العنوان بلا حدود: حوار مع ديبلوماسي غربي «1من 2»
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 62
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
تفرض طبيعة العمل الصحفي علينا لقاءات نسعى لها ولقاءات يسعى أصحابها إلينا منها ما ينشر ومنها ما يكون للعلم وإدراك ما وراء الأحداث التي يتداولها عامة الناس، ولذلك كثيرًا ما نسمع ممن يتحدث إلينا عبارة هذا ليس للنشر، بعضهم يقولها ليؤكد على النشر، وبعضهم يقولها وهو يقصدها، وتكفي نبرة الحديث والمتحدث لتدلل على ما يقصده هذا وما يريده ذلك ونظرا لأني كنت المسئول ولست السائل في هذا الحُوَار الذي دار مع أحد الديبلوماسيين الغربيين لذلك لم أتردد في نشره لأن ما طرحه من تساؤلات إنما كانت تعكس بالدرجة الأولى طبيعة الاهتمام الغربي بالصحوة الإسلامية في هذه المرحلة، وطبيعة النظرة الفوقية التي لا زال الغرب ينظر بها إلينا، ويحاول أن يفرض علينا من خلالها التبعية والانسياق بصمت وراء ما يخطط لنا، وما علينا إلا أن ننفذ دون أن ترفع رؤوسنا أو نعترض مجرد اعتراض حتى لو كانت هذه المخططات تستهدف محو هويتنا، والتطاول على ديننا، وانتهاك أعراضنا، وذبح أبنائنا وسلب ديارنا وأرضنا، كما أن طرحه كان يحمل كثيرا من المفاهيم المغلوطة عن الإسلاميين ونظرتهم للغربيين.
لذلك فقد بدأ حديثه مبتسما وقال وهو يتحدث العربية بلكنة مصرية: إني أتابع جيدا كتاباتكم عن الغرب، لكني ألاحظ أنكم غير منصفين لنا وتهاجمون الغرب دائما فلماذا يقف الإسلاميون منا هذا الموقف؟ قلت له: إنّما ذكرته لا يدل على إنك تتابع ما نكتب جيدا لأننا لا نهاجم الغرب كما ذكرت ولكننا ندفع هجومكم علينا، ونرد كيدكم لنا، وعدم إنصافكم لقضايانا ونظرتكم الفوقية لشعوبنا، وتجاهلكم لتاريخنا، واستهانتكم بديننا، وانحيازكم إلى أعدائنا، وصمتكم عن جرائم الضرب ضد إخواننا في البوسنة وجرائم اليهود ضد إخواننا في فلسطين، ودعمكم لسيطرة اليهود على فلسطين وطرد أبنائها منها واستنزافكم لخيرات بلادنا، وحجبكم للعلم والتكنولوجيا عن أقطارنا بعدما أقمتموها على جهود أجدادنا، وسعيكم الدؤوب لكي نظل تابعين خاضعين خانعين لإرادتكم وما تفرضونه علينا وعلى حكوماتنا، ودعمكم لكل من يتطاول على ديننا، واستقبال رؤساء دولكم لهم وحماية وسائل أمنكم لهم وترويج وسائل إعلامكم لأفكارهم وسمومهم على أنها هي حرية الفكر ونضوج العقل.
أین کان سلمان رشدي قبل أن يكتب آياته الشيطانية، وما الذي يحدو برئيس الوزراء البريطاني كي يستقبله، وبفرنسا لترحب به على أرضها، وبالرئيس كلينتون حتى يترك قضايا العالم ويتحدى مشاعر مليار مسلم ويلتقي به في البيت الأبيض وأين كانت الطبيبة الفاشلة والكاتبة البنغالية المبتدئة نسرين تسليمة قبل أن تتطاول على ديننا وتحولها وسائل إعلامكم إلى بطلة وما الذي دفع مارجرينا إجلاس وزيرة خارجية النرويج- لاستقبالها رسميًّا في مطار أستوكهولم، وترحيب النرويج رسميا بها متحدية مشاعر المسلمين ومستهينة بدينهم أليس ذلك هجوما فاضحا منكم على ديننا وإضافة إلى ذلك.. هل تقبل أن يأتي قوم من خارج بلادكم فيحتلون إحدى مقاطعاتها ويخرجون أهلها منها ويشردونهم ويعلنون عن قيام دولة خاصة بهم في هذه المقاطعة ويسعون للزحف على باقي بلادكم لاحتلالهم وهم يذيقون أهلها الهوان والبؤس والقتل والتشريد والسجون والمعتقلات، قال وهو يتراجع للوراء استنكارا لا.. لا نقبل هذا؟ قلت له: إذن فلماذا ترضون بهذا لنا، ولماذا جمعتم شتات اليهود من أنحاء الأرض وأقمتم لهم دولة على أطلال فلسطين فشردوا أهلها، وسلبوا خيراتها، واعتدوا على جيرانها، ويسعون كل يوم في الأرض فسادا دون أن تعترضوا على تصرفاتهم مثل اعتراضكم على من يفكر في احتلال بلادكم وتشريد أهلكم فإذا كتبنا وتحدثنا ورفعنا أصواتنا في هذه القضايا لنطالب برفع الظلم عنا وعن المسلمين وفنَّدنا ادعاءاتكم وهجوم وسائل إعلامكم وتجاهل المسئولين في بلادكم واستهانتهم بنا وبشعوبنا وديننا وحضارتنا تعتبرون هذا هجومًا عليكم... هل تنكرون علينا حتى مجرد الصراخ من الألم وتريدون منا أن ننتظر دورنا في الذبح بصمت واستكانة مثل النعاج.
إننا لا نكتب إلا الحقائق، ولا ندعي إلا الحق، ولا نرصد إلا ما تقومون به ولا نستشهد إلا بتصريحات المسئولين في بلادكم، كما أن سياسات حكوماتكم تؤكد تلك، وتطاول وسائل إعلامكم علينا وعلى ديننا قائم بالليل والنهار بعدما وضعتم الإسلام هدفكم بعد سقوط الشيوعية، إننا نتحدى أن تثبتوا أننا نهاجمكم ولكننا نؤكد على أننا ندفع هجومكم الشامل علينا وعلى ديننا، لأن الإسلام ليس دين إرهاب وباطل كما تصورونه وتصوره وسائل إعلامكم وإننا نلتزم أخلاق ديننا حينما نتعامل معكم رغم كل ما فعلتموه وتفعلوه بناء وكل ما نطالبكم به هو الإنصاف والعدل حينما تنظرون إلى قضايانا، والاحترام والتوقير حينما تتعرضون إلى ديننا، وحق الحرية والحياة حينما تنظرون إلى شعوبنا، وأن تخرجوا من نطاق نظرتكم الفوقية والاستعمارية إلينا، وأن تعلموا أننا أصحاب حضارة عريقة ودين قويم، وأن مراهناتكم على بعض الأشخاص الذين يدعمون سياستكم تجاه بلادنا هي مراهنة خاسرة لأن الشعوب تزداد بسياستكم القائمة تجاهنا عداء لكم وكراهية لأنظمتكم والتاريخ يسجل والشعوب هي التي ستقول كلمتها في النهاية والأيام دول وقد دانت الدنيا لنا من قبل فوصلت جيوش المسلمين إلى أبواب باريس، وإلى أسوار فيينا، وساست الدولة الإسلامية شعوب الدنيا بالعمل فدخل الناس في دين الله أفواجا، وحينما اختل الميزان لدى سلاطين المسلمين انحسرت الإمبراطورية العثمانية الإسلامية وسقطت الخلافة، ومرق العالم الإسلامي على أيديكم مرتين في أعقاب الحربين العالميتين وجئتم باليهود من أقطار الدنيا فأقاموا دولتهم على السلب والنهب والإرهاب تحت رعايتكم فإذا تحدثنا عن هذه الحقائق التي لا تستطيعون إنكارها، والتي سجلها التاريخ ويؤكدها الواقع اتهمتمونا بأننا نهاجمكم.
اعتدل محدثي في جلسته كأنما يتفادى وابل الكلمات التي خرجت منِّي دون إعداد، وقال وهو يهدئني... البقية في الأسبوع القادم .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل