدتها إليه، فتلطف معي وجعل يسألني عما جاء فيها.
معتبرًا أنني أعدتها لأنها لم تعجبني. فقلت، بل أعجبتني جدًا وقرأت له بعض ما حفظت منها، مثل نحن المسلمين.
ودردش معي حول المقالات الأخرى، وتبين له أنني قد استوعبتها كلها تقريبًا خلال اليومين، فجعل يناقشني ببعض ما فيها وكنت من الجرأة أن بينت له رأيي المخالف له في بعضها وما غضب - والله - ولا ثار كما كنا نعرف من عادته وسلم بشيء من ذلك، ولم يدافع عن رأيه بعنف كما كنت أتوقع، فأعارني بعض الكتب الأخرى، فطالعت ما أعارني ولم يناقشني بها، ولم يكن يومها عندي في مكتبتي أكثر من عشرة كتب، وقد قال عن مكتبتي بعد ذلك في الذكريات 4/278 «وصارت له مكتبة كبيرة فيها من نوادر المخطوطات خزانة كاملة». وقال مرة أخرى إنه لا يعرف أكبر من مكتبة زهير عند أي شخص آخر بمفرده؟
وبعدها كان يحضر معنا في مجالس دراسية في بيته، وممن كان يحضر الشيخ الألباني في درس أصول الفقه، ثم كان يختص من الحضور أفرادًا قلائل، وفي كل مرة كنت واحدًا منهم، ومع أن الحضور كلهم أعلم مني ولما كانت سنة ١٩٧٤م، وترشح أستاذنا للانتخابات النيابية، كنت مع مجموعة ممن يجوز أن يقال عنهم شباب الأحياء وكان لنا - يومها - عصبية وأثر في سير الانتخابات، وكنت مؤيدًا له وللأستاذ مظهر العظمة، والشيخ كامل القصاب والأستاذ محمد المبارك، وزكي بك الخطيب والأستاذ الطنطاوي رشح نفسه وهو في مصر لوضع القوانين الشرعية.
ولكن التزوير حال بينه وبين النجاح، وكذلك العظمة، وانسحب القصاب ونجح المبارك بقائمة رابطة العلماء، ودخل الخطيب بقائمة الحكومة فنجح.
ولم يمض على ذلك سوى شهور قليلة كنا نعد أنفسنا فيها للجهاد في فلسطين، وكان الشيخ الطنطاوي من أكبر من ساعدنا على ذلك، مع أستاننا الشيخ السباعي.
وحاولنا تأمين السلاح، ولكن موقف الحكومات حال دون ذلك، ولم نجمع سوى النذر اليسير.
أستاذنا الطنطاوي
إنني تلقيت نعيك - وعلمت أنك ستدفن في أحب البلاد إليك مكة المكرمة ومن بعدها تعلم حبك المدينة، والقدس، ودمشق.
ولكن رحمة الله جعلت وفاتك في أحب البلاد إليك، وهي أحب بلاد الله إلى الله، راجين لك العفو الكريم في جنات النعيم، وهو الذي تحبه وترجوه لك.
لقد قلت: ذهب فلان وفلان، وأكثر من سيمر ذكرهم وفي نفسي حسرة؟
وقدمت وفي نفسك الحسرة شوقًا للبلد التي أغلقت دونك أبوابها، وفيها ما كنت تشتهي من رؤية ملاعب الصبا الذكريات2/531) وما زلنا مثلك نتحسر فإننا نرى أن الله سبحانه قد عوضك عنها المغفرة والرحمة والثواب.
وبعدك هنا لا يغير علينا شيئًا، كما لم يغير بعد قبر (الأخت بنان) في ألمانيا، التي كانت أعز الناس عليك، الداعية المؤمنة تغمدها الله برحمته، وعوضها الجنة، وحفظ زوجها وابنها وابنتها بما يحفظ عباده الصالحين.
وحفظ الأخت أم عنان - رفيقة عمرك بارك الله بها، والدكتور عبد الغني والشيخ سعيد، وبناتك وأصهرتك والحفدة.
وإنا إليه راجعون .
تغمدك الله برحمته، وألهمنا الصبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
امتلك الداعية الشيخ علي الطنطاوي - يرحمه الله - ناصية البيان ويبدو أن قدرًا كبيرًا من تلك الموهبة انتقل إلى بناته وأحفاده وقد آثر عدد من أفراد عائلة الشيخ الكريمة للمجتمع بكتاباتهم عن حياتهم معه ولحظات الفراق الصعبة وقد جاءت كلها بأسلوب راق معبرة عن مشاعر إنسانية نبيلة.
اللحظات الأخيرة من حياة جدي
بقلم: عابدة المؤيد العظم
ما كان جدي - يرحمه الله - يشكو من مرض مزمن، وما كان بيننا أحد يتمتع بصحة أفضل من صحته من وعيت وأدركت، بل إني أذكر أنه قام بمجموعة من التحاليل الطبية يوم تجاوز السبعين، فلما ظهرت نتيجتها قال له الأطباء: ما شاء الله، فإن هذه التحاليل لتشير إلى شاب في الأربعين، واستمرت صحته على حالها، وإن دخل المستشفى مرات عدة، وأجرى في واحدة منها عملية جراحية.
ثم بدأت صحة جدي بالتدهور قبل ثماني سنوات عندما أصيب بداء «الهرم الذي لا يملك الناس علاجًا له، فبدأ يستثقل القيام، ويستصعب المشي، الأمر الذي استوجب انتقاله إلى جدة ليكون قريبًا من رعاية بناته وحفيداته وأحفاده وصرنا نتعاقب على زيارته، ونستمتع بأحاديثه وشاركنا في هذا مجموعة من الرجال الطيبين الذين رافقوا جدي في تلك المرحلة وكنا نلاحظ جميعًا أن الهرم، كان ينال من جدي سنة بعد سنة، وشهرًا بعد شهر، ثم صار أسبوعًا بعد أسبوع، فحرصنا بعدها على أن تلازمه ما وسعنا، وكنت أتمنى لو أزوره كل يوم، وطالما ذهبت إليه وجلست معه أحدثه وأسليه قدر استطاعتي، وكان يكلمني بود ويشير إلى محبته الخاصة لي ولأفراد العائلة، وكنت أسأله فيجيب عن بعض أسئلتي، وكنت أناقشه في الأمور العائلية، وأعود إلى بيتي مسرورة سعيدة، وأنا أدعو الله أن يديم عليه الصحة ما أبقاه، وأن يبارك لنا فيه.
وكان «قلب» جدي خلال ذلك يسعنا جميعًا. ويحبنا كلنا، لكنه كان ينذرنا كل مدة بأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال لكثرة ما قدم وبذل، فكان يتمرد كل حين، فتصيب جدي نوبة قلبية، فيدخل من أجل ذلك المستشفى، ويرقد فيه أيامًا فينتعش قلبه ويعود ذلك القلب الكبير إلى العمل من جديد، وكانت هذه النوبات تعتري جدي متباعدة، ثم تقاربت حتى أنها جاءته أربع مرات خلال السنة الأشهر الأخيرة. رجاته نوية شديدة قبل وفاته - يرحمه الله - بشهرين، ودخل المستشفى، ثم عاد إلى البيت لكنه لم يعد بعدها أبدًا إلى سابق عهده، إذ صار ينام طوال الوقت في سريره، وكان إذا خرج إلى غرفة الجلوس لا يكلمنا إلا قليلًا، بل يقضي معظم الوقت وهو نائم على الأريكة، ونحن نتحدث مع بعضنا البعض، وامتنع عن الطعام إلا لقيمات معدودات، وصار يكتفي بالشراب والحليب، وعلى الرغم من أن عقله كان حاضرًا، ووعيه متفتحًا، إلا أنه امتنع تمامًا عن القراءة، ولم يعد يهتم كثيرًا بما يحدث حوله، وكأنه قد بدأ يستعد لمغادرة عالمنا والانتقال إلى العالم الأوسع، إنما كان يهتم في هذه الفترة بالوضوء والصلاة كثيرًا، ويصلي بخشوع وروية كما كان يصلي دائمًا.
وبعدها بشهر جاءته النوبة التي أخرجته من بيته ولم نعلم وقتها أنها لن تعيده إليه أبدًا.
فحملناه بسرعة إلى المستشفى، ولبث في العناية المشددة أيامًا، ثم صعد إلى إحدى الغرف تمهيدًا لخروجه من المستشفى.
وذات يوم ذهبت لزيارته معتزمة المكوث عنده مدة طويلة، وتوجهت إلى غرفته فوجدته مستيقظًا، وكان عهدي به في تلك الأيام دائم النوم - وكان يومها مستلقيًا في فراشه متضايقًا قلقًا. يشكو من الألم، فوقفت بجواره وتكلمت معه وحاولت التسرية عنه، لكنه لم يستجب لي. فأسفت له وتألمت لحاله، وقررت أن أفعل ما بوسعي للتخفيف عنه، لكن والدتي طلبتني الحاجة خارج المستشفى، فخرجت إكرامًا لها، وتعظيمًا لأمومتها، وخلفت أخي ورائي، ولم أكن أعلم أن هذه هي المرة الأخيرة التي أرى فيها جدي يتكلم ولم أكن أدري أنني لن أسمع صوته بعدها حيًا على الهواء أبدًا.
ولما عدت بعد ساعة إلى المستشفى وجدت السرير فارغًا، ورأيت جدتي تبكي بحرقة، ولما استفسرت من أختى قالت إنه أنزل إلى العناية المشددة في حالة خطرة. ونزلنا كلنا إليه، ولم يخف الأطباء عنا أنه بين الموت والحياة، فالضغط منخفض جدًا، وكانت لحظات مريرة تطلقنا فيها كلنا بناته وأصهاره، وحفيداته وأحفاده وأولادهم، حول سريره نقبله، وندعو له، ونبكي فالإبر في يديه، وجهاز التنفس في فيه، وجهاز تخطيط القلب موصل بجسده والأطباء قلقون يراقبون والممرضون مستعدون لأي طارئ وبعد ساعات استقام الأمر فحمدنا الله، لكن القلب سار ، بعدها - يرتمش أحيانًا فيصل عند دقاته إلى المائتين أو يزيد، ثم أصيب بالتهاب رئوي واستمر الحال على هذا عشرة أيام كنا خلالها لا نتركه وحيدًا أبدًا، تتسابق لزيارته والمكوث إلى جانبه لا نفارقه إلا كارهين، امتثالًا لأوامر المستشفى، وكنا لا نترك الدعاء والابتهال لحظة.
وكان جدي يفتح عينيه بين ساعة وأخرى فينظر إلينا نظرات ناطقة معبرة، تشعر بأنه يريد أن يحدثنا، فنقترب منه ونكلمه ونطمئنه فتدمع عيناه وتتحرك يداه ببطء وضعف، ويحاول الكلام فتتحرك شفتاه، لكن دون أن تخرج الكلمات فقد حبسها جهاز التنفس وكنا نقول له بأننا نحبه وننتظر خروجه فيهز برأسه أن لا، وكأنه يقول: لن أخرج من هنا أبدًا.
فنتوارى لنخفي دموعنا وأحزاننا ثم نعود إليه لنجده قد عاد إلى النوم من جديد. ولما زرناه يوم الأربعاء (١٦يونيو الماضي) كان يشكو من ألم في المعدة سببه نزيف حاد فاقتربت منه وحييته وقبلته فنظر إلى، ثم حرك یده بوهن وأخذ يشير بها، ونحن نسقه لتفهم ما الذي يقصده، ولم تفهم إشارته إلا أختي التي أدركت أنه يوصي بابنته الوسطى وهي أمي». فبكينا كما لم نبك من قبل، وقدرنا أن النهاية قد أوشكت ولم أنم ليلتها حتى السابعة صباحًا قلقًا وخوفًا .
وكان النزيف يخف تارة ويشتد تارة الأمر الذي استوجب أن يتبرع له مجموعة من حفدته بثلاثة ليترات من الدم، ثم زرته يوم الخميس مرتين، ثم يوم الجمعة وكان نائمًا، ولما هم بالاستيقاظ طلب منا الأطباء أن نتوارى حتى لا يرانا فينفعل وانفعاله - في حالته الراهنة - غير محمود، ولما اشتد النزيف رأي الأطباء أن يضعوا له دواء في معدته عن طريق المنظار. وأن ينقلوا له وحدة أخرى من الدم، وشاء الله أن أكون واحدة من أربعة من البنات والأحفاد معي أمي وزوجي وأخوه الطبيب الذين شهدوا هذه اللحظات المؤلمة، فرأيت قلق الأطباء، وكان الجهاز الذي يقرأ عدد دقات القلب أمامي تمامًا لا يبعد إلا ذراعًا، فلاحظت توقف القلب ورأيت الضغط ينخفض بسرعة من تسعين، إلى ثمانين إلى ستين إلى أربعين ثم صار صفرًا. وكذلك الضغط المنخفض، صار أربعين ثم ثلاثين، ثم أربعًا وعشرين، ثم صفرًا، ثم ترك قراءة غريبة -18) .
فذعرت ونظرت وإذا بالأطباء يراقبون - مثلي - الجهاز بقلق فعرفت أن قراءته صحيحة، وإذا بالممرضات يتحركن بسرعة، وإذا بهن يعدان وضع السرير ليتمكن الجميع من العمل بسرعة. وطلبوا منا الخروج من الغرفة، لكني وقفت بالباب أدعو وأبتهل وأراقب ولم أكن أرى وجه جدى لكني كنت أرى بقية جسده مسجى على السرير، ولم أكن أرى ما تفعله الممرضات حول سرير جدي. لكني كنت أرى السرير يهتز بشدة، كما كنت أسمع صوت صرير ونقيق، فأدركت أنهم يملكون القلب، وتوقف القلب يعني توقف الحياة إلا بمعجزة، ولبنت واقفة شاخصة البصر أراقب السرير، وأراقب الوجوه، وما كان شيء من ذلك یبشر بالخير.
خرج إلينا الطبيب دامع العينين متغير الوجه، وهو يقول: «خلاص (أي انتهى الأمر).
فهوت قلوبنا حتى أننا لم نستطع الوقوف وشعرنا بالأسى الشديد، والحزن القاتل وأحسسنا بأنه لم تعد للحياة بهجة وتولى بعضنا إخبار بقية أفراد العائلة، وبدؤوا يتوافدون إلى الغرفة التي يرقد بها جدي واحدًا بعد الآخر، وتطلقنا من جديد حول السرير وتوليت مع خالتي إزالة الأجهزة التي لم يعد لها داع فبدا وجه جدي مرتاحًا منفرج الأسارير وكانت تبدو على شفتيه شبه ابتسامة، وصرنا نعزي بعضنا دامعي العيون، ولكنا لم نقل إلا ما يرضي الله، وكنا كلنا ندعو له بالرحمة والمغفرة والتثبيت ووقف معنا بعض الأطباء والممرضين فبكوا لمكانته، وكان قد عبر بعضهم - من قبل . عن إعجابه بهذا الشيخ، لأنه استطاع أن يكسب محبة كل هؤلاء الناس وجمعهم حوله برضا نفس طوال مدة مرضه.
لنكن أوفياء له
جدي -رحمه الله- معروف للقريب والبعيد: العالم الفقيه الأديب الداعية، فأي رجل هو داخل باب بيته؟
هو الأب دائمًا، كان الأب لأخوته الصغار يوم مات عنه أبوه وهو شاب يافع، وكان الأب الذي لامثيل له لبناته الخمس اللاتي رزقه الله إياهن، فبذل في رعايتهن وتربيتهن ما لا يمكن الزيادة عليه جمع في ذلك أطرافًا تبدو لنا متناقضة، فمع أنه منحهن حبًا لا يستطيع أب أن يحب بناته أكثر منه وكان يخاف عليهن من نسمة الهواء لكن ذلك لم ينتج أي دلوعة، لا من قريب ولا من بعيد، بل على العكس أنتج بنات لديهن من الشجاعة والقوة في الحق، والاعتزاز به والثبات عليه، والعلم والمعرفة، ما نفتقده في الرجال في هذا الزمان، وعلى مثل هذا ربين أولادهن وبناتهن، ولم يحدث أن سمع منه أحد. حسرة على أن رزقه الله بنات دون بنين بل كان كثير الشكر على أنه من الصنف الأول ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُور﴾ (َ49: الشُّورَى)
كانت بناته بالنسبة له يساوين الدنيا بما فيها، ويوم استشهدت بنته (بنان) رحمها الله ماتت معها قطعة منه مرت بعدها عشر سنوات قبل أن يتمكن من نطق كلمة بنتي التي قتلوها (قتل الله من قتلها).
ثم كان أبًا لأزواج بناته، وأولهم كان أبي الذي لم يعرف أباه فقد توفي -رحمه الله- وهو بعد - الرابعة - من عمره، فوجد في جدي أبًا له، وكان يكاتبه بكلمة أبي الحبيب، ويستشيره في أموره المهمة ولا يرد له أمرًا، وهكذا كان -رحمه الله- مع بقية أزواج بناته فكانوا بلا استثناء أبناء بارين، ما كان ليكون أبر منهم أبناء من صلبه لو كتب له أن ينجب أولادًا.
ثم كان الجد والأب الكبير لكل أحفاده، وحفيداته، يفيض عليهم من حبه وحنانه، وتوجيهه وتعليمه، وكل عطاء يستطيعه لهم. يسمي بعضهم إذا ولد، ويرعاه إذا كبر، ويدفعه إلى الأمام بكلمات لا ينساها أبدًا، ومن الله على أن كنت أول أحفاده وكان هو الذي سماني بمؤمن الاسم الذي اعتز به كثيرًا.
وبعد الأحفاد استمر أولاد الأحفاد يتطلعون إلى الجد الكبير، صاحب القلب الكبير والعقل الكبير المرجع في الأمر الجلل، وصاحب الكلمة الأخيرة عندما تكثر الآراء والقلب الذي امتلأ بكل هؤلاء كان فيه سمة لكل المسلمين بآمالهم وآلامهم، حتى في السنوات الأخيرة التي ضعف فيها وقلت مشاركته، لم يكن يفوته حدث كبير ولا صغير بنظرة عابرة للصحيفة يمسحها مسحًا، والاستماع المتقطع لأجزاء من نشرات أخبار يوصل إليه كلمات يعرف منها ما وراء الكلمات، وكل حدث له فيه رؤية ورأي.
سنكون بإذن الله أوفياء لذكرى الجد الحبيب بارين بالجدة الكبيرة أم العائلة من بعده. وبأمهاتنا اللاتي أحبهن هذا الحب، وحرص دائمًا أن يفهمنا أنهن الحلقة التي بينه وبيننا، وأن نكون جميعًا، من أكبرنا إلى أصغرنا: كما أحب دائمًا أن نكون.
وليكن كل مسلم أفاد من الشيخ أمرًا وفيًا له فيه كل من تعلم منه علمًا ونسيه يرجع فيتذكره ويزيد عليه، كل من تعلم منه خيرًا ثم تركه يعود إليه، كل من انتهى بفضله عن أمر سوء وعاد له يعود فيتركه، وكل من استيقظ قلبه بإحدى كلماته الطيبة ثم عاد فاستغرقته الدنيا بمشاغلها فلينر قلبه من جديد بتذكر الكلمات إياها.
والوفاء كل الوفاء أن ندعو له جميعًا دومًا، أن يكتب له الله أجر كل من ساهم في تربيته وتوجيهه وتعليمه وهدايته وإرشاده، من عائلته وتلاميذه وإخوانه ومحبيه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.
د مؤمن مأمون ديرانية
سوف نفتقدك
لقد فقدت جدًا حبيبًا. وأبًا عظيمًا، وقدوة فاضلًا. ومهما التأم الجرح مكان الخنجر، فسيظل موجودًا، ولكن ما يعزينا أننا بقينا جميعًا نحبك وندعو لك، ونسأل الله أن يكون صبرنا في ميزان حسناتنا.
ستستمر الحياة مهما بكينا ومهما حزنًا، وسيظل دولاب الزمن يدور، لكن نقل ذكرى جدي وعباراته محفورة ومنقوشة في قلوبنا وعقولنا، وسنظل نترحم عليه مدى الحياة .
عفراء حتاحت
أصغر حفيدات الطنطاوي – جدة
من مذكرات أمان الطنطاوي
الخميس ، شعبان ١٤١٨هـ ديسمبر ١٩٩٧م
صوت حبيب كل صباح يقول أمان ماذا تفلعين؟ هل أنت وحدك في البيت؟ ألا تستطيعين تأتي لزيارتي اتكالي علي الله ثم عليك ثم أن تؤمني أحدًا يزورني ردي خبرًا الله يرضى عليك الله يرضى عليك يقولها بحرارة تنطلق من أعماقه لتدخل أعماقي لتشرح صدري، وتجعلني أتسائل لماذا سكنت هكذا بعيدًا عندما كنت قريبة منه كنت أسرع إليه كلما سمعت النداء والآن كلما سمعت تلك النداء أسفت لأنني لن أستطيع تلبية النداء الصادر من الوقد أو تلبية رغبة الوالد الوالد القلب الحنون والعطاء المستمر، الوالد الذي أعطى وأعطي دون انتظار مقابل، أعطانا حبًا وفهمًا. أعطانا حكمًا وخط لنا منهجًا في الحياة أصبحنا نمشي فيه ونحن مغمضي الأعين، فتحت عيني على الدنيا لأجد أبي يشد أزري ويمسك بيدي ويوجه أفكاري لم يكن الحلم من طبعه حتى أقول أن ذلك كان سهلًا عليه فمن أبرز صفات الوالد سرعة الانفعال وهذا ما يجعلني أتساءل كيف استطاع استيعاب طفولتنا وأخطائنا وحيويتنا؟ كيف كان يسمح لنا أنا وأختي الصغيرة «يمان» أن نجلس على حضنه وكلًا منا تمسك مشطًا لتمشط شعره؟ ولم يكن يتأفف أو يمنعنا.
كيف كان يحتمل يمان وهي طفلة تداعبه حينًا وتغضب منه حينًا، كانت إذا سرت منه تقول له: أنت أختي، وإذا غضبت تقول أنت لست أختي يبدو أنها كانت تمجد الأخت أكثر من أي شخص آخر، وكان يضحك لها.
كان يحتمل اتصالنا به على المحكمة - حيث كان يعمل قاضيًا - لنطلب منه أشياء سخيفة، ومع هذا يحضرها لنا.
كيف كان يأتي ظهرًا ويبدأ بوضع ردائه على الكرسي وينادي أين البنات كان يصر على جلوسنا معه يحدثنا، ويداعبنا دون أن يسألنا عن دراستنا أو مدرستنا، فلم يكن يهتم إلا بما يسرنا أو يضايقنا، لذا حين كانت تضيق بنا الدنيا ونشعر أن الجميع يقف ضدنا، وأننا نعامل معاملة أطفال لا قيمة لهم ولا رأي يبرز دور الأب الذي يعطي: ثقة ومحبة، وخلقًا خلقًا يجعلنا لا نخشى أحدًا إلا الله، حتى المعلمات لا يشكلن شيئًا أمام الحق الوالد لقننا قاعدة الاحترام مع الكرامة، أن نحترم الكبار في السن والعلم فهذا واجب، لكن أن ننحني ونخاف ونتصرف بغير وجه حق فهذا غير جائز مطلقًا.
الوالد الذي علمنا أن نحب الآخرين ونعطيهم من ذواتنا وأنفسنا أن نضحي مع المطالبة بحقنا..
هذا ما أخذته من الوالد.
السبت ٢١ صفر ١٤٢٠هـ يونيو ١٩٩٩م
رباه، كيف تمر الحياة كيف تتبدل الأحداث بالأمس كنا نسرح ونمرح في الحياة في ظل والد حنون حبيب نشيط والآن يمكث الوالد في المستشفى والوالدة في البيت تعاني القلق والضيق ونحن نسأل الله أن يعز الوالدين في الدارين رباه بالأمس تكلم الجميع وكتب الكتاب ودعا القراء للوالد، ذكروا محاسنه وأدبه، ولكن أحدًا منهم لم يذكر الجانب الإنساني عنده، إنه إنسان بكل معنى الكلمة إنسان محب معطاء أعطى الجميع. وأكثر من أعطى الإناث، فأكرمهن وأعزهن.
لقد وعد الرسول الله من ربي ثلاث بنات بالجنة، والوالد ربي عشرة أولًا أختين، إحداهما تصغره بأعوام قليلة والأخرى كانت طفلة حين موت والديهما وقد تركاهما لأخيهما الكبير علي، فرباهما فأحسن تربيتهما، ثم ربى بناته الخمسة فأرضعتهن والدتهن الحليب والحب وأرضعهن الوالد القيم والمبادئ والإيمان، زرع الإيمان في القلوب وطبع نفوسهن على العزة والأنفة والشموخ والتعالي بهذا الدين والالتزام به، ثم أعاد الله له ابنته الوسطى مع ثلاث بنات ففتح لهن قلبه وبيته وجيبه، يقول غيره من الآباء من تربي أبناء الغريب، لكن الوالد أمر على أن يربي بنات ابنته التي قال عنها ولا أقبل أن أرى ابنتي تذوب كما الشمعة، فأعادها معززة مكرمة وأكرم بناتها.
كان أبًا لكل بنات العائلة وعمًا للجميع حتى خالتي الصغرى كان يعتبرها ابنته، فإذا ما زارتنا كان يرغمها على أن تأكل وتنام، لأنها كانت أمًا لعدد من الأولاد وتصحو قبل الفجر، فكان يصر على أن تأخذ حاجتها للغذاء والنوم الوالد: إنه العطاء والحب ها هو في مرضه يصحو وينام يقول أريد أن أنهض، فأساله لماذا فيجيب لأتوضأ وأصلي، فأوكد له أنه صلى فيصر على الصلاة، حتى لو أصررت عليه أن يجمع الظهر والعصر فإنه يعيدها حين يؤذن العصر.
والدي أكتب الآن وأنت على سرير المستشفى، أدعو الله أن يشفيك ويعافيك المعافاة التامة في الدنيا والآخرة، وأقول اللهم اجعل خير أيامه يوم يلاقيك، وخير عمره آخره، وخير عمله خواتيمه وأدعو لوالدتي بالمعافاة والعفو والصبر وطول إقبال، وأدعو لكل المحبين الذين يحبون الوالد أن يحبهم الله الذي أحبوا الوالد فيه، رعاهم وأحسن إليهم وجزاهم عنا كل الجزاء.
إن الوالد مازال الأب والقدوة والفكر والعقل أدعوا له فهو لا يحتاج إلا الدعاء أن يحفظ الله له صحته وفكره وإيمانه، أدعوا له جميعًا فإنه لا يريد منكم شيئًا إلا الدعاء رباه ألهمني الصبر وقدرني على التحمل والعطاء والحب.
الجمعة 3 ربيع الأول ١٤٢٠هـ ١٨ يونيو ١٩٩٩ م الثانية ليلًا
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وأنا عليك يا أبتاه لمحزونون، أبتاه أنت شمس حياتنا ونور أيامنا أبناء، يعز علينا الفراق ويحز في النفس عدم سماع صوتك وعدم رؤية وجهك، لكنك أبتاه، في القلب أنت في العقل أنت أبتاه يا نبض أيامي أبتاه يا ملهم أفكاري، أبتاه يا الحب وأغلى الناس، رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجمعنا معك في جنة الخلد.
أبتاه ها قد لحقت بينان التي لم تذكر اسمها إلا هذا العام، ولم تلح في طلبها إلا وانت مريض وبالإشارة أشرت بإصبعك الثاني فقلت لك بنان هززت رأسك أن نعم. جعلك الله وإياها من سكان الجنة.
السبت 1 ربيع الأول ١٤٢٠هـ 19 يونيو 1999م
يا أبي الحبيب ها أنت هنا في الحرم، في المكان نفسه الذي طالما جلست فيه تحت قبة المؤذنين مواجهًا الحجر الأسود.
يا أبي يا أبت ها أنت في المكان نفسه، هل تشعر بنا وتسمعنا؟ جعلك الله من أهل الجنة وأكرم مثواك ورفع درجاتك وجعلك في عليين جزاء كل عمل صالح عملته رجوت به وجه الله رحمك الله يا أبي ما حسبت في عمري أو زماني أني سأنادي يا ابي فلاترد البارحة كلمتني بفيك في مثل هذا الوقت وقلت لك عافاك الله يا والدي لتعود إلى البيت معافي فهززت رأسك بالنفي، لابد مما ليس منه بد. لقد رحل من قبلك الرسول، والسيدة فاطمة ما رئيت ضاحكة بعده أبدًا. لكم أبكي كلما فكرت بهذا.
رحمك الله يا والدي ووالد المئات والآلاف ممن يدعون لك بالثواب والمغفرة.
يارب ارحم الوالد واجعله سعيدًا في مماته أكثر مما أسعدته في حياته، واجعله مرتاحًا وثبته عند السؤال، يارب لا تجعلنا نفقد الإيمان والأمل بلقاء قريب في جنات الخلد.
إنه الآن المكان نفسه، لكن الزمان قد اختلف لكنك أنت أنت ستبقى معنا بروحك، ستبقى معنا بتعاليمك ستبقي معنا بحبك الذي زرعته في قلوبنا فأينع عطاء وإيمانًا ورضًا.
أعيش في حلم مزعج أنتظر انتهاءه
كان كل ما يمر بي هو حلم عابر لا أصدق، نعم لا أصدق أي شيء مما يحدث أنا الآن في منام كاذب أليس كذلك؟ كيف دخلت بيتك ولم أجدك في زاويتك المعتادة ها هو مقعدك أراه أمامي فارغًا ينتظر استيقاظك لتعود فتجلس عليه مرة أخرى مازالت غرفتك كما هي أوراقك وأقلامك تنتظر رجوعك. وتلك الأدراج التي رتبتها أنت بنفسك وكتبت عليها أرقامًا منظمة والأوراق التي كتبتها بخط يدك ها هي قصاصات الجرائد التي احتفظت بها كل شيء كما هو وها أنا أدخل غرفتك أجلس ثم أقف أتأملها لكني فجأة أتدارك نفسي أخرج بسرعة وأغلق الباب خلفي نعم كيف دخلت غرفتك دون أن أستأذنك بالدخول اتجهت إليك دون تردد لأسالك إن كنت تسمح لي بدخولها لكني تذكرت حينها أنك قد تركت زاويتك القديمة ولم تعد إلينا بعد هل عاد إلى ذلك الحلم المزعج مرة أخرى؟
ثم دخلت غرفة المكتبة جلست في مكتبتك العظيمة بين كتبك كيف تمكنت أن أفتح بابها دون أن أسمع صوتك الحازم الذي يقول لي: يابنت طلعي وسكري الباب.
جدو، أرجوك اسمح لي فوت بدي أقرأ.. فوتي لكن سكري الباب ورجعي كل شيء لمكانه.
فأدخل سعيدة فرحة اقرأ قليلًا، أقلب الكتب، ثم أخرج بهدوء وأعيد كل شيء إلى مكانه.
لكن هذه المرة لم تكن ككل المرات السابقات، فهذه الزيارة تختلف تمامًا عن سابقاتها فتحت باب المكتبة دخلت انتظرت صوتك المعتاد لكن لم أسمع شيئًا. هل على أنني حاجز يمنع السمع؟ لا فقد نظرت خلفي لأتأكد فلم أجدك.
أكملت تجولي في المنزل، أتنقل من غرفة لأخرى، ويعاد أمامي شريط الذكريات دون توقف وبينما أنا كذلك سمعت عبارتك المألوفة التي كنت تقولها لنا حينما نأتي لزيارتك أهلًا وسهلًا أهلًا وسهلًا كانت تتردد باستمرار.
سمعت صوتك أنا متأكدة من ذلك نظرت إلى مقعدك فوجدتك جالسًا في مكانك المعتاد أسرعت إليك أجري دون أن أرى شيئًا أمامي سوى صورتك الرائعة وصلت، فلم أجدك كنت أتخيل ذلك، كالظمآن يرى السراب فيحسبه ماء ثم يصل إليه فلا يجده شيئًا.
جدي الغالي صورتك لا تفارقني كلما دخلت غرفة وجدتك هناك، لكن حقيقة لم تكن هناك لا أستوعب ما يحدث حواسي بأكملها عاجزة عن الاستيعاب كيف سأدخل منزلك دون أن أجدك أو أقبل رأسك ويدك؟ كيف سأستشيرك بعد الآن؟ كيف سأسالك المسائل الغامضة التي تحتاج إلى جواب؟ كنت أحب الفقه فأسألك فيه، وأحب الشعر فأسمعه منك، كنت أحبذ إعراب الجمل وحينما تصعب على جملة أو كلمة أسألك فتعربها لي أحب الكتابة فأريك ما أكتب فتنقده لي نقدًا واضحًا جميلًا كنت أسألك عن كيفية الدعوة وأساليبها فتحدثني عنها حديثًا رائعًا.
رأيت في جدي العاطفة والحنان والحب والعطاء وجدت في جدي القوة، والحزم، والعزيمة، والإصرار.
وجدت فيه التواضع والصبر والإيمان.
وجدت فيه الكثير الكثير.
أتمنى أن أسير في دربك الذي سرت فيه وأنتهج نهجك، وأقدم للأمة الإسلامية شيئًا نافعًا اللهم اجعلني كذلك اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى ولا تحرمنا من نعيمك يارب العالمين.
لكن مازال السؤال يتردد في ذهني. هل سأستيقظ من هذا المنام المزعج
نسرين الطباع
هكذا عانينا وعانى جدي
تجمعنا حول غرفته بالمستشفى، فقد علمنا بوضعه الحرج، كان مستلقيًا على سرير بغرفة العناية المركزة.
العيون كانت مليئة بالعبرات المحبوسة والجميع ينظرون بقلق وترقب البعض لم يستطع إمساك عواطفه فانهارت دموعه بقوة لتعبر عن خوفه وتألمه لأجله.
في هذه اللحظات الحرجة التي مرت علي في المستشفى وأنا أقف أمام سرير جدي أدعو له وأتضرع إلى الله أن يمتعنا فيه، شعرت كم أحبه تذكرت كل ذكرياتي القديمة معه منذ كنت صغيرة يلاعبني ويحنو علي، وحتى كبرت فأصبح يحدثني ويصغى إلى أيام كثيرة وساعات طويلة، ولكنها مرت بذاكرتي سريعًا.
مر الوقت بطيئًا جدًا حتى لكأنه دهر، ولكنها لم تكن سوى ساعات فقط، أطباء يدعون ويخرجون الممرضون يسرعون الخطى بينهم، وأجهزة كثيرة رأيتهم يسحبون الدم من يده أو ربما يضخونه لست أدري، فقد كانت غشاوة من دمع تغطي عني الرؤية، ولكني علمت أنهم استطاعوا السيطرة على الوضع ويحاولون مساعدته.
عدت إلى البيت لم أستطع النوم بسهولة إذ كنت أفكر فيه ترى هل حقًا سيعود إلينا كما كان؟
أصبحت أزوره كل يوم في المستشفى، لأجد الجميع هناك لا يستطيعون مفارقته فيتناوبون الدخول والسلام عليه الأجهزة التي كانت في فمه كانت تمنعه من الحديث وتؤله، ولكن رغم ذلك استطاعت أمي أن تفهم عليه وتكلمه، مازلت لا أستطيع حبس عبراتي كلما رأيته، ترى هل تعلقنا بأمل بعيد؟
قرر الأطباء أن محاولة الحديث معه تتعبه، فنبضه يرتفع مع كل محاولة لذلك طلبوا منا ألا نشعره بوجودنا، الله كان يزداد يومًا بعد يوم.
نزيف حاد أصاب معدته، لم أعد أدع دعوتي السابقة، غيرتها وأصبحت أدعو الله أن يريحه من آلامه بأي طريقة كانت.
لم يعد الدم الذي تبرع به بعض أفراد العائلة يكفيه وأصبح يحتاج المزيد، ذهبت في ذلك اليوم لزيارته كان نائمًا، فرجوت الله أن يخفف ألمه، ولم أستطع فعل شيء سوى الدعاء له والبكاء لألمه. لا أدري ما الذي حصل ولكن رد زوجي على الهاتف وتغير وجهه ثم علمت برحيله.
لكم كان الخبر ثقيلًا، شعرت كأن صخرة سقطت على صدري رغم أنني أعلم أن ذلك نهاية لآلامه، وأعلم أيضًا أن الحياة ليست هي الخير، بل العكس فالدنيا مليئة بالآلام، ولكنني تألمت كثيرًا، ربما لأنني كنت أرغب أن يعود إلينا، إن الفراق صعب.
رأيته كان معدًا على شيء ما ربما سرير؟ كان الجميع في الغرفة نفسها التي امتلات جوانبها بآيات عن الموت - كان البعض يدعو له والبعض يبكي، وبعضهم يقف إلى جانبه حابسًا عبراته.
لم أستطع إمساك دموعي، ولكنني ابتسمت حينما رأيت وجهه، فقد على شفتيه ابتسامة ما رأيتها في حياتي قط وكانت تبدو على قسماته الراحة.
ترى من منا يستحق الرثاء، هو الذي ارتاح أم نحن الذين خلفنا وراءه لنبقى نصارع الحياة؟!.
أريج الطباع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل