العنوان حول ثقافة المقاومة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 2021
نشر في الصفحة 66
السبت 29-سبتمبر-2012
كثرت التحديات التي تواجه الأمة كمًا ونوعًا، وتجاوزت وضوحها وبساطتها الأولى، فازدادت تعقيدًا وتركيبًا، ومضت لكي تغطي مفاصل الحياة الإسلامية كافة؛ البيت والشارع والمدرسة والمؤسسة، وسائر مفردات المكون الثقافي والاجتماعي والسلوكي للمجتمع المسلم.
وتقف العولمة، بقدراتها الأسطورية على الاختراق، على رأس القائمة في سلسلة التحديات الجديدة من حيث كونها تنطوي على سرعة فائقة في الوصول إلى الآخر، وعلى امتدادها إلى سائر مناحي الحياة.. إنه الأخطبوط ذو الأرجل السبع التي تمسك أو ستمسك برقبة عالم الإسلام إن لم يتخذ الإجراءات الوقائية الفاعلة لمجابهة المحذور.. والمحذور هو ضياع ثقافة الأمة، وغياب هويتها، وخسرانها لدورها الكبير الذي أريد لها في الأرض.
ومع العولمة، نظام عالمي جديد ذو قطبية أحادية تريد لثقافتها أن تسود العالم، وأن تقتلع من الجذور سائر الثقافات الأخرى، تسندها وتشجعها على المضي إلى أهدافها تنظيرات الفلاسفة وكتابات المفكرين والمؤرخين، وليست أقلها بطبيعة الحال نظرية «نهاية التاريخ» لـ «فرنسيس فوكوياما»، و «صراع الحضارات» لـ «صموئيل هنتنكتن».
ومن وراء التنظيرات والكتابات رؤية «هوبزية» تعتمد منطوق القوة المجردة لتحقيق كلمة الدولة الغالبة في الأرض، بعيدًا عن منظومة القيم الخلقية والدينية والإنسانية.
ومع هذا وذاك خلفيات الإنجيلية الجديدة بأدبياتها المتراكمة التي تجعل من الإسلام والثقافة الإسلامية هدفها الأول.
تحديات عاتية ومركبة وشديدة التعقيد، وضعتنا عبر العقدين الأخيرين في منطقة انخفاض الضغط الذي يحمل الاستعداد المكشوف لاستقبال الأعاصير.
وإزاء ذلك كله، وبالإيجاز المطلوب في مقال كهذا، فإن على الأمة الإسلامية وقياداتها الفكرية أن تنتبه للأمر جيدًا، وأن تخطط لواحدة من أكثر الفعاليات الثقافية قدرة على التشكل والصيرورة والعمل، وإلا فهو الضياع المحتوم.
وإذا كانت الخسائر السياسية والعسكرية، وحتى الاقتصادية، تتحرك على السطح، فإن الخسارة الثقافية تمضي إلى العمق، إلى المكون الأساسي للأمة عقيدة وفكرًا وسلوكًا ورؤية متفردة للحياة والوجود، فتأتي عليها، حيث يصعب بعدها استعادة مكانتنا في العالم ودورنا في الأرض، ذلك الذي أراده لنا هذا الدين منذ اللحظة الأولى حيث قال الله تعالى : ﴿ وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمْ أَمَةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكونَ الرَسُولَ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ ( البقرة : ١٤٣ ).
والبداية دائمًا هي في تحصين الذات، في تشكيل منظومة ثقافية تتخذ من المقاومة هدفًا مركزيًا.
في اللحظات الراهنة ليس ثمة خيار، فإما أن نقاوم وإما أن نضيع، والمقاومة ليست حركة على السطح، بل هي جهد ثقافي يمضي إلى كل مفاصل الحياة الإسلامية، فيمنحها الثقة بالذات، ويحصنها في الوقت نفسه إزاء كل عوامل التآكل والافتراس والدمار.
البيت والمدرسة والمؤسسة، العالم والمفكر والسياسي والأديب، الداعية والمعلم والخطيب، مدعوون جميعًا للمشاركة الفاعلة في بناء ثقافة المقاومة، كل في الثغر الذي يقف فيه.
فإذا ما تحقق ذلك بالجهد الصعب بطبيعة الحال، والذي ستستنفر له طاقات الأمة الفاعلة كافة، كان لنا أن نمضي خطوة أبعد.. أن نمارس نحن مهمة اختراق الآخر أن نبدأ نحن مسلسل التحدي، وأن نأخذ زمام المبادرة بما منحنا الله تعالى إياه من عقيدة فاعلة، وموقع متميز في الأرض، ووفرة أسطورية في المعادن والكنوز، وكثافة متزايدة في الديموجرافيا.
وهو ليس حلمًا، أو أماني نسلي بها أنفسنا، ولكنه الأمر الواقع الذي تتطلبه الأمانة العقدية التي أنيطت بنا، جنبًا إلى جنب مع حاجة البشرية الملحة إلى الخلاص.
إن المشكلة كونية، كما يقول «رجاء جارودي» يرحمه الله، ولابد للجواب أن يكون كونيًا، والإسلام هو هذا الجواب.
ولنتذكر دائمًا المبدأ الذي تؤكده قوانين الحركة التاريخية كافة: فإما أن نعبر نحن إليهم بعقيدتنا وفكرنا ومشروعنا الحضاري، وإما أن يعبروا هم إلينا.
وليس ثمة حالة وسط بين هذا وذاك.