العنوان خبراء أمريكيون يدعون إلى تجنيد الصحفيين ورجال الدين الأمريكيين للعمل كجواسيس
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 05-مارس-1996
خمسون صحفيًا أمريكيًا كانوا يتلقون أموال من المخابرات المركزية حيث كانوا يعملون كجواسيس في الخمسينيات.
دعت مجموعة عمل أمريكية خاصة في تقرير نشرته الأسبوع الماضي الحكومة الأمريكية إلى رفع القيود المفروضة على استخدام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي. آي. إيه» الصحفيين ورجال الدين للعمل كجواسيس لها وهو ما يعتبر دعوة صريحة إلى العودة إلى سياسات التدخل المباشر في شئون الدول الأجنبية مثلما كان الحال عليه في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من هذا القرن عندما كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي. آي. إيه» تقوم بإرسال جواسيس إلى دول أجنبية من الصحفيين الأمريكيين ورجال الدين «قساوسة».
ودعت هذه المجموعة في مسودة تقرير وضعه مجلس العلاقات الخارجية الحكومة الأمريكية أن ترفع الحظر الذي تفرضه على بعض العمليات السرية مثل تلك التي تهدف إلى الحيلولة دون وقوع هجمات «إرهابية» أو دعم الإطاحة بأنظمة حكم معادية للسياسة الأمريكية.
وأعلن المجلس أيضًا بأن على الحكومة الأمريكية أن تقبل بالعمليات السرية للـ «سي. آي. إيه» التي قد تتطلب العمل مع المجرمين وسيئي السمعة وفاقدي الأخلاق ممن يكونون قد ارتكبوا جرائم، وحث المجلس أولئك الذين يراقبون عمل وكالة الـ «سي. آي. إيه» في الكونجرس أو في هيئات أخرى أن يسمحوا لوكالة التجسس الأمريكية بالانخراط في «مغامرات» في نشاطاتها السرية طالما أن أعمالها تكون قانونية بموجب القوانين الأمريكية.
واقترح المجلس بأن تقوم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بمزيد من نشاطات التجسس السرية في الخارج على الرغم من أن سجلها تميز بأعمال أثارت الكثير من التساؤلات القانونية.
وقال مدير مشروع مجلس العلاقات الخارجية بهذا الشأن ريتشارد هاس: «أنه مهما كانت طلبات المجلس مثيرة للجدل إلا أنها تستحق النظر إليها بدون تحامل» وكان هاس مديرًا سابقًا لقسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
وكشف الصحفي الأمريكي المعروف دانيال شور في تقرير نشره في صحيفة واشنطن بوست يوم الرابع من الشهر الماضي النقاب عن اتفاق تم بين شبكة التلفزيون الأمريكية «سي. بي. إس» والـ «سي. آي. إيه» في الخمسينيات قامت «سي. بي. إس» بموجبه بمنح بطاقات صحفية لاثنين من رجال المخابرات الأمريكية في القاهرة واستوكهولم حيث عمل الاثنان من أجل الحفاظ على هذا الغطاء كمراسلين لشبكة «سي. بي. إس».
وكانت لجنة من مجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة السيناتور ستيرش قد بحثت أوضاع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في السبعينيات وجدت أن نحو خمسين صحفيًا أمريكيًا كانوا يتلقون الأموال من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ولكن اللجنة لم تذكر في حينه أي أسماء، مما أدى إلى إثارة تكهنات كثيرة، وقال الصحفي الأمريكي سام غافي إن المخابرات الأمريكية اتفقت مع شبكة «سي. بي. إس» على إرساله إلى موسكو لتغطية محاكمة غيري باورز الطيار الأمريكي الذي أسقط السوفييت طائرة التجسس من طراز يو2 التي كان يقودها فوق الاتحاد السوفييتي عام ١٩٦٠م، وقال غافي إن لديه قائمة بأسماء صحفيين على علاقة بالمخابرات الأمريكية ومنهم المذيع التليفزيوني الشهير والتركز والتر كرونكايت الذي نفى ذلك بعد بغضب شديد.
ويضم مجلس العلاقات الخارجية مسئولين أمريكيين مدنيين وعسكريين بارزين سابقين إلى جانب مسئولين استخباراتيين سابقين، ومن بين الأعضاء البارزين على سبيل المثال برنت سكوكروفت- مستشار الأمن القومي للرئيسين السابقين جيرالد فورد و جورج بوش-، والرئيس السابق لهيئة أركان سلاح الجو الأمريكي الجنرال ميريل بيك، والرئيس السابق لمكتب الاستخبارات والأبحاث بوزارة الخارجية الأمريكية مورتون أبرا موويتز، والرئيس السابق لهيئة أركان الجيش الأمريكي الجنرال جوردون سوليفان، والرئيس السابق لمعهد ماسوشستس للتقنية بول غراي والمدير السابق للمكتب العسكري السياسي بوزارة الخارجية الأمريكية ليزلي غيلب ومساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق لشئون الشرق الأوسط ريتشارد ميرفي.
وقال المجلس إنه يأمل في أن يثير مشروعه حول هذا الموضوع خاصة وأن بعض نشاطاته السرية لوكالة الـ«سي. آي. إيه» التي وصفها بالإيجابية تخضع لقيود قانونية وسياسية، ودعا المجلس إلى ما وصفه بنظرة جديدة على القيود المفروضة على تجنيد جواسيس «غير رسميين» من أجل إخفاء وحماية أولئك المتورطين في التجسس وإلى نظرة جديدة على القوانين التي يمكن أن تمنع الهجمات المسبقة على من تعتبرهم الولايات المتحدة إرهابيين أو تقديم الدعم للأفراد الذين يعملون على الإطاحة بأنظمة حكم مناهضة للسياسة الأمريكية المعادية لبلادهم.
وكانت الحكومة الأمريكية بموجب مرسوم رئاسي منعت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من تجنيد صحفيين أمريكيين وأعضاء في الهيئات الدينية والعاملين في ما يسمى فيالق السلام للعمل كعملاء وجواسيس أو استخدامهم كغطاء لموظفين في مجال التجسس، كما أن الوكالة منعت من الانخراط في عملية يمكن أن تؤدي إلى اغتيال زعيم إحدى الحكومات الأجنبية أو كبار المسئولين فيها .
وکان جورج بوش في الفترة التي أمضاها مديرًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية- وهي أقل من عام واحد- قد أصدر أمرًا يحول دون المخابرات في علاقة تعاقدية مع صحفيين أو مذيعين، وعندما سئل ستانسفيلد تيرنر مدير الـ«سي. أي. إيه» في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أن يوضح ما كان صدر عن بوش قال: «إن منع أي اتصال بين الصحافة والمخابرات سيكون بمثابة نفي أننا جميعًا نعمل لصالح الوطن».
لذلك فإنه مع هذا الغموض وجد السوفييت أن اتهام الصحفيين الأمريكيين بالجاسوسية أمرًا سهلًا، ويقول شور إنه عندما كان يعمل مراسلاً لشبكة «سي. بي. إس» «التي يملك غالبية أسهمها يهود أمريكيون» في موسكو عام ١٩٥٧م، تم اتهامه بالجاسوسية أن المصور الذي كان يرافقه التقط صورًا لأحد المحال التجارية «وكان ذلك نهاية عملي في موسكو»، حسب قوله.
وقال عضو مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد كير وهو نائب مدير سابق في الـ «سي. أي. إيه» إن هناك بعض الخلاف بين أعضاء مجلس العلاقات الخارجية حول القيام بعمليات جديدة ولكن معظم الاقتراحات التي يتضمنها تقرير المجلس مقبولة بشكل عام، وأضاف «إنه يتعين التوقف عن تمزيق الوكالة».
ويلاحظ مراقبون أن إعداد هذا التقرير ينسجم مع توجهات غلاة الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونجرس حيث ذكر إن المخابرات المركزية الأمريكية ستقوم بتوجيه عملية سرية غير عادية بدعمها رئيس مجلس النواب الأمريكي نيوت غينغريش الذي ضغط من أجل تمويلها بثمانية عشر مليون دولار بهدف تغيير طبيعة الحكومة الإيرانية الحالية، وكان سبق للـ «سي. أي. إيه» التدخل في شئون إيران الداخلية عندما تبنت الانقلاب الذي وقع عام ١٩٥٣م ضد حكومة محمد مصدق الوطنية وأعادت الشاه المخلوع آنذاك محمد رضا بهلوي إلى الحكم، وتدخلها ضد الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۹ التي أطاحت بالشاه إلى الأبد، وتدخلها الفاشل في أعقاب احتلال الطلبة الإيرانيون للسفارة الأمريكية في طهران وصفقات الأسلحة السرية التي قامت بها إدارة رونالد ريجان قبل عقدين من الزمن والتي ساعدت فيها الـ«سي. أي. إيه» في شحن صواريخ إلى الحرس الثوري الإيراني.
وقامت الـ «سي. آي. إيه» في السنوات الأخيرة بتوجيه عمليات سرية أخرى ضد إيران بما في ذلك حملة كلفت مليوني دولار في العام الماضي مرتكزة على إذاعات تندد بحكام إيران، إلا أن محللي الوكالة والعاملين فيها لم يروا سوى أمل ضئيل في المساعدة في إيجاد جيل جديد من القادة الإيرانيين أو إجبار القادة الحاليين على تغيير آرائهم المناهضة للولايات المتحدة.
والآن بعد انتهاء الحرب الباردة يأتي مجلس العلاقات الخارجية ليدعو الحكومة الأمريكية تقديم غطاءات غير رسمية لرجال المخابرات الأمريكية كي يعملوا بموجبها وستكون نتيجة ذلك- وفق ما يقوله شور- إن موقف وموقع الجيل القادم من المراسلين الصحفيين والقساوسة الأمريكيين سيكون ضعيفًا إزاء الحكومات «غير الصديقة» للولايات المتحدة التي ستقول «إننا نعلم من ملفات مخابراتكم أنكم تستخدمون الصحفيين والقساوسة في عمل المخابرات وأنتم منهم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل