العنوان حول حديث الذبابة
الكاتب عبدالله عبدالرحمن الشتري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
مشاهدات 61
نشر في العدد 833
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
لقد ظهر في العصر الحالي أناس، تتلمذوا على أيدي اليهود والنصارى فساءهم كما ساء أسيادهم سلامة الإسلام وصفائه فشوهوا الإسلام في نفوس المسلمين وسعوا في خلعهم وتخليهم عنه، وكان من هذه الحملة الشرسة المسعورة على الإسلام، إحياء فكرة إنكار السنة، وكان من جملة هذا الهجوم الشرس على السنة أن خص الصحيحان بالهجوم فظهرت مقالات وكتب وبحوث في ذلك وكلها بأقلام سامة ونفوس مريضة ومن هذه الأحاديث التي طعن بها المغرضون والمعاصرون وجعلوها مثالًا للطعن بالسنة وعدم تثبت الحفاظ والمحدثين ذلك الحديث ألا وهو حديث «الذبابة».
نص الحديث:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء».
الكلام عن الحديث:
هذا الحديث مروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين بروايات مختلفة.
ذكر في كثير من كتب الصحاح منها على سبيل الخصوص:
البخاري، أبو داود، النسائي، ابن ماجة، أحمد.
وقد قرر علماء الحديث أن أعلى درجات الحديث الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم.
شبهات المستشرقين وغيرهم على هذا الحديث:
لا شك أن الشبهات التي يقذف بها بعض أعداء الأمة أو المشككون منهم إنما تهدف أولًا إلى الطعن في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الموثقة، وزرع بذور الشك والوهم عند المسلمين حتى انحرف البعض منهم وذهب يبحث عن مبررات وتفسيرات يدافع بها عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلًا من التأكد من أسانيدها وروايتها.
وقد طعن بعض المستشرقين والمغرضين في حديث «الذبابة» باعتبار أنهم لم يروا الشفاء الموجود في -الذباب- إنما الذي يرونه هو نقل الجراثيم والأمراض على حد زعمهم، وهذا مدخل من مداخل الطعن في السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه سلم وهذا الحديث المروي على أربعة من الصحابة والمدون في كتب السنة هو من أعلى درجات الصحة، لأن رواته من كبار الحفاظ الضابطين الثقات.
وهناك لفظ آخر للحديث «إذا سقط الذباب في الطعام فأملقوه فإن في أحد جناحيه سمًا، وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء».
الرد على المستشرقين:
إن الطعن في هذا الحديث الثابت هو طعن في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في السنة هو تعطيل لبعض أحكام الدين التي سكت عنها القرآن.
والحديث إذا ورد عن طريق صحيح ثابت يجب تصديقه وإن لم تكن النفوس قد ألفته واعتادت عليه، فقد تتوقف في أمره حتى ينكشف لها أمره أو يؤيده مؤيد، وهنا يجب التفريق بين المستحيل والمستغرب.
فالمستحيل يعود إلى أصل الشيء ونكرانه بينما المتسغرب يعود إلى ضعف الإنسان المتصور وعدم إدراكه وشتان بين الأمرين.
وهناك أمور كثيرة في الأديان السماوية تستغربها العقول ولا تستطيع أن تتصورها ولكن لا يجوز إنكارها لأنه كفر والعياذ بالله مثل الجنة والنار والصراط، وأحوال القبر والحشر... إلخ.
فإذا جاءت الأحاديث من طرق ثابتة تفيد القطع فيجب اعتقادها ولا يصح إنكارها لأن إنكار الحديث الصحيح الثابت كفر والعياذ بالله ولذا يجب التفريق بين ما يرفضه العقل ويحكم باستحالته وبين ما يستغربه وحكم العقل فيما يستغربه ناشئ من عدم القدرة على تصوره.
وها نحن نرى أن الكثير من الأمور التي كانت غامضة في الماضي، أصبحت مفهومة واضحة في العصر الحاضر.
وهذا واضح إذ كم من أمر جاء موافقًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بعد سنين أو مئات السنين فلو رجعنا إلى ما قبل ثلاثين عامًا ونظرنا إلى العالم الإسلامي وأحصينا كم كان عدد الذين يصدقون صعود الإنسان إلى القمر لعرفنا تطور العلم وتغير الحقائق وأنظار الناس تجاهها.
والعاقل المنصف إن اطلع على شيء مما لا يعرف لا يبادر إلى التكذيب ولا يسارع إلى الإنكار وإنما يقول هذا مما لا أعرفه، ويسأل عنه حتى يتبين له وجه الصواب والحق..
الحكمة مع جمع الداء والدواء في الذباب:
قد يسأل البعض كيف يمكن أن يجمع الذباب بين الشفاء والداء في آن واحد وهذا أمر ليس بالغريب.
فقد أجاب عنه ابن الجوزي في فتح الباري «10: 252» قال فيه إن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها، تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الأثمد لجلاء البصر» انتهى كلامه.
وقد ذكر ابن القيم الجوزية في كتابه الطب النبوي «1» ما في الذباب من داء وشفاء في آن واحد فقال:
«وأعلم أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم، والحكة العارضة عن لسعة وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه، تلقاه بسلاحه فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في جناحه الآخر من الشفاء فيغمس كله في الماء أو الطعام فيقابل تلك المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها»
وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم بل هو خارج.
أقوال الأطباء فيه قديمًا:
ذكر غير واحد من الأطباء «أن لسع الزنبو والعقرب إذا دلك موضعه، بالذباب نفع منه نفعًا بينًا وسكنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين، المسمى «شعرة» بعد قطع رؤوس الذباب: أبرأه» «2».
وقال أبو محمد المالقي: إن أخذ الذباب الكبير، فقطعت رأسها، وحك بجسدها الشعر التي في الجفن حكًا شديدًا أبرأته.
نشرت مجلة الأهرام بتاريخ 2/7/1952 مقالًا بعنوان «الحشرات المظلومة» جاء فيه ما يلي:
هناك حشرات ذات منافع طيبة. ذكر منها الذباب الأزرق حيث يستخرج مادة «الالانثوين» وهي مادة من «البرقات».
وتستخدم كمرهم تقتل البكتيريا.
وفي سنة 1947 تم عزل مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة، وجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم مثل «الدوسنتاريا، والتيفوثيد» فلا يستبعد القول بأن الذباب تلتهم الجراثيم فيكون في جسم الذباب الأجسام الضدية المبيدة للجراثيم، فإذا وقعت على الطعام فما علينا إلا أن نغمس الذبابة فيه فتخرج تلك الأجسام الضدية، فتبيد الجراثيم التي تنقلها، حيث إن مكان الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في برازها.
وهذا ثابت في جميع المراحل «البكتريولوجية».
كما يقرر ذلك الدكتور-محمود كمال- ومحمد عبد المنعم- في بحثهما الذي نشر في مجلة الأزهر عدد رجب 1378 المجلد الثلاثين.
أما الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية، والتي تقتل الجراثيم توجد على بطن الذبابة ولا تنطلق إلا بعد أن يلمسها السائل مما يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية، ويسبب انفجار الخلية واندفاع البذور، والسائل من فتحات أو حلقات بطن الذبابة وهذا البحث العلمي المنشور في مجلة الأزهر المشار إليه، يؤكد كون الذباب يحمل الجراثيم والأمراض وهو المعبر عنه في الحديث «وفي الآخر شفاء».
كما يدل على أن المضاد الحيوي لا يخرج من الذباب إلا بضغط الذباب نفسه وهذا الضغط كاف لتفجير الخلايا وخروج السائل ومعه البذور الحاملة للمضاد الحيوي.
وهذا الحديث فيه معجزتان للنبي صلى الله عليه وسلم.
المعجزة الأولى:
التي أثبتها هذا الحديث ولم تعرف إلا في العصور المتأخرة هي إثبات الداء والمرض في الذباب.
فهذا الحديث أثبت أن في الذباب داء وقد كان هذا الحدث العلمي الذي أخبر عنه هذا الحديث سابقًا للاكتشافات الحديثة له بمئات السنين.
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجود الداء في الذباب بقوله:
فإن في أحد جناحيه داء -وعبر صلى الله عليه وسلم- بالداء وهي عبارة عامة تتناسب مع مفهوم اللغة والعقل.
فيوم أن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجود الداء في الذباب لم يكن عندهم يومئذ «مكبرات أو مجهرات» كما هو الحال اليوم ولم يكن عندهم مختبرات تحليل ولا معامل اختبار حتى يكون صدور ذلك نتيجة خبرة وتجربة.
والرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن أخبر بوجود الداء في الذباب إنما أخبر بما منحه الله تعالى من التأييد بالوحي. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: 3-5).
المعجزة الثانية:
في هذا الحديث هي إثبات الشفاء في الذباب أو قل عنصر الشفاء «الدواء» أو المضاد فيه.
إن المسلمين الأولين قد أخذوا الحديث بالتصديق والإيمان من غير أن يعرفوا أن فيه داء ودواء.
إن الذباب ملوث بالجراثيم المرضية، ينقلها من المجاري والفضلات وبراز المرضى ومكان هذه الجراثيم يكون على أطراف أرجل الذباب وخراطيمها فإذا وقعت ذبابة على طعام أو في شراب فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية ففي هذه الحالة يكون الطعام والشراب قد تلوث بالجراثيم والميكروبات المرضية. والسؤال هنا ما موقف العاقل من هذا الأمر؟
لا شك سيكون الجواب من العاقل المنصف هو البحث عن وسيلة للقضاء على هذا الجرثوم فيكون الجواب ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم. فلقد دلنا على القضاء على هذه الجراثيم والميكروبات المرضية واستئصالها قبل أن تستفحل -وهو لا ينطق عن الهوى- وذلك بغمس الذباب في الطعام فيقضي المضاد الحيوي الذي يحمله الذباب على الجرثوم الذي يحمله الذباب أيضًا. وإن العاقل إذا تيقن بوجود خطر محقق وأتاه من يثق به، فأرشده إلى طريقة للخروج من هذا الخطر المحقق، لا يتلكأ في تطبيق ما أرشده إليه ما دام يثق به ويصدقه، بل يشكره على ذلك، ويكافئه ومن أصدق من الله قيلًا.
ومن أصدق من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا.
أم أن النفوس المريضة التي استعمرت فكريًا وعقليًا -وما زالت وما أكثرها في بلاد المسلمين- لا تصدق إلا بما جاء عمن استعمرها وانقادت له.
وأخيرًا هناك بحوث لجامعة الملك عبد العزيز بهذا الخصوص يشرف عليها الأستاذ الدكتور نبيه عبد الرحمن باعشن، وفريق من العلماء أثبتت هذه التقارير أن الذباب إذا وقع على الطعام أو الشراب ثم طار فإن الجراثيم التي يخلفها بعده على الطعام تتزايد وتتكاثر بينما إذا غمس الذباب في الطعام أو الشراب ثم أخرج، فإن الجراثيم التي يخلفها لا تبقى على حالها بل تبدأ بالانحسار والتناقص وهذا موافق للحديث الشريف وهذه التقارير مذكورة في كتاب الدكتور خليل إبراهيم ملا.
وختامًا:
فإن الأمر في الحديث إنما هو أمر إرشاد لا أمر وجوب والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر الآكل من الطعام والشارب من الشراب إذا وقعت فيه الذبابة أن يستمر في الطعام أو الشراب إنما أرشد صلى الله عليه وسلم من أراد أن يأكل من الطعام الذي وقعت فيه الذبابة أو الشراب أن يغمسه بعد وقوعه فيه حفاظًا على صحة الآكل والشارب من الأضرار فيها.
أما الذي لا يريد الأكل أو الشراب بألا تقبله نفسه من منظر الذباب إذا وقع في الطعام أو الشراب فلم يتطرق إليه الحديث وهذا واضح من لفظ الحديث.
واسأل الله تعالى أن يبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا وأن يهدينا إلى سواء السبيل والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
«1» الطب النبوي لابن القيم.
«2» المرجع السابق.
«3» عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري.
«4» كتاب حياة الحيوان الكبرى.
«5» كتاب تذكرة أولى الألباب والجامع للعجب العجاب.
«6» نيل الأوطار للشوكاني.
«7» وأخيرًا فقد اقتبست كثيرًا من كتاب الأصالة في صحة حديث الذبابة لمؤلفه الشيخ الدكتور «خليل إبراهيم ملا خاطر» الذي عالج موضوع حديث الذبابة بشمولية وتدقيق وأطنب في الحديث عنه فمن أراد المزيد فليرجع إليه.