العنوان حوار مع الشيوعيين في أقبية.. السجون
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
مشاهدات 61
نشر في العدد 127
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
هذا البحث البسيط يلقي ضوءًا خفيفًا -من خلال نقد الماركسية علميًا- على ملامح العقلية المنهجية الإسلامية، التي أرادها رائد الحركة الإسلامية الحديثة، امتدادًا لمرحلة اليقظة التي بثها في الأمة في قوله: «وإذا لم تتدعم هذه اليقظة بمناهج محددة، يكون كل ما قمت به كالشعاع التائه في الصحراء، لا حرارة فيه ولا ضوء».
وهو يواكب الأمة العربية والإسلامية في مسيرتها إلى الغد الأفضل، ويواكب العاملين في الحركات الإسلامية في الدرجة الأولى، ويواكب الداعين في ربوع العالم من كل جنس أو مذهب، إلى استشراف حياة جديدة، عميقة الجذور باسقة الفروع شهية الثمر.
وهو مجرد هيكل عام، ينقصه كل ما ينقص الهيكل حتى يصير جسمًا كاملًا، ولكنه هيكل لا تخطئ العين ملامح الكمال فيه.
أو هو مجرد لوحة تحددت معالمها بالقلم الرصاص، ريثما يتوفر لها الألوان والظلال.
والبحث يحقق بهذا التبسيط خاصية النظرة الشاملة، حاجة الكافة، وطبيعة مرحلة الدعوة، ريثما يتحقق بالتفصيل ضرورة النظرة المتخصصة، دور الخاصة، وطبيعة مرحلة التطبيق، ولا غنى لأحدهما عن الأخرى دائمًا على طريق المنهج الصحيح.
• قصة البحث
وللبحث قصة لا تنفصل عنه، بل أراها ضرورية في توضيح الظروف التي أخرجته وکونت تاريخه، لأن معرفة تاريخ الشيء جزء من حقيقته وعامل في تقييمه، فضلًا عما توحيه المعاصرة الزمنية، والمعايشة الذهنية من مشاركة وجدانية للموضوع وأشخاصه، مما يذلل الفهم، ويقدر العذر، ويغفر التقصير، وينبت الحب فلا تكون النتيجة اقتناعًا باردًا، بل إیمانًا دافئًا، يحرك العمل المخلص في النفوس، وهذه حسنة أخرى تضاف للتاريخ، فوق حسنة الخروج منه بقوانين جامدة في تفسير حركته.
• والتاريخ في موضوعنا هذا، له جاذبيته الخاصة وأهميته الخاصة، وله درجة حرارة أيضًا، يستمدها من طبيعة الموضوع ونوعية أشخاصه، وظروف الزمان والمكان اللذين شهدا ولادته.
فعلى أرض الواحات في مطلع الستينات، وفي بطن الصحراء البعيدة بصيفها اللهيب، وليل شتائها الزمهرير، ومن خلال العذاب المنصب علينا ليلًا ونهارًا، بكل أشكاله الثورية، من تجويع وبرد وظلام وتفتيشات، لا تنقطع وحرمان من رؤية الأهل سنوات عدة، ومعاملة سيئة لا تتوقف من قلوب أقسى من الحجارة، وفي ظل ما تعيشه أمتنا من صراعات مذهبية وسياسية، كانت تفاعلاتها وراء نفينا إلى هذا المكان السحيق.. في ظل ذلك كله، كانت يد الله الحانية تحيل الظلام نورًا، والجوع شبعًا وريًا، والعمل الشاق عبادة وقوة، والنار بردًا وسلامًا، والفجر الكاذب فجرًا صادقًا، حتى أصبح سجننا، باطنه فيه الرحمة، وإن كان في ظاهره العذاب.
وفي إطلالة لنا على هذا الظاهر الملتهب، كنا نرى المشاهد المفزعة تضحكنا وتسري عنا، فهذا ضابط العنبر، لا يكاد يلمح منظر الحملة العسكرية التي جردت لتأديبنا، وهي تدخل علينا الزنازين بالسلاح، بعد أن أحاطت الأسوار بالمدافع.. ولا يكاد يسمـع النداءات وأصوات البروجي، تتوالى من كل جانب، حتى تصطك أسنانه وترتعد فرائصه، وكنا نحن الذين هون عليه الموقف، ولكن بلا جدوى، حتى أطلقنا عليه أحمد مرعبش -من الرعشة!!- وهذا الحارس الذي دهمته الحملة، فوجد نفسه وجهًا لوجه أمام قائدها، فقام مسرعًا ليجأر بالنداء، فلم تخرج الكلمات من فمه من شدة الرعب، وبح صوته، وكان المسكين في حالة يرثى لها وهو يستميت في المحاولة.. وهذا واعظ السجن الوقور الذي أحضروه خصيصًا لإقناعنا.. نراه من وراء النوافذ مسجى على الأيدي، بعد أن أغمى عليه ولم يتحمل رؤية الهول من حوله.. مشاهد لم تتوقف على مدار سنوات خمس، كانت هي مادة ضحكنا وسمرنا.. حتى كاد مشهد ورود قوافل جديدة تنتظم ستمائة معتقل من الشيوعيين في أعقاب الأزمة التي حدثت مع عبد الكريم قاسم إثر سحقه لثورة الشواف، نزلوا في عنبر «۲» المقابل لعنبرنا، والذي يفصلنا عنه حوش كبير لم يلبثوا إلا قليلًا، حتى سخروا للعمل في الصحراء، ويبدو أن أسلوب السخرة أثار شهية الإدارة المتسلطة، فتحولت إلينا، واصطنعت الأسباب لتشركنا في هذه التكديرة الجديدة، لأن منطقهم دائمًا أن النقمة تعم والنعمة تخص، وكنا نعلم مقدمًا أننا الطرف الأول دائمًا في أي تكدير، حتى ولو كان بسبب بعيد عنا.. هكذا تعلمنا من قصة الحمل والذئب.
• الصباح العاصف
ذات صباح قارس من أيام يناير، قمنا فزعين على صرير الأبواب المفتحة، ووقع الأحذية الغليظة، وهي تجوس خلال الزنازين، تدوس كل شيء في طريقها وسط عاصفة من النداءات، تأمر بالخروج السريع إلى الفناء دون توان أو مناقشة.. وبعد لحظات كنا نجلس القرفصاء في صمت رهيب، لا يقطعه إلا حركة الحراس المذعورة، والكل في انتظار قرارات المأمور الطاغية الذي سمعنا من قصص طغيانه ما يشيب الولدان.. وما هي إلا دقائق -كأنها الدهر- حتى خرج علينا في زينته يتهادى كالطاووس وعيناه الجاحظتان تقذفان بالشرر من برج جثته الضخمة.. وكلنا عيون شاخصة وآذان صاغية، وفي تراخي المتعاظم انشق فمه عن سيل من الحمم: «لقد قررت الدولة أن تستفيد من عضلاتكم لأنها يئست من صلابة عقولكم، وستقومون بشق الترع والمصارف إلى ما شاء الله حتى تستجيبوا لما نطلبه منكم».
ران صمت رهيب أعقاب هذه الكلمات الحاسمة، لأننا أدركنا منها بحسنا المتمرس على فهم أساليب الطغيان، شيئًا أعمق من السخرة في العمل، مثلما حدث مع إخوة لنا في سجون أخرى، حيث اتخذ الإنتاج وكمياته ذريعة للاحتكاك الذي وصف بـالتمرد واستدعت دواعي الأمن قمعه!! وأمام المصير المجهول، تكتسي الوجوه بملامح الإصرار والعزم، وتشع العيون ببريق التحدي، وتقترب القلوب من الله أكثر من أي وقتٍ مضى، ويزداد الحب والثقة بيننا، هكذا كنا دائمًا في مثل هذه المواقف.
توالت النداءات الغليظة بعد توزیع أدوات العمل، من فؤوس وكوريكات ومقاطف، وخرج طابور طويل من البوابة الشمالية في اتجاه الصحراء الغربية، يتكون من مائتين أو يزيد، من الشباب المسلم الفتي، كلهم في العقد الثالث، إلا قليلًا ممن هم في حكم الآباء، ملابسهم زرقاء، أغطية رؤوسهم بيضاء يحملون أدوات العمل فوق أكتافهم المعتزة.. خلفهم يسير طابور آخر من ستمائة شيوعي، بملابس الاعتقال البيضاء، حفاة الأقدام، وأمام الجميع عربة حراسة تحمل ضباط الحملة، وخلفهم عربة أخرى تحمل رتلًا من الجنود المسلحين، ويحيط بالطابور على الجانبين «جنزير» كبير من الحراس المدججين بالسلاح.
خرج هذا الطابور من الأبواب الضخمة، وخرجت وراءهم الشمس مسرعة، تفرش الأرض بأشعتها الوردية أمام أقدامهم الواثقة، التي تخط فوق رمال الصحراء سطور موكب للإيمان جديد.
• خطوط الهدنة
وهناك.. في جوف الصحراء، وفي المكان المخصص للعمل، وجدنا كل شيء معدًا لاستقبالنا، وتوقف الطابور، إلى أن تمت مراسيم توزيع العمل علينا وعلى الشيوعيين، مشفوعة بالتهديدات اللازمة، إن حدث أي تقصير في تسليم المقطوعيات المطلوبة، مقرونة بأقسى التشديدات العسكرية على الحراس ليراقبوا التنفيذ بدقة، ويمتنعوا تمامًا عن الحديث مع أي مسجون أو معتقل خشية أن نستميلهم لجانبنا.. وانتشر الحراس المسلحون في دائرة كبيرة، حول منطقة العمل، وعلى المرتفعات الجبلية المحيطة بالموقع، نصبت المدافع المصوبة نحونا، لكل من تسول له نفسه الشروع في الهرب أو يفكر في التمرد.. وتنبيه أخير موجه لنا وللشيوعين معًا بعدم الاختلاط ببعضنا وإلا حاق بنا أشد العقاب!!
وكانت الثغرة الوحيدة في هذا النظام الصارم، هي في دورة المياه المشتركة التي كان يتاح لنا اللقاء عندها، ومن ثم أطلقنا عليها «خطوط الهدنة».
وفي البداية كان اللقاء بطريقة فردية بين صديقين قديمين، اكتشف كلٌّ منهما وجود صاحبه في معسكر عقائدي آخر، أو بين اثنين من الأقرباء كلٍّ منهم في طريق، أو لغير ذلك من الأسباب العارضة.
ثم تطورت اللقاءات إلى المستوى التنظيمي عندما اكتشفنا ما يعانيه الشيوعيون من جوع متواصل، كذلك الذي مر علينا من قبل لمدة عام ونصف قبل مجيئهم، وكنا اليوم في ظروف أفضل، بسبب السماح لنا بالتعـامل مع الكانتين في حدود الأجرة التي أعطيت لنا، مقابل عملنا في شق الترع والمصارف، تنفيذًا للائحة السجون، التي تتكلم عن أجر للمسجون دون المعتقل، وحرصًا على شكلية الإجراءات فقد تنازعت مصلحة السجون مع إدارة الإصلاح الزراعي، حول أجرنا عن هذا العمل، انتهى بقرار إعطائنا قرشًا واحدًا للفرد عن كل يوم عمل، وكان هذا يعتبر ثروة ضخمة، نظرًا إلى الحرمان السابق إذ صار هذا الأجر عبارة عن جنيهين في اليوم بالنسبة للجميع، تصبح على مدار الشهر ستين جنيهًا، مما رفع على الفور مستوانا الاقتصادي، وسمح لنا بتوفر فائض من الأغذية، أو هكذا كنا نقنع الشيوعيين ونحن نحمل إليهم كل يوم عددًا من أكياس الخبز، وجرادل العدس والفول وبعض الفاكهة، تسلم عند خطوط الهدنة بالتساوي، بين مندوب الحزب الشيوعي المصري وحزب «حدتو»، لكي يقوما بدورهما بالتوزيع على زملائهما داخل مواقع عملهم.
وكنا نصدر بذلك عن وعي بطبيعة ديننا الرحيم، وعن علمنا بواقعة مد الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- أبي سفیان بمبلغ من المال، لتوزيعه على فقراء قريش، عندما أصابتهم مجاعة وهم على شركهم، وبرغم استمرار القتال بينهم وبين المسلمين.
والحزبان الشيوعيان يتفقان في الهدف ويختلفان في الوسائل، فالأول يرى عدم مهادنة النظام التزامًا بثورية النظرية، حتى تتحقق الثورة الشاملة والتغيير الكامل، وحزب حدتو «أي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني« يرى التدرج في الوسائل والاستفادة من الأساليب الديمقراطية، والتسلل الهادئ إلى المراكز القيادية في الدولة، حتى يصلوا إلى أهدافهم بأقل الخسائر.. وكلٌّ منهما يرمي الآخر بشتى التهم التي تتراوح بين التخريب والعمالة..
وكان يجمعهما العلاقة الطيبة معنا، بحكم تزويدنا الدائم لهم بالمساعدات الاقتصادية، وحل مشاكلهم مع بعض الحراس من مواقع كوننا «سوابق»، في فن المعاملة للإدارات، حتى إنه كثيرًا ما كانت تقوم السلطة العليا بتغيير إدارة السجن، بدعوى أننا نجحنا في التسلط عليها.
وشيئًا فشيئًا أخذت الرقابة تخف، وأخذت اللقاءات تتسع، وأخذ الحراس يندمجون معنا كلما أمنوا مرور أحد الضباط، وأصبحت فترة القيلولة التي يسمح لنا فيها بتناول الغداء، فرصة ذهبية للندوات الخفيفة، ولم تلبث فترات الراحة أن طالت، والعمل أن توزع على فرق بعضها يعمل وبعضها يستريح.. وكان ذلك كله من مصلحة اجتماعاتنا الموسعة، التي حرصنا فيها على أن تكون جامعة لكل الاتجاهات الحزبية، حتى يسهل كشف الحقيقة دون التواطؤ عليها ليقيننا أنه يستحيل على هذين الحزبين أن يلتقيا على اعتقاد، بل كان كل منهما يسارع إلى كشف ما عند الآخر في شتى المجالات.. وهكذا ولدت فكرة الندوات الفكرية في جو ودي للغاية، وزدنا الأمر إحكامًا بعمل ضوابط وضمانات لاستمرار الحوار، بعيدًا عن كل عوامل الإثارة والتلبيس والتشنجات، حتى نصل إلى الحقيقة سافرة بلا معوقات.. وقد سارت الندوات بالفعل في الطريق السليم، الذي نعتبره مثلًا يحتذى لكل مختلفين في العقائد، إذا صدقت النوايا وبعدت الأغراض السياسية عنها وخلت من الجهالة والأهواء.
وهيهات أن يظفر بذلك في خضم الحياة.. وقد كانت النتيجة متكافئة بالفعل مع هذه المقدمات السليمة.. حسبما سنرى في العدد القادم إن شاء الله من طريقة سير الحوار، ومما خرجنا به من دروس، يهمني توضيحها قبل البدء في تناول جوانب الموضوع...