العنوان خالد بن سلطان للمجتمع- لا ضمانة لأمن الخليج إلا بامتلاك وسائل الردع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 60
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 10
الأحد 08-مارس-1992
· كان أداء القوات الخليجية الجيد مفاجأة لي.
· المملكة ليست الدولة الأكثر إنفاقًا على شراء السلاح.
· كان يلزم حشد 200,000 مقاتل لمواجهة الحشود العراقية على الكويت قبل 2 أغسطس.
· المياه أصبحت مصدرًا محتملًا من مصادر الصراع المسلح في المنطقة
· لا تقدم في جهود السلام في الشرق الأوسط إلا بضغط أميركي حقيقي على إسرائيل.
يرى الفريق أول ركن «متقاعد» الأمير خالد بن سلطان أن أهم دروس أزمة الاحتلال العراقي للكويت ثم حرب التحرير كانت ضرورة أن تضع دول الخليج في اعتبارها أسوأ الاحتمالات ولو كانت خيالية.
وقال إنه من الضروري التحسب للأخطار من كافة الاتجاهات، فخلال الأزمة كانت أعيننا تدور 360 درجة نراقب وكنا مستعدين لردع أي تهديد من أي اتجاه، والآن ما زالت الأعين تدور وتراقب.
وشدد سمو الأمير في مقابلته مع المجتمع على أهمية امتلاك وسائل الردع الكافية لمواجهة أعداء لا يفهمون إلا لغة القوة، وعلى ضرورة التنسيق والتفاهم بين أقطار الخليج دفاعيًا بعد قيام كل دولة بتعزيز قواتها بالتركيز على النوع لا الكم.
كما أبدى الأمير خالد عن اعتزازه بأداء القوات السعودية والخليجية في حرب تحرير الكويت، ودافع عن السياسة الدفاعية للمملكة موضحًا الكثير من التفاصيل الخافية حول المسائل الفنية والمالية في الإنفاق الدفاعي السعودي.
وتوقع الأمير خالد، والذي كان قائد القوات المشتركة ومسرح العمليات في حرب تحرير الكويت، أن تنشب صراعات في المنطقة وحروب بسبب ندرة المياه، مشيرًا إلى أن أزمة المياه على نهر الأردن قد تكون أخطر حلقات هذا الصراع.
كما كشف النقاب عن تنسيق سعودي- مصري في قضية أمن البحر الأحمر، وألمح إلى تواجد قوات من دولة لم يحددها على أرض السودان، داعيًا إلى جعل البحر الأحمر بحيرة سلام وتجنيبه الصراعات.
وفيما يلي نص المقابلة.
المجتمع: شكلت حرب تحرير الكويت التجربة الهامة الأولى لقوات دول مجلس التعاون للدخول في مواجهات قتالية… ما تقييم سموكم لمستوى أداء القوات الخليجية- وبخاصة السعودية- وهل خلا الأمر من السلبيات أو جوانب القصور؟
الأمير خالد: فعلًا كانت حرب تحرير الكويت تجربة هامة للقوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي، بل كانت تجربة ضرورية فتحت أعيننا على العديد من الدروس والعبر ليس في المجال السياسي فقط، بل تعداها إلى المجالات الأخرى.
لا تخلو أي حرب بل لا يخلو أي تمرين ميداني ينفذ وقت السلم من نقاط قوة ونقاط ضعف، ومنهما تُستخرج الدروس المستفادة. في هذه الحرب بالذات كان أداء القوات الخليجية الجيد مفاجأة لي بالرغم من أنها تعتبر أول تجربة حقيقية لهم، ولم يكن لها خبرة قتالية فعلية سابقة.
إذا نظرنا إلى نسبة المشاركة نجد أن كل دولة ساهمت بالحد الأقصى الممكن من وحدات قواتها المسلحة، بما لا يخل بمتطلبات أمنها. كما أمكن تشكيل ستة ألوية كويتية مدرعة وآلية ومشاة في زمن قياسي، والحمد لله شاركت هذه الألوية في حرب التحرير وأبلت بلاء حسنًا.
أما عن الأداء القتالي فقد كان الأداء السعودي سواء من وحدات القوات المسلحة السعودية أو وحدات الحرس الوطني، والأداء القطري أكثر من جيد على الأخص في معركة الخفجي التي ستظل نقطة مضيئة في تاريخ العسكرية السعودية والعسكرية الخليجية، كما كان أداء القوات الجوية السعودية واضحًا ومميزًا سواء في عدد المهام الجوية التي نفذتها أو النتائج التي حققتها، وأيضًا كان أداء القوات البحرية السعودية حيث نفذت جميع المهام البحرية التي كلفت بها بكفاءة وفاعلية.
كذلك كان أداء وحدات القوات المسلحة لباقي الدول الخليجية أكثر من جيد، فالقوات الجوية الخليجية عدا السعودية نفذت أكثر من 1,300 مهمة جوية. كما اشتركت وحدات من جميع الدول الخليجية مع القوات العربية والإسلامية الأخرى ضمن قوة واجب «Task Force» في تحرير وتطهير مدينة الكويت.
المجتمع: يرى البعض أن ضعف التنسيق بين الجيوش الخليجية وانخفاض الجاهزية القتالية في وحداتها البرية كان حائلًا دون ممارسة حرب دفاعية ناجحة لصالح الكويت في 2 أغسطس 1990م.. هل توافقون على ذلك؟
الأمير خالد: بداية أود أن أوضح أنه لممارسة حرب دفاعية ناجحة يجب أن نحدد العدائيات المتوقعة اتجاهًا وعددًا وعدة، حتى يتم تجهيز مسرح العمليات المتوقع، وإعداد القوات المناسبة لصد الهجمات المتوقعة. أي أن تكون هذه القوات قادرة من ناحية العدد والعدة على الردع، ثم الصد، ثم التحول للهجوم المضاد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل كان أحد يتوقع أن يهدد من دولة مثل العراق وتصل درجة التهديد إلى الغزو والاحتلال؟ وبفرض أننا تصورنا ذلك، فهل يمكن أن نحشد قوات قادرة على صد القوات العراقية، التي يمكنها بسهولة حشد 25- 30 فرقة في جبهة واحدة أي حوالي 375,000 إلى 450,000 مقاتل؟ إن القوات المطلوبة للدفاع الناجح ضد هذه الحشود يجب ألا تقل عن 200,000 مقاتل، هل يمكن تجميع وحشد هذه القوات في وقت قصير بحيث تستطيع ممارسة حرب دفاعية ناجحة؟
المجتمع: حصلت الكويت بتوقيعها الاتفاق الدفاعي مع الولايات المتحدة على ضمانة مؤقتة لأمنها الخارجي، متى يمكن للكويت الحصول على ضمانة خليجية دائمة لهذا الأمن؟ وكيف؟
الأمير خالد: من وجهة نظري أعتقد أنه قبل البحث عن ضمانة خليجية دائمة للأمن الخارجي الكويتي يجب أن تكون هناك ضمانة كويتية لأمن الكويت، هذه الضمانة لا تكون إلا بامتلاك وسائل ردع كافية لأن تجعل من يحاول العدوان عليها أن يفكر أكثر من مرة، ثم الاعتماد بعد الله على القدرة الذاتية وبناء قوات مسلحة تعتمد على النوعية أكثر من اعتمادها على الكمية. مع الوضع في الاعتبار أن تكون هذه القوات قوات مسلحة محترفة، تأتي بعد ذلك إلى الضمانة الخليجية، التي تتمثل أيضًا في بناء كل دولة لقوات مسلحة محترفة، ثم.. بالتدريبات المشتركة والتعاون والتنسيق والتلاحم في جميع المجالات العسكرية تحصل على قوات خليجية قادرة على التعامل مع الأزمات.
المجتمع: يقال أحيانًا إن دول مجلس التعاون تتصدر أقطار المنطقة في الإنفاق العسكري لكنها مع ذلك تحرز القليل من القدرات الدفاعية خصوصًا في القوات البرية.. فما السبب في ذلك؟
الأمير خالد: لكي نتحرى الدقة في الإجابة على هذا السؤال يجب أن نحدد معنى الإنفاق العسكري، وهل المقصود به ثمن الأسلحة والمعدات التي تُستورد للأغراض الدفاعية أم ميزانية الدفاع للدولة، فإذا كان المقصود المعنى الأول فإننا لا نتصدر دول المنطقة في هذا الإنفاق، بل توجد دول كثيرة محيطة بنا تنفق أكثر بكثير خاصة إذا نسبنا إجمالي الإنفاق إلى عدد السكان.. أما إذا كان المقصود المعنى الثاني وهو ميزانية الدفاع، فنجد أن مشتملات هذه الميزانية تختلف من دولة إلى أخرى، فمثلًا قد يدخل في دولة مثل المملكة العربية السعودية إنشاء المدن العسكرية وإنشاء المستشفيات العسكرية وإنشاء المنشآت التعليمية المدنية لأبناء القوات المسلحة ضمن ميزانية الإسكان أو الصحة أو التعليم.. كما أن للحكم على حجم الإنفاق يجب أن نرى المستوى الذي توفره الدولة لأفراد القوات المسلحة سواء من ناحية المعيشة أو الإعاشة أو الخدمات التعليمية أو الخدمات الصحية، وبالطبع أن ارتفاع قيمة هذه الخدمات يدل على اهتمام الدولة برعاية ورفاهية مواطنيها، نقطة هامة أخرى يجب ألا ننساها وهي نظام التجنيد في كل دولة فالإنفاق في الدولة التي تعتمد على التجنيد الإجباري سيكون- بلا شك- أقل من الدولة التي تعتمد على نظام التطوع.
أخيرًا فإن نسب تكوين القوات المسلحة من قوات برية وجوية وبحرية ودفاع جوي ونسب الإنفاق على كل فرع يختلف بين كل دولة وأخرى، وهذا بالطبع يخضع لعوامل كثيرة أهمها- مرة أخرى- نوعية التهديد المحتمل.
بالطبع إجابتي هذه لا تعني الدفاع عن أسلوب الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون ولكنها توضيح لأسلوب إجراء المقارنات والحكم على ضخامة الإنفاق في هذا المجال، وأود أن أضيف أنه ينبغي ألا ننسى أن معظم القوات المسلحة الخليجية حديثة التكوين، وأن تكلفة مشاريع الأسلحة في ازدياد رهيب عالميًا، حتى أصبحت تجارة الأسلحة هي التجارة الرابحة لكثير من الدول الغربية والشرقية على السواء، ولذلك نجد القرار الحكيم لحكومة مولاي خادم الحرمين الشريفين عندما وضعت شروطًا لإعادة استثمار جزء من تكلفة العقد داخل المملكة.
المجتمع: يقال أيضًا إن القدرات العسكرية المتوفرة لبعض أقطار الخليج يعوزها القرار السياسي الشجاع.. ما صحة هذا الادعاء؟
الأمير خالد: حقيقة لم أسمع بهذا الادعاء من قبل. ولكني أقول لك من خبرتي خلال عملي قائدًا لقوات الدفاع الجوي والقوة الصاروخية الاستراتيجية قبل الأزمة، وقائدًا للقوات المشتركة ومسرح العمليات خلال حرب تحرير الكويت أنني لمست من جميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بدون استثناء تحمسهم لبناء قوات مسلحة مزودة بأحدث ما في العصر من أسلحة ومعدات وتحمسهم بعد احتلال الكويت للمساهمة بكل ما يستطيعون دفاعًا عن المملكة ثم تحريرًا للكويت وإصرارهم على الوقوف صفًا واحدًا خلف عضو من أعضائه حاول المعتدي [التهامه]. وأيضًا يجب أن نضع في الاعتبار أن أي قرار سياسي لاستخدام القوات المسلحة يخضع- عادة- لعدة اعتبارات أمنية محلية وإقليمية، والحمد لله كان قادتنا على مستوى المسؤولية وعلى مستوى الحدث الخطير الذي ألمّ بالمنطقة.
المجتمع: هل تشكل الأنظمة التي أيدت طاغية العراق وخاصة اليمن والسودان كونها تجاور المملكة عنصر تهديد إضافيًا الآن من الناحية العسكرية؟ وما صحة الأنباء عن مرابطة وحدات وأسلحة عراقية هناك؟
الأمير خالد: من أهم الدروس المستفادة التي أكدتها حرب تحرير الكويت ضرورة أن نضع في اعتبارنا أسوأ الاحتمالات ولا نستبعد حدوث أي احتمال مهما كان خياليًّا، فمن كان يصدق أن يُوجَّه التهديد إلى الكويت وإلينا من دولة ساندناها وساعدناها طوال حربها لمدة ثماني سنوات، وأن نضع في اعتبارنا أمن المملكة في المقام الأول، لذلك فخلال هذه الأزمة كانت أعيننا تدور 360 درجة نراقب وكنا مستعدين لردع أي تهديد من أي اتجاه، والآن ما زالت الأعين تدور وتراقب، وهناك أخطار أخرى يجب أن نتنبه إليها.. نتنبه إلى خططها وأطماعها والأنظمة التي ساندت العدوان وأيدته وخدعت في شعاراته وكانت أبواقًا له، فلا أظن أن الشعوب يمكنها نسيان دورها.
أما عن مرابطة وحدات وأسلحة عراقية في اليمن والسودان فهي شكوك لا ترقى إلى اليقين. ولكن السؤال الآن: هل هناك وحدات وأسلحة أخرى غير عراقية متواجدة حاليًا على أرض السودان أو على أرض غيره؟
المجتمع: يتداول بعض الكتاب السياسيين فكرة نشوب حرب قادمة في الشرق الأوسط نتيجة الصراع على مصادر المياه.. هل تتوقع أن يحدث ذلك؟
الأمير خالد: من المتوقع جدًا حدوث هذه الحرب في ظل ندرة المياه والخطط التنموية الطموحة للدول، ومحاولة كل دولة الاكتفاء الذاتي الزراعي، وفي ظل غياب الاتفاقيات التي تقضي بالتوزيع العادل للحصص المائية. والسبب في أن المياه أصبحت مصدرًا محتملًا من مصادر الصراع المسلح، أن حدود الموارد المائية لا تتفق مع الحدود السياسية للدول، وبالتالي فإن استغلال المياه من دولة قد يؤثر على مصالح الدولة الأخرى، واستغلال المياه من الأجزاء العليا للمجرى المائي يؤثر بالتأكيد على كميات المياه المتاحة في المناطق الأدنى، مما يعني أن التحكم في المجرى المائي يظل دائمًا في أيدي الدول الواقعة في المناطق العليا من مجرى النهر.
والأنهار الرئيسية- كما هو معلوم- التي قد تُفجَّر حولها المنازعات أو الصراع المسلح في المستقبل هي: الفرات والأردن والنيل، ولكن المشاكل المتوقعة ليست على درجة واحدة من الخطورة، فنهر النيل يتميز بثبات واستقرار نسبي، وتقل احتمالات الصراع المسلح في الوقت الحاضر أو في المستقبل القريب، والعامل الرئيسي في هذا الاستقرار وجود نظام قانوني محكم يختص بتدفق مياه النيل منذ نهاية القرن التاسع عشر.
أما نهر الفرات، فالدول المشتركة فيه كثيرًا ما تتعرض العلاقات بينها للتوتر الذي يتصاعد إلى حد تفجر الأزمات والتلويح باستخدام سلاح المياه، والسبب في ذلك أن كل من تركيا والعراق وسوريا تحاول تنفيذ مشروعات ضخمة وطموحة للتنمية وبناء العديد من السدود على النهر للاستخدامات المختلفة، وأيضًا لا توجد اتفاقية دولية تنظم الاستخدام المشترك لمياه الفرات.
أما أزمة المياه في حوض الأردن، فإنها تشكل أخطر حلقة من حلقات تصعيد حرب المياه إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، لأنه الحوض الوحيد الذي يتعرض بصورة خطيرة لأعمال القرصنة المائية من جانب إسرائيل، علاوة على العداء الشديد بين الدول التي تقتسم مياه النهر وروافده.
لذلك فمن المتوقع أن يكون الصراع على المياه هو الصراع المستقبلي، وقد تصبح المياه سلعة تباع وتشترى مثل النفط اليوم، كما قد يلعب الماء دورًا كبيرًا في إعادة توزيع خريطة القوى السياسية بحيث يصبح من يمتلك المياه هو الأقوى، كما أن الماء سيكون عنصرًا هامًّا في أية استراتيجية دولية مقبلة.
المجتمع: جهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة تكاد تفشل بسبب التصلب الإسرائيلي والنتيجة قد تكون حربًا عربية- إسرائيلية جديدة... هل تتوقع سيناريو من هذا النوع؟ وما هو الدور المتوقع من المملكة العربية السعودية في هذه الحالة كونها دولة مواجهة جغرافية مع الكيان اليهودي؟
الأمير خالد: لن يتم أي تقدم في جهود السلام إلا بضغط أميركي حقيقي على إسرائيل، وآمل أن تكون الولايات المتحدة الأميركية الآن مقتنعة أكثر من ذي قبل أن الدور الاستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط والذي تلعبه لصالح أميركا قد تقلص جدًا كما أثبتته أحداث حرب الخليج. وآمل أن يكون قد آن الأوان لأن تدرك الولايات المتحدة الأميركية أن المحافظة على مصالحها الحيوية في المنطقة لا يمر بإسرائيل، وأن الاستقرار والحل العادل للمشكلة الرئيسية هي الضمانة الحقيقية لصيانة مصالحها، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى أعتقد أن الجميع يعرفون أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، وعن طريق القوة وعن طريق من تعتمد عليه من القوى الكبرى تمارس كافة الأعمال العدوانية والتوسعية دون مراعاة لأي قيم إنسانية، فإذا نظرنا إلى سياستها منذ نشأتها نرى أنها تعتمد دائمًا على قوة عظمى يمارس جماعات المصالح اليهودية كل أنواع الضغط على مراكز اتخاذ القرار فيها، ثم تتصرف بغطرسة وتحاول التوسع بشتى الأساليب والحجج وفرض الأمر الواقع، لذلك لا نتعجب من مماطلتها الآن ومحاولاتها المستمرة في إجهاض كافة الجهود الأميركية والدولية لإحلال السلام ووضع العراقيل وإدخال المفاوضات في متاهات غريبة، لأنها تعرف جيدًا أن أي نجاح في المفاوضات يعني وضع حد لطموحاتها، وكما قلت في مناسبات سابقة إننا نعيش في عصر ستظل القوة هي العامل الأساسي والرادع الرئيسي لحسم أية قضية مهما كانت عادلة، وبغير هذه القوة الفاعلة الضاربة فإن أي جهد سياسي مهما كان مكلفًا أو ضاغطًا لن يجدي نفعًا وسيكون نوعًا من الاستجداء، أو الشعارات المرفوعة بلا معنى إلا للاستهلاك.
على الجانب الآخر من المفاوضات فإنه لنجاح المفاوضات يجب أن يكون هناك اتفاق موحد خالص لله أولًا ثم للقضية الفلسطينية، والجلاء عن الأراضي المحتلة منذ عام 1967م، والجلاء عن الأراضي اللبنانية، وكفانا ما ضاع من وقت وما ضاع من فرص لم نحسن استغلالها وتركنا الساحة تمرح فيها إسرائيل وتفرغنا إلى الخلافات، وكانت إسرائيل هي المستفيد الأكبر من خلافاتنا ومن أخطائنا، واحتلال العراق للكويت خير شاهد على الاستفادة القصوى التي حصلت عليها.
أما الدور المتوقع للمملكة فهو المساندة الكاملة لمساعي السلام، السلام القائم على العدل، القائم على مبادلة الأرض بالسلام. وفي نفس الوقت تمضي المملكة في بناء قدراتها الذاتية، وهذا ما أكد عليه [مرارًا] مولاي خادم الحرمين الشريفين.
المجتمع: طرحت قضية «أمن البحر الأحمر» للبحث في مناسبات متعددة في الماضي أبرزها أحداث التلغيم الغامضة عام 1988 ثم في حرب تحرير الكويت عندما سرت إشاعات عن نصب صواريخ سكود على الساحل السوداني... هل تقترح تنسيقًا مصريًا-سعوديًا بهذا الخصوص؟ وما هي الإجراءات المناسبة؟
الأمير خالد: التنسيق السعودي-المصري بهذا الخصوص وغيره قائم وعلى خير وجه، فالتنسيق مطلوب في هذا المجال وفي كافة المجالات الأخرى، وقد أظهرت حرب تحرير الكويت مدى التنسيق والتعاون والمساندة بين البلدين.. إنني أتفق معك تمامًا بضرورة إعطاء الأهمية الكبرى لأمن البحر الأحمر لما يشكله من تهديد لكافة الدول المطلة عليه كما يجب أن يكون البحر الأحمر بحيرة سلام ورخاء للدول المحيطة به ولا يكون بؤرة للصراع. أما الإجراءات المناسبة لذلك فقد تكون سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، كما قد تكون هناك اتفاقيات ثنائية أو جماعية، أهم ما في الأمر أن تتفق الدول المحيطة به على عدم وجود تدخل من أي قوى خارجية يهدد مصالحها. وأن يتم تنفيذ المشروعات الاقتصادية المشتركة التي تفيد مصالح العديد من الدول المطلة عليه بحيث يصبح الدفاع عن هذه المصالح المتبادلة جزءًا من الدفاع عن أمن البحر الأحمر.
المجتمع: يتوقع خبراء عسكريون أن تعاني الدول العربية المعتمدة على التسليح السوفيتي من صعوبات جمة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واحتمال تدهور مؤسساته الصناعية العسكرية. ما هي البدائل التي تقترحها لهذه الأقطار- وبخاصة دول المواجهة منها- للحفاظ على قدراتها الدفاعية؟
الأمير خالد: قد لا أتفق معك في هذه النظرة، وأعتقد أنه لن يكون هناك مشاكل تذكر للدول التي تعتمد على التسليح السوفيتي، ولن يكون هناك تدهور للمؤسسات العسكرية لدول الاتحاد السوفيتي سابقًا، وذلك لأن هذه الدول تعلم جيدًا أن تجارة السلاح تجارة رابحة تمامًا، وبالتالي فإنه يمكن شراء ما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر ومعدات بشرط أن تدفع وبالعملة الصعبة، وإذا لم تستطع الشراء من دول الكومنولث الجديدة فهناك دول أخرى لديها نفس الأسلحة السوفياتية يمكن الشراء منها، وعلى استعداد كامل لبيع ما تريده علاوة على أن الدول العربية التي يُشكِّل التسليح السوفيتي نسبة كبيرة من إجمالي أسلحتها مثل مصر وسوريا لديهما قاعدة صناعية يمكنها من التصنيع الحربي الناجح، كما أنهما قطعتا شوطًا ليس بالقصير في إنتاج أسلحة حربية عربية. أي أن لدى هذه الدول إمكانيات التطوير والتصنيع والتحديث، وكان هذا واضحًا عندما فرض الاتحاد السوفيتي حظرًا على تصدير الأسلحة إلى جمهورية مصر العربية، ورأينا كيف اتخذت مصر قرارًا بتنويع مصادر السلاح والتوسع في التصنيع الحربي ونجحت في ذلك إلى حد كبير وأصبحت من الدول المصدرة للسلاح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل