العنوان حول موضوع "خطاب مفتوح لعلماء الدين والمثقفين".
الكاتب الشيخ عثمان صافي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1975
مشاهدات 71
نشر في العدد 254
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-يونيو-1975
حول موضوع
“خطاب مفتوح لعلماء الدين والمثقفين.. حول مهمة العلماء”
تسلمت منذ لحظات العدد (٢٤٥) من المجتمع، وفيها المقال الأسبوعي المعنون له على الصفحة الخارجية خطاب مفتوح إلى علماء الدين المثقفين إلى أي يوم تؤجلون كلمة الحق؟ واستلمنا العدد متأخرًا بسبب الأحداث عندنا
والمقال آثار شجونًا، واعاد ذكريات مرة، ونكأ جراحا نتهيب قول إنه لا يكاد يحس بها إلا ندرة من ذوي الأفئدة، ورسم الصورة المخيفة التي يعيشها المسلمون اليوم، ونعتذر لعدم المجاملة، فالمقال المذكور يبعث حرارة الإيمان عند من لا تزال عندهم إثارة منها.
فلقد عايشنا الجيل المعاصر الذي شهد الأحداث المتلاحقة، والعوامل التاريخية التي خلقت الظروف التي نعاني منها اليوم، وتتضح بأبرز صورها في الأزمة اللبنانية التي خص صدر الصفحة الأولى لها.
ولقد كنا نكتم فعلًا لكلمة الحق، على الرغم من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين للكاتمين.
ولكن نرجو أن لا يجعلنا من الساكتين طواعية، بل عن إكراه، ولم تمر مناسبة إلا وكنا نقول فيها ما يمكن ويباح قوله، فالألسن معقلة، والحلوق مخنوقة، والأقلام محتجزة إلا على المبطلين، وحتى أيامنا هذه التي تزعم فيها الحرية فإن الكلام لا يزال ممنوعًا إلا لغير المسلم أيًا كان انتماؤه، وإننا لننتهز الفرص لنقول كلمة حق بين الفينة والفينة، ولا تسمح بنشرها إلا المجتمع، وأمثالها، ويصور هذا الواقع التعليق الأسبوعي أصدق تعبير حيث يقول: يعبر الذين يتبعون الشهوات بحرية كاملة عن أمانيهم في الفسوق، وحبهم للعصيان، ويحرم المؤمنون أولياء الإسلام من تعبيرهم عن حبهم لله ولقرآنه وحكمه وعن أمانيهم في إقامة شريعة الله في الأرض.
والقضية التي عرضها المقال، هي من أخطر القضايا التي يعيشها الإنسان في واقعنا العربي وعالمنا الإسلامي وتنعكس تأثيراتها وتفاعلاتها على العالم أجمع ، هذا إن لم تكن أخطر قضية على الإطلاق. ونعود إلى ما يحدث عندنا في لبنان لنقول إن ما يجري هناك لا يعدو أن يكون نذرًا تنبئ بالمستقبل المظلم الذي تنتظره البشرية وليس لبنان وحسب أو المنطقة التي تحيط به، وبتفجرات لا قبل للعالم بأسره بها والإرهاصات تتوالى تترى، ولا تنحصر تلك الإرهاصات بما يبدو من احتمال الصدامات المادية التي قد تبلغ غاية العنف، ولكن تتسع الظواهر لتشمل الوضع الشاذ، والأدهى من ذلك أن الجهود التي تبذل لتصحيحه، هي أشد تعقيدًا أو أكثر شذوذًا، ومن العلل الأساسية لهذا الشذوذ ما صرح به المقال وأعلنه بصدق، وهو کتمان كلمة الحق من قبل العلماء والمثقفين، نعم الكتمان، بل ليت الأمر يقتصر بمن وجه إليهم النداء عند الكتمان، بل ينساقون- عن علم أو غير علم، وبحسن نية أو سوئها وراء مزيد من البعد عن قول الحق، والنصح الصادق، والأمر بما هو معروف والنهي عما هو منكر، عند الله.
وتبدأ القصة بأخطر رحلة تحول شهدته الأمة الإسلامية في تاريخها، وذلك حين وضع الاستعمار خطته لصرف المسلمين عن أداء واجب الدعوة إلى الإسلام وحملها إلى العالم، هذا الواجب الذي حفظوه ولازمهم حتى آخر عهود حكمهم في ظل العثمانية التي فتحت شرق أوربا وآمن على يد الدعاة الجماهير الفقيرة من الناس طواعية ودونما إكراه، ودول البلقان شاهد على ذلك، حيث لا يزال يحرص المسلمون هناك على إسلامهم رغم الجهود التي تبذل لتصفيتهم.
ما الذي جرى بعد احتلال العالم الإسلامي على أيدي المستعمرين؟
تبنى هؤلاء طائفتين من الأقليات في عالمنا الإسلامي، اليهود الذين يكنون لهم أشد العداء، والنصارى الذين عملوا على طردهم من العرب شر طرد وتصفيتهم من العالم العربي وإقصائهم عن الحياة وسجنهم في الكنائس يزد على هذا، أن الاستعمار ربط مصالح الأفراد والكل في عالمنا الإسلامي بتحقيق أهدافه ومراميه، وأمكن له أن يجمع شراذم من المنافقين، مدنيين وشيوخ يبوئهم المناصب- حتى أحكم قبضته على واقعنا الاجتماعي، ومرة أخرى نستدل بالمقال الأسبوعي- التاريخي حيث يقول: ومقاييس الكفاءة والاستقامة اختلت تمامًا، فقدم العجزة الفاسدون، وآخر الأكفاء الصالحون وميزان تكافؤ الفرص انقلب إلى الضد تمامًا، فلا فرصة إلا لمجاهر بالمعاصي مرجف بالباطل والزور- وإذا كان هناك ظاهرة نفاق نشاهدها اليوم- بعد الاستقلالات المزيفة والتي عمت الأقطار المستعمرة، فهي أيام المسلمين أن تلك الصورة قد تبدلت مع أن الحقيقة الفاضحة تنطق بأنها لا تزال، ولكن تمارس بفنية وأحكام لم يسبق لهما مثيل من قبل، بل لعلها اليوم أعقد، ولكن ما الذي استمر من أمور؟
لقد ظل الإسلام محافظًا- في واقع الأمر- على كل من المسيحية واليهودية كدينين حظر الاعتداء عليهما وعلى أتباعهما طيلة عصوره، وبدافع غريزة البقاء والمحافظة على الذات استلموا زمام المبادرة، ومارس كل من الفريقين شتى الأساليب لتنمية وجودهم، وشرعوا- أول ما شرعوا في سبيل تثبيت أقدامهم بالتنغيم بالأخوة المسيحية الإسلامية التي لا تزال خطأ متبعًا إلى الآن على مستوى المنطقة وأن كانت بدأت نهايتها في لبنان رغم المحاولات التي تبذل للحفاظ عليها، والنغمة هذه -ذاتها- تبذل جهود لخلقها بين المسلمين واليهود، تمامًا كما بدأت مع النصارى.
وتمر السنون والأيام ودعوة الله إلى الإسلام تنحى عن الساحة وترقب تنميتها بغاية الدقة من قبل الخصوم والموالين لهم على السواء، وبدلًا من أن يثير الواقع القائم والشاذ الحفيظة، ويحمل المسئولين على إعادة النظر في الطرائق والأساليب التي يمارسونها، إذا بهم يعالجون الداء بمديد من الداء.
ولعل أهم نجاح استطاع الاستعمار أن يحققه هو الإيقاع بين الفرقاء حتى يمكن له إحكام قبضته على الجميع يشهد المسرح الحياتي اليوم، وتبرز الصورة -مرة أخرى بأجلى معالمها في لبنان- أوضاعًا مقلوبة وفي غاية الشذوذ.
منها –على سبيل المثال- حلول القوة المادية بدل الفكرة والحجة والمنطق، فالقوي هو الأكثر عددًا من المسلحين -المليشيا-، وليس الذي في جانبه الحق، وبهذا التحول..... تضرب دعوة الإسلام في الصميم حسب، بل تعدى ذلك إلى المسيحية أيضًا.
ومنها أن الوجود المسيحي بعد أن كان يعتمد على مبدأ الإرسال والتبشير غدا يرتكز على القوة المادية والألاعيب السياسية التي يزاولها خصومه، وإذا كان النصارى يحسبون أن في ذلك ضمانة لوجودهم فهم واهمون، بل هو نقطة البدء التي لم يشهد التاريخ مثيلًا لها في الغرب، ومنيت أخيرًا بالهزيمة الساحقة، القوة التي يتمتع بها النصارى اليوم مصطنعة، ليست مسيحية بمعنى الكلمة، وهي آنية، ولا تعتمد على أية مبادئ، وقوة من هذا القبيل هي معرضة للانهيار طالما كانت تفتقد المعالم والخصائص الفكرية والإنسانية.
ويحس العديد من النصارى بهذه الحقيقة الخطرة؛ ولذا نجدهم ينقسمون إلى فئتين مستقطبين في محورها: إحداهما ترى الضمانة في تصفية المسلمين من لبنان، وذلك لن يتم إلا على حساب وجودهم في المنطقة، بل في الشرق بأسره، والأخرى ترى قبول وجود إسلامي في لبنان، ولكن شريطة وجود مسيحي مقابل في الشرق كله، وكل من الفريقين -مسلمين ومسيحيين- يعانون بصدد قرار يتخذ بهذا الشأن، وإن كان الرأي العام المسيحي يرجح الحل الثاني على الأول، وهنا تدخل الشيوعية الدولية لتلعب دورًا، بل أدوارًا، فتستغل هذا الواقع لتطأ بقدمها أي مكان يمكن لها أن تصل إليه، بمناورات تتراوح بين الجهر بالعداء ومد يد الصداقة إلى الجميع.
أين دعوة الإسلام من كل هذه الأمور؟ وإلى أي مدى يذهب المسئولون المسلمون من ساسة ودينيين، ليرجعوا إلى كتاب ربهم وأحكام شريعتهم في مواجهة الأحداث؟
الصورة قائمة تمامًا، نرجع -مرة أخرى- إلى التعليم الأسبوعي، الذي يلخص المشكلة بأسرها في خطاب مفتوح موجه إلى علماء الدين والمثقفين، خطاب مفتوح مؤلف من ست كلمات فحسب، وهي: إلى أي يوم مؤجلون كلمة الحق؟
وكلمة الحق تسع وتتسع لتشمل كافة أوضاعنا، بل أوضاع الجنس البشري بأكمله من عامة جوانبها، وما الرسالة هذه التي نبعث بها إليكم سوى قبس من الضوء، عكسته كلمة الحق التي نشرتها المجتمع الغراء في عددها الخاص -كتاب مفتوح-.
أما بعد، فما الذي يمكن فعله، بل يتوجب، لتصحيح الأوضاع؟ إلا إن الوهم الأكبر هو تصور الحل في الاستمرار على الطرائق المتبعة لأنها مدمرة، ومدمرة للمجتمع البشري بأسره، ابتداء من القمة إلى القاعدة أو العكس، فالوجود القائم لجميع الأطراف هو وجود زائف، فالمجتمعات البشرية كافة تعاني أوضاعًا مأساوية، أما الشرق الشيوعي الذي بنى كيانه على فلسفة ضالة حولت الإنسان إلى مزرعة حيوان، وعلى القوة البوليسية التي قتلت الملايين، وزجت بالألوف في معسكرات الاعتقال، يحاول محو عار الماضي، والغرب الذي أنهكته المادية، والذي لا يجد هاديًا يلتفت مرة أخرى إلى العالم النامي ليجدد قوته بسلب المزيد من خيراته، وما وهبه الله من مقومات الحياة والمواد الخام، وأما العالم الإسلامي فهو لا يزال مشدودًا إلى الغرب بالتبعية، في نزاع مرير مع الشرق الشيوعي حول اقتسام الغنائم.
أين العلماء المسلمون والمثقفون من ذلك كله؟
عليهم تعلق الآمال أن يبدلوا هذه الصورة المخيفة، وبينهم العقلاء والمخلصون، هؤلاء -وحدهم- يحملون عبء المسئولية مسئولية الإنقاذ، والبيان للناس أن كل وجود هو زائف، مهما تكثفت قواه المادية، هؤلاء الذين اصطفاهم الله موجودون، بدليل قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وأما إن كانوا قلة فقد سبق لله -عز وجل- أن وصفهم بهذا النعت: وقليل ما هم، وقليل من عبادي الشكور.
والمقال الأسبوعي ونستشهد به للمرة الأخيرة، بل المجتمع، ونظائرها من الصحف التي لا تخشى في الحق لوم اللائمين، في تلك الأقلام الحية والأفواه الطاهرة، البرهان على ذلك.
وكلمة أخيرة أن الحل يبدا بالإفراج عن كلمة الحق، وإعادة المناصب المسئولة إلى أهلها، وإن لم يستجب لنداء الحق، الذي وجهه المقال الأسبوعي للمجتمع، فليرتقب جميع الأطراف مزيدًا من ضرب الخناق على أعناقهم حتى تقطع منهم الأنفاس، ولن تغني عنهم أموالهم ولو كثرت.
فإما أن ينحى المنافقون، ويترك للمؤمنين أن يتسلموا زمام المبادرة لإنقاذ العالم، أو سيأخذ طريقه إلى الهاوية بسرعة، فأما الزيد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.