العنوان حول العصر الراشدي
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 66
السبت 22-سبتمبر-2012
لدى الحديث عن الإنجازات الحضارية لعصر الراشدين، لابد من التأكيد على مسألة بالغة الأهمية، وهي أن هذا العصر، الذي يمثل استمرارًا للعصر النبوي، كان عصرًا تأسيسيًا على المستوى الحضاري، بمعنى أنه علي بالدرجة الأولى في ترتيب منظومة الشروط الإسلامية للفعل الحضاري، وتهيئة المناخ المناسب الذي يتيح قيام الحضارة ابتداء.
أما النمو والازدهار فهو يجيء في المرتبة التالية لأنه ينبني أساسًا على منظومة الشروط المرتبة سلفًا.. وقد تتأخر تشكل مفرداته وجزئياته بعض الوقت.. وبالتالي فإن على الدارس لهذه المرحلة ألا يتجاوز الأولويات بأن يعطي اهتمامه بالدرجة الأولى لهذه الجزئيات الحضارية التي قد تستغرقه تمامًا، وإنما عليه بدلًا من ذلك– تسليط الضوء على الشروط التي مكنت عصر الراشدين ومن قبله عصر الرسالة من تنفيذها في واقع الحياة.
وبما أن الإسلام هو نظام استخلافي عمراني، حيث أنيطت بالإنسان المسلم والجماعة المسلمة مهمة الاستخلاف في الأرض وإعمارها، ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55)
﴿ يَا قَوم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ﴾ (هود: 61)
فإن أي نشاط لتعزيز الوجود الإسلامي في العالم هو نشاط حضاري بالضرورة. فإن ما جئنا على سبيل المثال لتحليل النظام الإداري في العصر الراشدي، فإننا سنجد أنفسنا بإزاء نشاط خصب في نظم الدولة باتجاهاتها كافة، ويستطيع المرء أن يميز نمطين من الجزئيات التي تم تنفيذها في هذا المجال.
أما النمط الأول فيتمثل بالاقتباس عن الآخر: الفرس والبيزنطيين بالدرجة الأولى، والجماعات المنتشرة في المنطقة التي شملها الفتح والتي كانت تمثل امتداد لثقافات محلية سابقة.. بالدرجة الثانية. وقد دل هذا الاقتباس على جملة أمور، لكن أبرزها ولا ريب هو قدرة المسلمين وقيادتهم الراشدة على التعامل مع الآخر دونما أية عقد أو حساسيات، حيثما تطلب الأمر تعاملًا كهذا، ولاسيما في فترات التأسيس الأولى التي كانت الدولة منشغلة خلالها بالمهمات الأكثر إلحاحًا: القضاء على تحديات الردة والتنبؤ، وفتح العالم، وحيث لم تكن الدولة الجديدة لحظات تشكلها تلك تملك أجهزة ومؤسسات وحلقات إدارية تغطي المطلوب عبر تلك المراحل المبكرة.
أما النمط الآخر من الجزئيات الحضارية، فقد تشكل ابتداء، كاستجابة للحاجات الملحة للدولة الناشئة، واعتبر بمرور الوقت جهدًا إسلاميًا مستقلًا.
ولكن هذا لا يعني أنه حتى هاهنا ما كانت قنوات التفاعل مع الآخر تعمل عملها تعديلًا وإضافة وإغناء.
وفي الحالتين الاقتباس والإنشاء ابتداء كانت الجزئيات تبدأ بسيطة متواضعة، ثم ما تلبث بمرور الوقت وازدياد الحاجة، أن تنمو وتتسع وتزداد تعقيدًا، وقد تكون مؤسسة «الدواوين» واحدة من أفضل الشواهد على ذلك.
نخلص من هذا إلى أن نظام الحكم في العصر الراشدي، بأطره العامة وتأسيساته ومفرداته الإدارية، بروحه ونبضه وتوجهاته، كان حكمًا إسلاميًا، استجاب بنجاح لمقاصد الشريعة، وتمكن من تنزيلها على واقع الحياة، وعرف كيف يوظف الحلقات الإدارية للإعانة على هذا الهدف الأساس.
ولقد كان بمقدور المؤرخين والباحثين في كل عصر أن يجدوا هذا الملمح العميق في نسيج الحكم الراشدي، ليس فقط من خلال الإجراءات الإدارية التنفيذية، وإنما أيضًا من خلال الروح الشورية لتداول السلطة، وسلوكيات كبار مسؤولي الدولة، بدءًا من الخلفاء أنفسهم، رضي الله عنهم، وانتهاء بأصغر كاتب أو موظف، تلك السلوكيات التي أثارت الدهشة، ولا تزال - بتألقها، وقدرتها الفريدة على تنفيذ مطالب العقيدة ومقاصد الشريعة بما يؤكد قدرة هذا الدين على التحقق في واقع الحياة، والتعبير عن نفسه على مستوى الفعل والممارسة.
ويستطيع المرء بغير ما عناء، أن يجد نفسه قبالة كثافة ملحوظة في المرويات التاريخية بهذا الخصوص، ولن يتسع المجال في مقال كهذا لاستقصائها وإيرادها، فهي تكاد أن تكون معروفة للجميع.