; خريطة طريق للسودان! | مجلة المجتمع

العنوان خريطة طريق للسودان!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 81

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 18

السبت 09-أغسطس-2003

هل تستعد أمريكا «المأزومة» في العراق لتنفيس غضبها في الخرطوم؟

ما معنى أن يؤكد موقع مركز أبحاث استخباري غربي أن لديه أدلة على أن الهجوم الأمريكي القادم -بعد أفغانستان والعراق- سيكون ضد السودان، ثم يهدد المبعوث الأمريكي للسودان جون دانفورث الخرطوم بقبول مقترحات منظمة (إيجاد) الوسيط بينها وبين حركة التمرد التي تنص على التخلي عن الشريعة وقبول قائد المتمردين قائدًا على الجيش السوداني، وإلا فالكونجرس سينزل عقوباته على السودان في 15 أغسطس الجاري حسبما هو مقرر سلفًا؟

وما معنى أن يقول الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق -في ندوة خاصة شاركت فيها المجتمع- إنه يتوقع أن تسعى أمريكا لضرب السودان ما لم يرضخ للمطالب المعروضة عليه لأن أمريكا مأزومة حاليًا في العراق وتشعر بحاجة للتنفيس عن غضبها وربما يكون هذا في السودان؟!

وما معنى -أيضًا- أن يسعى الوسيط الكيني (القريب من واشنطن) في مفاوضات الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبية لوضع ورقة جديدة للتفاوض (وثيقة ناكورو) تتعارض تمامًا مع ما سبق أن تم التوقيع عليه في مفاوضات مشاكوس وتعيد المفاوضات  -على الطريقة الصهيونية- للمربع رقم واحد، بحيث يطالب في ورقة التفاوض الجديدة بأن يكون من حق المتمردين الإبقاء على جيشهم وعدم حله، مع تعيين قائد المتمردين نائبًا أول للرئيس يخلفه في قيادة الجيش الوطني كله، وعلى العكس لا يحق للرئيس السوداني التحكم في جيش التمرد؟!

 

ثم ما معنى أن يقال -على لسان الصادق المهدي- إن هناك 21 مطبخًا أوروبيًّا وأمريكيًّا يطبخون حلولاً لحل مشكلة السودان (وفق أهوائهم بالطبع) دون أن يكون للدول العربية مطبخ واحد في القضية السودانية، وأن تصبح قضية السودان والجنوب القضية الداخلية رقم واحد في دول مثل هولندا وألمانيا وغيرهما بفضل الكنائس التنصيرية وجماعات حقوق الإنسان التي تعمل أغليها واجهات لأجهزة الاستخبارات الغربية؟!.

لقد ظل التصور يقوم على أن النية الأمريكية تجاه السودان مريبة، وأنها تسعى لقلب نظام الحكم الإسلامي هناك وفصل جنوب السودان عن شماله أو على الأقل إضعاف السودان (ومصر) بالضغط بورقة الجنوب، وقد سعت الخرطوم للتجاوب مع مطالب التفاوض وقدمت تنازلات في مفاوضات مشاكوس التي أدارتها أمريكا، ومع ذلك فوجئ الجميع بتعقيد جماعة الوساطة الأفريقية (الإيجاد) المكونة من الدول الإفريقية المحيطة بالسودان والمتعاونة مع دول أوروبية وأمريكا للوضع وتقديم ورقة تفاوض جديدة تصب في خانة حركة التمرد.

بعبارة أخرى يبدو أن ثمة رابطًا بين كل هذه التطورات السابق سردها يصب في خانة إظهار الخرطوم كمعرقل للسلام في الجنوب ورافض المبادرات السلمية، بحيث يكون هناك مبرر لضربه على غرار ما حدث في العراق، وأنه كلما تواصلت التنازلات -وفق سيناريو بغداد- زادت الضغوط والتعقيدات وازداد الموقف صعوبة.

الهجوم الأمريكي القادم في السودان

ففي الثاني من يوليو الماضي نشر موقع مركز ستراتفور (stratfor) الإخباري الإستراتيجي تقريرًا يعتمد على معلومات استخبارية أمريكية يؤكد أن الهجوم الأمريكي القادم بعد أفغانستان والعراق سيكون في السودان، وسينطلق من جيبوتي حيث قاعدة أمريكية، وأن الهجوم لن يكون ضد الحكومة السودانية بشكل مباشر ولكن ضد ما سماه (قواعد إرهابية) في غرب السودان ضمن عملية سرية ضد الإرهاب في إفريقيا وأن هذا الهجوم سيكون (جزءًا من الدفاع أكبر في الصيف لمطاردة خلايا القاعدة في إفريقيا وأماكن أخرى قبل أن تتوافر لهم الفرصة لشن هجوم على الأراضي الأمريكية وضد منشآت أمريكية في الخارج).

ويقول التقرير إنه بناء على معلوماته الاستخبارية وبالتزامن مع تراكم أحداث فإن الولايات المتحدة تستعد للقيام بعملية سرية ضد ما يسمى بالإرهاب في إفريقيا والأكثر ترجيحًا في السودان، وربط الموقع بين ما اعتبره العديد من الأحداث ومن بينها تصاعد التدريبات الأمريكية في جيبوتي وما أسماه (النشاط الواضح لتنظيم القاعدة في السودان) وزيارة الرئيس الأمريكي لأوغندا (خصم السودان)، 

ومعلومات من مصادر بوزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن الولايات المتحدة تستعد لهجوم ضد السودان.

وقال الموقع إن هذا الهجوم سيعيد رسم العلاقات العملية غير المستقرة بين الخرطوم وواشنطن!!

ومع أن التقرير نقل عن مصادر أمريكية أن حكومة الخرطوم تتقاسم المعلومات مع الولايات المتحدة حول الإرهاب، فقد قال إن التوتر ما زال قائمًا بين الطرفين، فضلاً عن أن الخرطوم ليست لديها سيطرة كاملة على (منطقة الشمال العربية) حيث أقام تنظيم القاعدة روابط مع جماعات أصولية عبر البلاد، وأن العديد من الأحداث القريبة يوحي بأن واشنطن تخطط لعملية مضادة في المستقبل القريب حيث من المرجح أن يكون مكانها منطقة غرب السودان.

وقد أبلغت مصادر بوزارة الدفاع الأمريكية موقع ستراتفور بأن الولايات المتحدة تتهيأ لعملية في السودان حيث ستكون جيبوتي منطلقها وفقًا لأكثر الترجيحات حيث أصبح هذا البلد ومنذ شهر مايو الماضي -كما تقول المصادر الأمريكية-مركزًا لقوة المهام المشتركة الأمريكية في القرن الإفريقي التي يصل قوامها إلى 1500 جندي وهـي مسؤولة عن مكافحة الإرهاب في القرن الإفريقي وفي اليمن المجاورة.

وقد لوحظ قبل نشر هذا التقرير أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال توماس فرانكس زار جيبوتي في أواخر شهر مايو الماضي، وتبع نشر التقرير قيام الرئيس الأمريكية بجولة إفريقية زار خلالها دولاً محيطة بالسودان، ولم يزر السودان رغم سبق توقع حدوث ذلك.

ثم توالت أحداث أخرى تصب في خانة السعي لإظهار الخرطوم على أنها دولة إرهابية وتعرقل السلام، ففي خلال الأسبوع نفسه احتجزت السلطات اليونانية سفينة شحن محملة بالمتفجرات بينما كانت في طريقها إلى السودان، وأثارت بلبلة حول هذه المتفجرات بما يوحي بأنها ربما تكون موجهة لنشاط إرهابي، ولوح مسؤولون بالكونجرس أن المهلة الممنوحة للسودان للتوصل إلى سلام ستنتهي في 15 أغسطس الجاري، بعدها يبدأ تنفيذ عقوبات اقتصادية وعسكرية على السودان.

ومع أن الخرطوم أكدت -بالمستندات- أن شحنة المتفجرات للأغراض الصناعية (مشروع لبناء الطرق وغيرها من مشاريع البنى التحتية) وأنها مسجلة بشكل واضح، فقد استمرت حملة البلبلة وأتت أكلها من حيث إثارة الشبهات حول نيات الخرطوم، وتبعها مؤشرات أخرى على النيات المعادية للسودان.

وثيقة ناكورو.. فخ جديدا: (وثيقة ناكورو) التي طرحها الجنرال الكيني لازاراس سيمبويا وسيط منظمة مكافحة التصحر والتنمية الإفريقية (إيجاد) التي تضم الدول المجاورة للسودان، تضمنت أفكارًا غريبة تصب في مصلحة حركة التمرد وتخالف ما سبق الاتفاق عليه بين حركة التمرد والحكومة السودانية في مشاكوس، إذ تقضي الوثيقة بأن يتولى رئيس الكيان السياسي الجنوبي منصب نائب رئيس الجمهورية السودانية، وأن يكون له حق الاعتراض (الفيتو) على قرار الرئيس، وأن يحل هذا النائب الذي سيكون هو جون قرنق زعيم حركة التمرد محل الرئيس السوداني عمر البشير في حالة غيابه بما في ذلك رئاسة الجيش الوطني في الشمال، وعلى النقيض من ذلك لا يجوز لرئيس الجمهورية السوداني رئاسة الجيش الجنوبي في أي حالة من الحالات، إضافة إلى رفض حل الجيش الجنوبي، واستمرار وجود جيشين أحدهما للجنوب برئاسة جارانج، والآخر في الشمال ويخضع لرئيس الجمهورية.

وقد وصف أمين حسن عمر العضو القيادي في الحزب السوداني الحاكم هذه المقترحات بأنها «وضع غريب»، وأن وثيقة ناكورو تنص على مفارقات غريبة دفعت الحكومة لرفضها وستظل ترفضها ليس فقط بسبب مسألة الشريعة، ولكن لأنها تخالف ما جرى توقيعه عليه والاتفاق عليه في مشاكوس وأنه بالتالي لا رجعة للوراء.

والأعجب أن واشنطن وقفت مساندة لهذه الوثيقة رغم مخالفتها لما سبق التوقيع عليه في مشاكوس، وتدخل المبعوث الأمريكي دانفورث لمطالبة دول الجوار ومنها مصر لإقناع الخرطوم بقبول الوثيقة التي تعني عمليًّا إلغاء تطبيق الشريعة في الشمال، وإبقاء جيش حركة التمرد كما هو مع إعطاء قائد التمرد سلطة على الجيش الحكومي.

وقد كشف الصادق المهدي في ندوة عقدت بالقاهرة لمناقشة تطورات القضية السودانية بحضور عدد من الخبراء في الشؤون السودانية وحضرتها المجتمع أن الوسيط الأمريكي السودان جون دانفورث قال في ختام زيارته الأخيرة للمنطقة إنه لا وقت لاستبدال المنابر أو الوسطاء، في إشارة لرفض أمريكا أي موقف يعبر عن رفض الحكومة السودانية للمقترحات المطروحة لتسوية النزاع (أي وثيقة تاكورو التي قدمتها الإيجاد)، خصوصًا أن الكونجرس سوف يبحث في 15 أغسطس الجاري مدى تعاون الحكومة السودانية في التفاوض مع حركة التمرد وإن لم يجد تقدمًا سوف يوقع عقوبات قاسية على الخرطوم سبق أن أقرها وأجلت تنفيذها الحكومة الأمريكية على مسؤوليتها.

وقال المهدي إن الولايات المتحدة تواجه حاليًا مازقًا في فلسطين وفي العراق، وتبحث عن بؤرة توتر في العالم لتنفيس قوتها فيها، وأن من شأن رفض الحكومة السودانية بشكل مطلق لوثيقة (ناكورو) أن يعطي واشنطن مبررًا للتحرك في أي مكان فيه حدة وتنفيس سياستها المأزومة.

وقال المهدي إن القضية السودانية - التي أكد أنه يعمل على خلق حلول لها 21 مطبخًا أوروبيًّا وأمريكيًّا ليس من بينها مطبخ عربي واحد- صارت قضية داخلية في العديد من البلدان الأوروبية مثل هولندا وألمانيا لأن الكنائس هناك تؤثر على الرأي العام الداخلي وكذلك تؤثر المنظمات التطوعية التي تعنى بالإغاثة.

الخرطوم ترد

الحكومة السودانية استشعرت خطورة التطورات وخطورة وثيقة ناكورو، ولذلك فقد سعت لحشد التأييد الداخلي من كل القوى السياسية لمواقفها والاستقواء بموقف مصر أيضًا، على اعتبار أن ما يجري من مؤامرات ضد السودان موجه أيضًا ضد مصر، وأصدرت الحكومة أواخر يوليو الماضي (وثيقة للإجماع الوطني) طالبت فيها القوى الوطنية بأحزابها وتنظيماتها السياسية ونظامها الأهلي ورجالات الدين ومنظمات المجتمع المدني بفئاتها ونقاباتها التوقيع عليها.

وتتضمن هذه الوثيقة التأكيد على الالتزام التام بما اتفق عليه في بروتوكول مشاكوس الإطاري الذي جعل الوحدة هي الخيار الذي تؤسس عليه الفترة الانتقالية، وأن شعب السودان هو صاحب الحق في تحديد هويته وصاحب القول الفصل في تقرير أوضاعه السياسية والاجتماعية وإقامة نظمه الديمقراطية. 

وشددت الوثيقة على أن بروتوكول مشاكوس معادلة منصفة في علاقة الدين والدولة تعطي أهل الجنوب خصوصيتهم ولا تحرم سائر أهل السودان - بما في ذلك أهل الخرطوم- من الاحتكام إلى شريعتهم الإسلامية التي ارتضوها، ونحن نؤكد هنا أن التمسك بمرجعية البروتوكول في هذا الصدد هو المفتاح لنجاح العملية السلمية بالبلاد، وأن الموقعين عليها يتعاهدون على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات وألا يكون الدين عاملاً للتقسيم بين أبناء الوطن، وأن تراعى حريات الاعتقاد والتدين والدعوة دون تمييز، وأن تكون الحقوق السياسية والمدنية كاملة غير منقوصة.

هناك بالتالي طبخة ما تسعى واشنطن وقوى غربية أخرى مدعومة كنسيًّا واستخباريًّا لإعدادها للسودان سلمًا أو حربًا، وأن النفط السوداني الواعد الوفير المخزون له دور في الاهتمام بالسودان.

وتشير الدلائل إلى أن الطبخة يجري تسويقها على الطريقة العراقية دون الوصول إلى حالة الحرب؛ لأنه ليس هناك حاجة لحرب في الوقت الذي يتوافر فيه البديل في صورة حركة التمرد وحركات متمردة أخرى في أطراف مختلفة من السودان.

والسؤال هو: أين العرب والمسلمون؟ وأين الجامعة العربية؟ وأين.. وأين؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 105

116

الثلاثاء 20-يونيو-1972

محليات (105)

نشر في العدد 107

92

الثلاثاء 04-يوليو-1972

محليات (107)