; خريطة جديدة للشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان خريطة جديدة للشرق الأوسط

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1172

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 24-أكتوبر-1995

غداة انتهاء حرب الخليج، أعلن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش أن إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي يحتل الأولوية الأولى لدى النظام العالمي الجديد، الذي أعلنه بوش في ذلك الوقت، دون أن يحدد أُطرًا واضحة له سوى هيمنة الولايات المتحدة، وبسط نفوذها بما يتلاءم مع مصالحها على كافة دول العالم. وكان مؤتمر مدريد في عام 1991م بداية القفز الأمريكي فوق كل القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة طوال أكثر من أربعين عامًا حول الصراع بين العرب و"إسرائيل"، وأظهرت أمريكا انحيازها الكامل لصالح إسرائيل، ومارست الضغط الشديد على الدول العربية حتى تتنازل عن مقدسات المسلمين وأرضهم لصالح "إسرائيل"، وقد ساعد تمزق الصف العربي وخضوع الدول العربية بشكل متفاوت لمطالب الولايات المتحدة أن يسير الجميع في إطار مؤتمر مدريد دون حسابات دقيقة سواء لمصالح دولهم منفردة أو مصالح الأمة بشكل عام. وقد وصلت صورة التمزق والانهزام العربي مرحلة مهينة بتصارع الأطراف العربية، وتنافسها على التواصل مع إسرائيل، وتقديم تنازلات لمقدسات المسلمين وبلادهم، وكأنما فلسطين ومقدساتها مواريث لهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. حتى أن ما يحدث الآن من مهازل ومخازي جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين لا يصدق حجم المكاسب التي حققتها إسرائيل والتنازلات التي قدمها العرب، فقال على مسامع الجميع وهو يلقي كلمته في البيت الأبيض قبل عدة أسابيع أثناء توقيع اتفاق أوسلو2: "لم يكن أحد يحلم بهذا الإنجاز قبل عامين سوى الشعراء"، ورغم قناعة معظم المراقبين بل والموقعين على هذه الاتفاقيات بأن ما حدث ليس سلامًا وإنما استسلام وشراء للذمم مقابل ألقاب ومعونات تساعد عرفات على التصدي لمعارضي السلام، إلا أن المنهزمين لا زالوا يحاولون خداع الأمة، وخداع أنفسهم رغم كل الحقائق الدامغة التي اتت وتأتي على لسان رابين وبيريز وكلينتون بأن ما حدث هو كله لصالح إسرائيل، وليس للعرب فيه نصيب سوى الخزي والبوار والخنوع والخضوع للهيمنة الإسرائيلية.

 ومع اقتراب موسم الانتخابات في الولايات المتحدة، نجد أن المزاد قد فتح في واشنطن لمرشحي الرئاسة على مصراعيه لمن يقدم منهم أكثر لإسرائيل، حتى يدعمه اليهود، ورغم ما قدمه كلينتون لليهود منذ مجيئه إلى البيت الأبيض في 1992م وحتى الآن، حتى أصبحت اللغة العبرية تستخدم أكثر من الإنجليزية داخل البيت الأبيض من كثرة اليهود الموالين لإسرائيل الذين يعملون داخله، إلا أن الهدية الكبرى التي ستقدمها إدارة كلينتون إلى إسرائيل، أصبحت جاهزة الآن ليتم التصديق عليها في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تنعقد حاليًا في نيويورك، وتمتد أعمالها حتى ديسمبر القادم. وتتلخص هذه الهدية الأمريكية الكبرى بطلب ستعرضه الولايات المتحدة على الجمعية العامة لأخذ موافقتها عليه يشتمل على إلغاء أو تعديل كافة القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ عام 1948م وحتى الآن، والتي تحفظ حق الشعب الفلسطيني في تحديد مصيره، وإقامة دولة فلسطينية، ومنع إسرائيل من تهويد القدس، وعدم شرعية الاستيطان، وإزالة المستوطنات وحق اللاجئين في العودة، وحق الفلسطينيين في المياه والثروات الطبيعية، وانسحاب إسرائيل مِمَّا يسمى بالأراضي المحتلة، وغير ذلك من الحقوق التفصيلية التي ذكرتها هذه القرارات التي رغم هزالتها وعدم تنفيذ أي منها إلا أنها ظلت حججًا للضعفاء يتمسكون بها، وينادون بها كلما انعقدت جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية كل عام أو طرحت قضية فلسطين في المحافل الدولية. ورغم خطورة هذا التحرك الأمريكي، إلا أنه بعد الانبطاح العربي لم تعد الولايات المتحدة تكلف نفسها حتى المناورة، أو التكتيك، أو التكتم أو السرية في تحركاتها في مثل هذه القضايا التي تصطدم بشكل مباشر بمشاعر المسلمين وعقيدتهم وعواطفهم، وتاريخهم، وروابطهم الحميمة بالقدس والمقدسات الإسلامية على كامل تراب فلسطين. بل إن مادلين أولبرايت، مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وإحدى الدعائم القوية لإسرائيل داخل الإدارة الأمريكية، أعلنت بشكل واضح أثناء زيارتها للقاهرة في مايو الماضي بأن الولايات المتحدة سوف تسعى لتعديل وربما إلغاء القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة بخصوص قضايا الشرق الأوسط لأن صياغتها، على حد قولها، غير ودية ولم تعد تناسب الروح الجديدة التي خلفتها عملية السلام.

 وهذا التحرك الأمريكي سيكون أكبر هدية تقدمها إدارة كلينتون لإسرائيل، لأن كل التحركات والاتفاقات التي بدأت منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن عبارة عن اتفاقات ثنائية برعاية أمريكية ليس لها أي غطاء دولي، وهناك قرارات دولية أصدرتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن تناقض هذه الاتفاقات، بل ولا تتوافق مع الحد الأدنى لها. وبالتالي فإن الخطوة الأمريكية تتلخص في رسم خريطة جديدة لدول الشرق الأوسط تختلف عن الخريطة التي تم رسمها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت "إسرائيل" حتى الآن هي الدولة الوحيدة العضو بالأمم المتحدة التي ليس لها حدود واضحة المعالم، وتعتبر حدودها مفتوحة لحين تحقيق الحلم الإسرائيلي بإقامة إسرائيل الكبرى، فإن التوجه الأمريكي الآن يضع أقدام "إسرائيل" على هذا الطريق بإضفاء الشرعية الدولية على محو فلسطين من على خريطة الشرق الأوسط، وإلغاء الهوية العربية الإسلامية للقدس، وإضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية، ومحو ما يسمى باللاجئين الفلسطينيين من قاموس السياسة الدولية، وإعطاء إسرائيل الحق في التفكير فيما بعد حدود فلسطين، وحدود 1967م إلى ضم جنوب لبنان، وما تستطيع إسرائيل أن تضمه من أراضي الدول المجاورة الأخرى لتضفي عليها بعد ذلك ما يسمى بغطاء الشرعية الدولية.

ومن المؤكَّدِ أن الخريطة الجديدة التي تعدها الولايات المتحدة للمنطقة الشرق الأوسط لن تقف الآن عند حد محو فلسطين من عليها، وإنما قد يتم قريبًا عرض خرائط جديدة للبنان وسوريا والعراق، وربما دول عربية أخرى تستشعر الآن أنها في مأمن من ذلك الخطر الذي شاركت فيه أو سكتت عنه، ورغم أن الولايات المتحدة تتحرك على المكشوف في هذه الخطة المدمرة للأمة العربية، والداعمة لإسرائيل، فإن فشل وزراء خارجية الدول العربية قبل أيام من الاتفاق على مجرد عقد اجتماع فيما بينهم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يثير المخاوف حول إمكانية تحرك الدول العربية لإفشال المشروع الأمريكي والإبقاء على صورة هذه القرارات، رغم هزالتها، لتكون ورقة مساومة تحفظ بعض الحقوق، وتذكر العالم بأنه كانت هناك دولة إسلامية تدعى فلسطين، وكان هناك شعب مسلم يدعى الشعب الفلسطيني. فهل ستتحرك الدول العربية لإفشال هذا المخطط أم أنها سترضخ لمطالب أمريكا وتجلس تنتظر أدوارها لاستلام الخرائط الجديدة التي سترسم بعد ذلك لباقي الدول العربية؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

296

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1112

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان