العنوان حول مؤتمر أخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي في مصر
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
● عدم اهتمام الحكومة بالبحث العلمي دفع المراكز الخاصة للاعتماد على التمويل الأجنبي الذي تحوطه الشبهات.
ثلاث مسائل سيطرت على مناقشات وأبحاث مؤتمر «أخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي» الذي عقده المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة في الفترة من 16- 18/ 10/ 1995م، وحضره عدد كبير من أساتذة الجامعة والباحثين والخبراء بمراكز البحوث المختلفة.
المسألة الأولى: تبلورت حول موقف الجماعة الأكاديمية المصرية من أخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي، ومدى التزامها بتلك الأخلاقيات.
والمسألة الثانية: دارت حول موقف هذه الجماعة من «إنتاج»، و«استهلاك» العلم الاجتماعي، وإلى أي مدى استطاعة الجماعة الأكاديمية المصرية أن تطور العلوم الاجتماعية وتجعلها في خدمة قضايا التطور الإقتصادي، والسياسي، والاجتماعي لبلادنا.
أما المسألة الثالثة: فقد جاءت حول قضية التمويل الأجنبي لمراكز البحوث الخاصة، وما تقوم به من مشروعات بحثية شديدة التنوع والأهمية، بل والحساسية من منظور الأخلاقيات العلمية والأمن القومي في آن واحد.
لقد فرضت هذه المسائل نفسها على عروض الأبحاث التي قدمها المشاركون في المؤتمر وعلى المناقشات التي دارت حولها بصفة خاصة، بالرغم من تنوع وتعدد الموضوعات التي تناولها جدول أعمال المؤتمر، ومنها قضية الفساد وأثره في تدعيم الأوضاع الهيكلية للتجاوزات الأخلاقية، وحالة مؤسسات البحث الاجتماعي غير الحكومية، والمسؤولية الاجتماعية بين المستويين: الوطني والدولي، وسلبية العلاقة بين المعرفة والسلطة، وأحوال «الإنسان الأكاديمي» في مصر باحثًا، وأستاذًا، وعالمًا، وأنماط انتهاكات الأخلاق العلمية، وإشكالية الشرعية والتعددية والسعي لوضع ميثاق أخلاقي للجماعة الأكاديمية في مجال العلوم الاجتماعية بصفة عامة.
ولكننا سوف نركز في قرائتنا النقية لأعمال المؤتمر على المسائل الثلاث الرئيسية سالفة الذكر، نظرًا لأهميتها العلمية، وأهمية المقولات التي أثيرت بصدد، وإن كانت في مجملها تبعث على الابتئاس.
1- تدهور الأخلاقيات العلمية في الوسط الأكاديمي
كل أبحاث المؤتمر التي تناولت أخلاقيات الجماعة الأكاديمية المصرية وممارساتها في مجال البحث العلمي الاجتماعي، أكدت- بل أجمعت- على شيء واحد وهو تدهور الأخلاقيات ورداءة الممارسات بصورة مفزعة، إلى حد أنه لم يشذ رأي واحد عن هذا الإجماع لا في الأبحاث المكتوبة، ولا في المناقشات التي جرت حولها على مدى ثلاثة أيام.
ولم يكن من الممكن الحديث عن تدهور التزام الجماعة العلمية بأخلاقيات البحث الاجتماعي بمعزل عن التهدور الأخلاقي العام في المجتمع كله، وهو ما أشارت إليه بعض الأبحاث والمداخلات، وفي محاولة لتعليل هذه الظاهرة تحدث البعض عن التأثيرات السلبية لسياسة الخصخصة، وإعادة التكيف الهيكلي، وانتشار الفساد حتى صار هو القاعدة، وتحدث البعض الآخر عن غلبة العقلية التجارية على الصعيد المجتمعي، وسيادة قيم السوق وانعكاس هذا كله على الصعيد العلمي مصحوبًا بالتطلع إلى السلطة، ولو على حساب العلم والتراكم المعرفي الإيجابي.
وبالرغم من أهمية تلك الأسباب في تعليل تدهور الأخلاقيات والممارسات في الوسط الأكاديمي إلا أنها في مجملها أسباب تتعلق بأخلاقيات المهنة بالمعنى الذي تشير إلى كلمة «Ethics» أكثر من تعلقها بأخلاق أهل المهنة أنفسهم «الباحثين» بالمعنى الذي تشير إليه كلمة «Morals» وفي رأينا أنه لا يمكن الفصل بين هذين الجانبين مع أولوية الاخلاق العامة، وأسبقيتها على الأخلاق المهنية أو العلمية الخاصة، ولا تغني إحداهما عن الأخرى.
لقد أسهبت بعض الأبحاث في «وصف» حالة التدهور الأخلاقي في الوسط الأكاديمي وممارسات أعضائه، ولكن دون تحليل أو تفسير كاف، ومنها بحث السيد الحسيني- أستاذ الاجتماع بعين شمس- بعنوان «محاولة أولية للتشخيص والتنميط»، وبحث عزت حجازي- مستشار بالمركز القومي- عن «الفساد والأوضاع الهيكلية للتجاوزات الأخلاقية المهنية»، وبحث أحمد زايد- باحث اجتماعي- عن «المعرفة والسلطة» وما بينهما من تداخلات سلبية، ولكن لم يتطرق أحد- من هؤلاء أو من غيرهم- إلى البحث عن الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، ولم يحاول بحث واحد أن يحدد من المسؤول عن هذا التردي؟ ومن الذي يمارسه: هل هو جيل الأساتذة الكبار الآن؟ أم الجيل الوسيط؟ أم جيل شباب الباحثين؟ وأيهما أكثر مسؤولية: هل هي المؤسسات العلمية الحكومية؟ أم المؤسسات البحثية الخاصة الممولة- غالبًا- من الخارج؟ أم ماذا؟.
ومن الواضح أن هذه مناطق شائكة جدًّا، ولم يكن من السهل الدخول فيها، خاصة وأن أغلبية مقدمي الأبحاث في المؤتمر هم من جيل الأساتذة القدامى لا من جيل الشباب.
وإذا أضفنا إلى ما سبق أن بحثًا واحدًا فقط- من بين 26 بحثًا قدمت للمؤتمر- أشار إشارات عابرة إلى إمكانية الإفادة من تراثنا العربي والإسلامي في بناء نسق أخلاقي للعلوم في بلادنا، فإن النتيجة الأساسية التي نخرج بها من مناقشات وأبحاث المؤتمر حول هذه المسألة هي «أننا لسنا مجتمعًا منتجًا لأخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي، وليست لدينا جماعة علمية ملتزمة بما أنتجه الآخرون في هذا المجال من أخلاقيات.. وقد تكون هذه النتيجة غير صادقة، وخاصة في شقها الأول، ولكن لم يقل أحد بغير ذلك في هذا المؤتمر.
2- لسنا مجتمعًا منتجًا للعلم الاجتماعي
المسألة الثانية التي هيمنت على أوراق ومناقشات المؤتمر هي موقف الجماعة الأكاديمية من إنتاج واستهلاك العلم الاجتماعي، وبالرغم من أن هذه المسألة لم تكن مثارة بشكل مباشر، إلا أنها حظيت بالكثير من المداخلات، وكانت- في نظرنا- خلف الكثير من المقولات والنتائج التي ترددت في المؤتمر.
فمجمل نشاط المشتغلين بالعلوم الاجتماعية في بلادنا عبارة عن «مقاولات مستترة»، أو «مقاولات معلنة»، أو «غسيل الأبحاث العلمية» على حد تعبير د. محمود عودة- أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس، ويصف زميله د. عبد الباسط عبد المعطي هذا النشاط أيضًا بـ «الفهلوية الأكاديمية»، ويرى حلمي شعراوي- مدير مركز بحثي خاص- أن الجماعة المصرية «تعيش فقط مشروعًا متكاملًا للتبعية البنيوية، وليس الاستقلال البناء، وما يبدو من سلوكها في استهلاك الأفكار في إطار فلسفة السوق على كل الجبهات»، أما الأستاذ السيد ياسين- المدير السابق لمركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام- فقد أعلنها بصراحة وبشجاعة أن الأكاديميين المصريين يستهلكون العلم الاجتماعي ولا ينتجونه، وقال: «لسنا مجتمعًا منتجًا للعلم الاجتماعي»، ولما سئل عن السبب قال إنها «التنشئة العلمية الخطأ»، وحاولنا سؤاله عن المسؤول عن خطأ التنشئة الاجتماعية العلمية ولكنه راغ من الجواب.
إن هؤلاء الأساتذة الذين نقلنا آراء ومقولات بعضهم هم أنفسهم أول من يسأل عما وصلت إليه العلوم الاجتماعية في بلادنا- ولا يقلل هذا من احترامنا لهم- وبعضهم أمضى حتى الآن قرابة أربعين عامًا باحثًا وأستاذًا في مجال أو أكثر من مجالات هذه العلوم.
وإذا كان تقييمهم لمجمل أداء المشتغلين بالعلوم الاجتماعية سلبيًّا- وهذا صحيح في حد ذاته- فإن خطورة هذا التقييم تظهر واضحة إذا وضعناه في سياق ما وصلت إليه حالنا بعد قرابة مائة سنة من نشأة هذه العلوم فبلادنا، وفي سياق التطور الراهن في مدارس العلمية في هذا المجال على المستوى العالمي، والتي لا تزال جماعتنا الأكاديمية تلهث وراءها وقصارى ما تصبو إليه هو الترجمة والنقل والاستهلاك هذا بالإضافة إلى «العجز عن تطوير نسق أخلاقي» يحمك عملها اللعمي، كما يقول د. محود عودة.
والنتيجة الأساسية التي نؤكد عليها هنا أن العلوم الاجتماعية عندنا لا تزال بمنأى من التأثير الإيجابي في قرارات التطور الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا، هي أكثر بعدًا عن قيادة هذا التطور كجزء من المهمة التاريخية لهذه العلوم.
3- البحوث المشتركة والتمويل الأجنبي
نأتي إلى المسألة الثالثة وهي الخاصة بقضية التمويل الأجنبي ومدى الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي في حالة قبول هذا التمويل.
وقد دار جدل حاد حول هذه المسألة ولم تخل جلسة من جلسات المؤتمر من مناقشة ساخنة حولها، وإذا كنا قد لاحظنا إجماعًا في الرأي- أو شبه إجماع على الأقل- حول المسألتين السابقتين، فإن هذه المسألة قد أحدثت انقسامًا عميقًا بين المتجدلين، ما بين مؤيد للتمويل الأجنبي وقابل له، وما بين معارض لهذا الموقف تمامًا.
ولم تكن الحوارات التي دارت بهذا الخصوص جيدة بصفة عالمة، إذ غلب عليها تبادل الاتهامات، وأحيانًا الشتيمة أو ما يقرب منها، سباق محموم، حاول فيه كل فريق إدانة الفريق الآخر، واستعملت في هذا السياق «الوثائق» والأرقام، والاستعارات والكنايات، كما استخدمت ضمائر الغائب والمخاطب والمتكلم في الخطاب المتبادل بين الفريقين، وفتحت الملفات القديمة والجديدة، وفي النهاية انفض الجمع على غير وفاق بخصوص هذه القضية الشائكة.
لقد انحصرت وجهة نظر كل فريق- وحجته أيضًا- في زاوية واحدة غالبًا، فالمؤيدون للبحوث المشتركة والتمويل الأجنبي حجتهم أن الحكومة غير مكترثة بالبحث العلمي الاجتماعي، وتمويلها له لا يكاد يذكر، ثم إنها هي ذاتها تعتمد على التمويل الأجنبي في صورة منح وقروض وتسهيلات مختلفة لتحقيق برامجها وسياساتها، ومن ثم- كما يرى هذا الفريق- فلا تثريب على المراكز والمؤسسات العلمية- الخاصة والحكومية- إن هي اتبعت نفس السياسة بشرط أن تحتفظ بحريتها وتضطلع بمسؤوليتها الأخلاقية كاملة.
أما المعارضون فيرون أن التمويل الأجنبي هو أخطر أدوات الاختراق العلمي والثقافي لبلادنا، وأنه يخدم أهدافًا أجنبية أولًا وأخيرًا، حتى وإن تعارضت مع المصلحة الوطنية والأمن القومي، ومن ثم فلا يمكن الحديث عن أي أخلاقيات فجميعها عرضة للانتهاك.
والحقيقة أن هذا الجدل ليس جديدًا على الساحة المصرية، فالخلاف قائم حول هذا الموضوع منذ مطلع العقد الماضي، واللافت للنظر أن الاستقطاب يتزايد حول وجهتي النظر: التأييد والرفض للتمويل الأجنبي، ولم تطرح حتى الآن وجهة نظر معتبرة من منظور الاستقلال والاعتماد على النفس بعيدًا عن إغداق الجهات الأجنبية المغرضة، وشح السلطات الوطنية المقصودة، وفي رأينا أن البديل المستقل يكمن في «مؤسسة الأوقاف الإسلامية» التي اضطلعت تاريخيًّا بدور كبير في تمويل صناعة العلم ورعاية العلماء وطلابهم على مدى حقب طويلة، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى بحث مستقل.
وماذا بعد؟ توصيات وملاحظات
ما العمل إذا كانت أخلاقيات وممارسات الجماعة الأكاديمية في مجال العلوم الاجتماعية على هذا النحو الذي كشف عنه المؤتمر؟ لقد تم تخصيص الجلسة الأخيرة لمحاولة الإجابة على هذا السؤال بتقديم الاقتراحات، ومناقشة التوصيلات التي تقدم بها أعضاء المؤتمر في أبحاثهم ومناقشاتهم، وفي مقدمتها ضرورة صياغة ميثاق لأخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي بضبط سلوك الأكاديمي المصري، ولكن عدم وجود حد أدنى من الاتفاق حول مضمون هذا الميثاق وكيفية صياغته وإقراره، والعمل به بعد ذلك، جعل الاقتراحات والحوارات حولها تنتهي إلى حيث بدأت، بل وأثارت بعض المشروعات الأولية التي قدمها بعض المشاركين ردود فعل غاضبة، وهو ما حدث بالنسبة للمشروع الذي قدمه د. محمد السيد سعيد- نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية.
بقي أن نؤكد على أم مبادرة المركز القومي لعقد هذا المؤتمر تعتبر إنجازًا مهمًّا في حد ذاته، خاصة إذا استطاع المحافظة على قوة الدفع المتولدة عنه وما نجم عن ذلك من تحريك للمياة الراكدة في محيط أخلاقيات العلم والعلماء، وإذا كان هذا المؤتمر قد غاب عنه طرف رئسيي من أطراف الجماعة العلمية المصرية، وهو «الأزهر الشريف» بجامعته وأساتذته، فالمرجو ألا يتكرر هذا في المستقبل إثراءً للحوار وضمانًا لتحقيق قدر من التراضي العام بين مختلف أقسام وجماعات المشتغلين بالعلوم الاجتماعية في بلادنا.
(1 ) باحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر.