; حوار من شاب (5) اترك الأمر لهما | مجلة المجتمع

العنوان حوار من شاب (5) اترك الأمر لهما

الكاتب د. إيمان الشوبكي

تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016

مشاهدات 62

نشر في العدد 2097

نشر في الصفحة 78

الجمعة 01-يوليو-2016

تنمية ذاتية

دموع الرجال غالية لكنها مخلصة حينما تنزل لمواقف ليست بالهينة

من اختار أن يكون أباً عليه تحمل تبعات ذلك ومن نصَّب نفسه قائداً عليه الحفاظ على خُلق القائد

الحياة مليئة بالمشكلات والعقبات وهو ما يجعل الإنسان يفقد صوابه في بعض المواقف لكن عليه تدارك الأمر وسرعة الرجوع

في آخر اليوم والكل متسارع في الذهاب إلى منازلهم ومن فصولهم ومكاتبهم منتشرين كخلية النحل على سياراتهم وأعمالهم، كل يعرف ماذا يفعل، إلا هو متباطئ في لمِّ أغراضه ومتعلقاته، ثم مكث قليلاً شارداً بكتبه وجسده الذي أنهكه التفكير في الجلوس مرة أخرى على الكرسي أمام الطاولة، التقطته عيناي فرجعت إليه: 

أحمد، السلام عليكم، ما بك؟ ألم تذهب؟ 

أحمد: وعليكم السلام، نعم نعم سأذهب. 

قلت: ستذهب إلى أين؟

أحمد: إلى أين؟ الناس كلها تذهب إلى بيوتها أو أعمالها! 

قلت: وأنت من أي نوع؟

قال: حتماً هذا أو ذاك. 

قلت: ما بك؟ 

قال: لا شيء. 

قلت: لماذا تتباطأ هكذا؟

انهار باكياً. 

أدركت أن الأمر يحتاج إلى وجود وسيط آخر معي، وقبل أن أستفهم منه عن تفاصيل المشكلة، أخرجت الهاتف متصلة على أحد الزملاء المرشدين الطلابيين والاختصاصيين الاجتماعيين أستدعيه قبل الانطلاق بعيداً عن المدرسة. 

قلت: السلام عليكم أستاذ خالد.

رد قائلاً: وعليكم السلام، أهلاً يا دكتورة. 

قلت: هل ذهبت من المدرسة؟

قال: في سيارتي الآن. 

قلت: تلطفاً منك ممكن أن تنتظر دقائق معي طالب حالته قد تحتاج إلى معاونتك.

قال: كما تريدين، لكن لا تطيلين، فورائي ارتباطات أخرى. 

قلت: إن شاء الله لن أطيل، ونحن هنا لأن الطالب حالته صعبة فيما يبدو. 

قال: دقائق وأكون عندكما. 

أغلقت الخط وأعطيت أحمد منديلاً يكفكف به ما نزل من دموعه.

قائلة: دموع الرجال غالية لكنها مخلصة حينما تنزل لمواقف ليست بالهينة، خاصة أنك شهم كما أعرف عنك، فما بك يا ابني؟

أحمد: تركت البيت من الصباح ولا أدري أين أذهب؟

قلت: ما الذي جعلك وأنت الشاب الأريب أن تفعل ذلك؟

قال: أشياء كثيرة في المنزل. 

قلت: واضح أن المشكلات تلك ليست وليدة اليوم، فما الذي حدث؟

أحمد: مشادة بيني وبين أبي. 

قلت: لدرجة أن تترك البيت؟

أحمد: نعم.

قلت: ثمة شيء لا تريد الإفصاح عنه ولك ذلك، لكنني أريد مساعدتك.

حاول ضبط نفسه متماسكاً، لكنه انهار باكياً مرة أخرى. 

دخل الأستاذ خالد مسرعاً على صوته: أحمد، ما بك؟

ثم هرع عليه محاولاً احتضانه وربت على كتفه وظهره حتى هدأ ثم قال: الإنسان حينما تعتريه وعكة نفسية قد تغلبه دموعه فلا ضير، كل منا يضعف أحياناً، ثم يرجع ويتماسك، لا عليك، أفرغ ما بنفسك كي ترتاح. 

كفكف دموعه وتماسك قائلاً: أشكركما، لا أريد أن أعطِّل أعمالكما أكثر من هذا وهمَّ ماشياً. 

فقلت: لا، لن نبرح حتى نعرف إلى أين ستذهب؟

قال الأستاذ خالد: سنتركك حتماً وكل منا سيذهب، ولكن لن نجبرك على الحديث في أمورك الشخصية إلا أننا نريد الاطمئنان عليك فحسب، فأنت شاب واعد ولا خوف عليك من أي صدمات. 

قال أحمد: كل الصدمات تهون إلا أن ينهار رمز في حياتك.

الأستاذ خالد: الرموز في حياتنا بشر، والبشر يصيبون ويخطئون، ليسوا ملائكة معصومين. 

أحمد: لكن من اختار أن يكون أباً عليه تحمل تبعات ذلك، ومن نصَّب نفسه رمزاً أو قائداً عليه الحفاظ على سمت الرمز وخلق القائد.

قلت: أبوك؟ 

أحمد محاولاً إمساك الكلمات: أبي أمس مد يده على أمي وضربها.

قلت: أول مرة؟ 

قال أحمد والمرارة في حلقه: نعم، لأول مرة أرى أبي يمد يده مهيناً أمي، أمي التي تعاملنا جميعاً بحنان وود، وأبي قائد البيت ومديره.

الأستاذ خالد: وهل تدخلت بينهما محاولاً فصل المشكلة؟ 

أحمد: وهذا ما سبَّب المشكلة الثانية لي. 

قلت: ما علاقة أبيك بأمك في الأصل بغض النظر عن هذه المشكلة؟

أحمد: ممتازة جداً، أبي رجل رغم عصبيته معنا إلى حد ما فإنه مع أمي على وفاق والحمد لله، لا أرى منهما غير كل تناغم، صدمتي فيهما كثيرة جداً جداً، لا أتخيل أن أرى أمي حبيبة البيت كله وليس أنا فقط تهان ويصفعها على وجهها محاولاً إبعادها، فوقعت على الأرض، فهممتُ محاولاً تدارك الموقف، ولم أكن حاضراً الموقف من بدايته، دخلت البيت على صوت عالٍ حتى وجدته صفعها وأوقعها.

الأستاذ خالد: وماذا جرى لك؟

أحمد: حاولتُ الإمساك بيديه عنها، فدفعني بعصبية شديدة، فصدمت بما فعله بي وبها ووصوله لهذه الحالة. 

قلت: لا أبرر له، لكن أنت بنفسك قلت: صدمت من فعلته ووصوله لهذه الحالة ولأول مرة.

أحمد: نعم، وهذا ما جعلني في حزن شديد، ودفعني لأن أسأله بحدة: لماذا تفعل هذا يا أبي بأمي؟ فانفعل أكثر وطردني وخرجت من البيت. 

قلت: وأين بتَّ ليلتك؟

أحمد: خرجتُ لا أدري أين سأذهب ولا أريد إعلام أحد من أقاربنا. 

قلت: أحسنت وأصبت في تصرفك. 

الأستاذ خالد: لكن أين ذهبت؟ وماذا حدث؟

أحمد: بعد فترة ليست بطويلة في الشارع حائراً اتصلت أختي لتطمئن عليَّ، واتفقتْ معي أن تدخلني البيت بهدوء لأبيت فيه ثم أخرج فجراً مسرعاً. 

قلت: وماذا أنت فاعل الآن؟ 

أحمد: لا أدري؟

الأستاذ خالد: وماذا عن أبيك وأمك؟

أحمد: لا أدري أيضاً؟

قلت: عليك الرجوع للبيت فوراً. 

الأستاذ خالد: نعم، ودَعْ ما بين أمك وأبيك لهما هما كفيلان به.

قلت: نعم، رغم سوء ما حدث، فإن الحياة مليئة بالمشكلات والعقبات يا ابني ما يجعل الإنسان قد يفقد صوابه في بعض المواقف، وأنت تقول: إنها أول مرة، فلعل ما به دفعه لهذا. 

الأستاذ خالد: وقد يندم الأب أو الزوج على انفعال وتصرف، إلا أن شدة عتاب من حولك قد يجعلك لا ترى صوابك لأنك تندفع للتبرير أكثر من التصحيح. 

وإذا بهاتف أحمد يرن، نظر به واندهش وهمَّ واقفاً هلعاً قائلاً: هذا أبي. 

قلنا: ردْ، فردَّ سريعاً، شعور أب تأخر ابنه فقلق عليه. 

فرد أحمد: نعم يا أبي، نعم نعم بالمدرسة، ما زالت، ثم صمت قليلاً وانشرح وجهه وارتاح ثم قال: حاضر، حاضر يا أبي. 

أغلق الهاتف وقال مرتاح النفس: أبي من قال لأختي أن تفعل ذلك، والآن طلب مني أن أرجع البيت حتى يشرح لي ما حدث، بعد أن اعتذر لأمي طالباً أخذ رأيي في كيف يعوض أمي عما حدث لها منه نادماً. 

قلنا: أحسن أبوك وإن أخطأ في الأول، فكلنا معرضون للخطأ والغضب، بارك لك في أبيك وأمك. 

أحمد: نعم أمي تستحق كل خير، وأبي يحاول احتواءنا رغم مرارة كفاح الحياة.

وهمَّ متوجهاً نحو الباب متهللاً نحوي بالشكر الجزيل وسلامه الحار على أستاذ خالد شاكراً لنا، وودعنا وانصرف.>

الرابط المختصر :