; حول جاهلية العرب | مجلة المجتمع

العنوان حول جاهلية العرب

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010

مشاهدات 67

نشر في العدد 1886

نشر في الصفحة 66

السبت 23-يناير-2010

 كثر الأخذ والرد في وصف حالة العرب الحضارية قبل الإسلام، فبعضهم يسمي ذلك العصر «عصر الجاهلية»، وبعضهم الآخر يدفعه رد الفعل إلى إلغاء هذه الصفة عنهم واعتبارهم أمة متحضرة في سياقات الحياة كافة.

وتجاوزًا للأفعال التي قد تكون خاطئة وقد تنطوي على تعميم غير مقبول، ولردود الأفعال التي تندفع في الاتجاه المضاد فتقع في مظنة الخطأ هي الأخرى. يمكن أن نرجع إلى كتاب الله الذي يضع الأمور دائما في نصابها الحق، والذي يتجاوز - بعلم الله سبحانه - الرؤية الأحادية، ويدير المنظور على الحالة من أطرافها كافة فيتحقق بالشمولية والموضوعية معًا.

 فلطالما حدثنا القرآن الكريم عن التقدم العمراني المدهش للعرب قبل الإسلام، في هذه البيئة أو تلك من بيئاتهم المنتشرة في جزيرة العرب وعلى أطرافها، ويكفي

أن نقرأ في سورة الشعراء هذه المقاطع: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (الشعراء:128-129) ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (الشعراء: 146-149)

ومع التقدم العمراني حركة اقتصادية زراعية وتجارية بلغت شأوًا بعيدًا، فيما يمكن أن نجد جانباً منه في سورة الشعراء كذلك وفي غيرها من السور، من مثل سورة قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش).

ولكن هذا كله لم يمنع من اتهام العرب بالجاهلية وذلك في واحدة من أكثر الحلقات الحضارية أهمية بل هي أساس الفعل الحضاري وعامله الفاعل، تلك هي العقيدة، أو التصور الديني للخالق والكون والحياة، والمغزى الوجود البشري في العالم، ومصائره ومقدراته حيث مه كان العرب في الدرك الأسفل، والجاهلية الجهلاء، وكانوا بأمس الحاجة إلى ثورة دينية انقلابية تنقذهم من الحفر الضيقة التي كانوا يتخبطون فيها، وتخرجهم من الظلمات إلى النور. 

ولقد كان مجيء الإسلام هو هذه الثورة الانقلابية التي صنعت المعجزة، وأخرجت العرب من جاهليتهم إلى التحضر بمفهومه الشامل، ومن ظلمات الشرك إلى أفق التوحيد.

هاهنا أيضًا نجد القرآن الكريم يخصص مساحات واسعة لتقديم عرض وصفي لما كان العرب عليه في جاهليتهم تلك، وينتشر الحديث عن الظاهرة في النص القرآني من بدئه حتى منتهاه.... ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ﴾ (آل عمران: ١٥٤)، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50). ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ﴾ (الأحزاب: ۳۳)، ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ﴾ (الفتح : ٢٦).

 ويكفي أن نرجع إلى كتاب الأصنام، لابن الكلبي لكي نرى بأم أعيننا عشرات الشواهد، بل مئاتها، على هذا الدرك الأسفل الذي كان العرب يتخبطون فيه.

 إن القرآن الكريم وهو يتحدث عن الوضع العربي قبل الإسلام لا يقف عند حدود الجانب المدني من الحياة، بل هو يوسع المنظور باتجاه الجانب العقدي والفكري.. وفي ضوء ذلك سيتبين لكل ذي عينين كم كان العرب متخلفين رغم تقدمهم في الأنشطة الزراعية والتجارية وتفوقهم في قول الشعر وفنون العمران.

الرابط المختصر :