العنوان حول معجزة الانتفاضة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013
مشاهدات 69
نشر في العدد 2039
نشر في الصفحة 66
السبت 09-فبراير-2013
ابتداء.. فإن الانتفاضة الفلسطينية بصيغتها هذه. وبعمقها الزمني وبالنتائج النفسية والسياسية والاقتصادية والإعلامية التي تمخضت عنها ، تعد واحدة من الظواهر الفريدة في التاريخ.
إن انعدام التكافؤ شبه التام بين المحتل والمواطن يجعل الحدث مستحيلا.. ولكنه تحقق فعلا، وكان في الأسابيع والأشهر الأولى، بل ربما في السنوات المبكرة من اشتعاله، نقطة جذب مثيرة للدهشة والإعجاب لدى الخصوم والأصدقاء على السواء.
ومن أجل ألا تتعرض الظاهرة الفريدة هذه للتأكل من أجل ألا يذهب بريقها، ويتسطح مغزاها، وتفقد - بالتالي . قدرتها على الإثارة وشد الانتباه، فإن الحل الوحيد الممكن هو أن تتواصل، وأن تمد هذا التواصل الزمني بدفعات من التصعيد والانتشار في الأرض، وأن تشعل في عصب الظاهرة نار الإيمان والاستشهاد اللذين يستمدان مفرداتهما من التعامل الجاد مع هذا الدين.
لقد كان مفهوم التواصل، وتجاوز محنة اليأس، والخفوت والتآكل واحدة من التحذيرات التي ترددت في جنبات القرآن الكريم أكثر من مرة، وكانت تنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن عليه أن يواصل الطريق أن يستجيب للتحدي الذي قد يفوق قدراته بكثير، والذي قد لا يتمخض في حسابات الزمن المنظور عن نتيجة حاسمة، وأن عليه أن يصبر،﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد : ٤٠).
لقد كانت هذه واحدة من أشد نقاط الارتكاز في صراع النبوات ضد الطغيان، فإنها إذ منحت الحصانة ضد القهر والتراجع والإحباط مكنت الرسل عليهم الصلاة والسلام من مواصلة الجهد، ومن كسر القشرة الخارجية المعادلات التكافؤ غير العادل بين الغالب والمغلوب ويوم أن تقدر الانتفاضة على تجاوز تحديات الخصم والتي تكاد تبلغ اليوم مداها، فيما أسمته أمريكا مبدأ الأرض مقابل السلام... يوم أن تجد في هذا التحدي فرصة أشد إثارة وفاعلية لرفض شامل يوازي المحاولة، فإنها ستجد إستراتيجيتها الملائمة، أن تكون بحجم التحدي، أي أن تزداد تواصلا وانتشاراً وتصعيداً.
وحينذاك ستعرف كيف تتوجه بالخطاب إلى دائرتها العربية والإسلامية، لأنها الصيحة الأخيرة بمواجهة الاحتواء وستمنح في الوقت نفسه إغراء أكثر لدعمها بالعطاء المادي قد يأخذ صيغة منظومة من الإجراءات تبدأ بالعطاء الطوعي وتنتهي بترتيب مشاركة مادية زمنية ثابتة ومجردة، لكل من تهمه قضية فلسطين، والذي يعطي أكثر هو الذي يأخذ أكثر﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)﴾ (البقرة).
إن ما يسمى بسلطة الحكم المحلي ما هو إلا سراب خادع لن يأتي بنتيجة أو يتمخض عن شيء، ولسوف يتفكك بمرور الوقت، ويفقد القدرة على تقديم وعد جاد بغطاء للفلسطينيين يمنحهم الأمن والدولة، ويعيد القدس إليهم، ويرجع باللاجئين إلى ديارهم.
إنها مسائل وتحديات تكاد تكون مستحيلة، فما دامت السلطة نفسها من نتاج المكر الصهيوني، وما دام هؤلاء لا يريدون للدولة الفلسطينية أن تتحقق بأبسط المقومات وهي وحدة الأرض، ويرفضون رفضاً قاطعاً أن تكون القدس عاصمتها، وأن يؤذن للاجئين بحق العودة إلى ديارهم المغتصبة، فما الذي ستفعله إذن؟ وهل تستطيع ألف سنة من التوسل بهم، والتمسح بأعتابهم، والتنازل عن المزيد من الحقوق الثابتة، أن تجعلهم يتنازلون ولو شبرا واحدا عن ثوابتهم غير المشروعة هذه.. فما الذي ستفعله السلطة إذن؟
فليس ثمة غير الانتفاضة، واستمرارها في الأداء والتصعيد حتى يرغم العدو على قبول الحق الفلسطيني.. قصر الوقت أم طال.