العنوان خسائر مصر من انفصال السودان: دور القاهرة.. و اللعب في الوقت الضائع
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 01-يناير-2011
مشاهدات 54
نشر في العدد 1933
نشر في الصفحة 20
السبت 01-يناير-2011
ذكرنا في العدد الماضي أن مصر خاسرة مائيًا في كل الأحوال لو انفصل الجنوب، وهو ما يتطلب سرعة التحرك ولو في الوقت الضائع، على اعتبار أن الفترة المتبقية حتى الاستفتاء في الجنوب هي أسبوع فقط، بالإضافة إلى فترة ستة أشهر مهلة لترتيب أوراق الجنوب قبل إعلانه دولة مستقلة رسميًا، وفق اتفاق سلام نيفاشا .
يطرح بعض الخبراء السياسيين ما يعتبره «أخطاء مصر» في عدم التدخل بقوة في السودان بنفوذها السياسي والاقتصادي لعدم الوصول إلى المأزق الحالي أو التعامل مع أضراره أو تأخرها بمعنى أصح لمنع الأضرار المترتبة على اتفاقية تقرير مصير الجنوب التي تحفظت عليها مصر من البداية، ولكن الدور المصري في التفاوض كان ضيف شرف خلالها، ربما لأنه غير راض عما جرى.
وانتهى الأمر بموافقة حكومة السودان على الاتفاقية تحت الضغوط الأمريكية وفي ظل غياب العرب، ووجب الآن التعامل مع ما خلفته الاتفاقية من أضرار بصورة أكثر حسمًا .
هذا الفريق من الخبراء يرى أن الجهود والدور الذي لعبته مصر لمنع انفصال الجنوب عبر الاستثمار (نصف مليار جنيه مشروعات)، والاحتضان السياسي لقياديي الحركة الشعبية كان دورًا كبيرًا ومقدرًا ولكن المشكلة أكبر من دور مصر أو مما يُسمى زورا بالإرادة الشعبية لأهالي الجنوب في الانفصال.
ويشيرون إلى أن الأمر يتعلق بنوايا ومخططات أمريكية وصهيونية مسبقة معدة للسودان، وما الحركة الشعبية سوى «لعبة» في يد الغرب لو شاء أمرها بإخراج الاستفتاء لصالح الوحدة، ولو شاء أمرها بأن تجعل نتيجته الانفصال !
فالصفوة الجنوبية الحاكمة الحالية من الحركة الشعبية لا علاقة لها بالأرض في الجنوب، فأموالهم في بنوك أجنبية، وأولادهم في مدارس خارج الجنوب، والموضوع بالنسبة لهم أجندة خارجية وطموحات شخصية! وهناك فريق آخر يرى أن مصر ومعها الدول العربية لم يلعبوا بعد بقوة بأوراق مهمة في الجنوب، وأن تأخرهم في إستغلال هذا ولو في الفترة المتبقية على الإستفتاء سيضر مصر قبل غيرها بهذا الإنفصال المرتقب.
ويقولون: إنه لا يزال هناك فرصة أمام مصر والعرب لتشجيع وإقرار الوحدة رغم أن أوراق مصر في السودان تأثرت كثيرًا لتأخرها في ممارسة دور بشأن الوحدة حيث كان جزء من تعامل مصر مباشرة مع الجنوب ولم يكن يمر عبر الخرطوم؛ الأمر الذي أعطى شعورًا لحكومة الجنوب بأن مصر راضية عما يجري، وكان يمكن لمصر أن تؤدي دورا أكبر من خلال التنسيق الكامل مع الخرطوم، بحسب ما يرى بعض الحزبيين السودانيين.
أوراق رابحة
أما بعض هذه الأوراق التي لم تلعبها مصر بصورة أقوى مع الجنوب، فتتعلق بالضغط على الجنوبيين الذين تعلموا في مصر، وبعضهم الآن في مراكز متقدمة جدًا في الجنوب في مختلف المجالات، وبممارسة دور آخر في التدخل لدى أمريكا والغرب ومناقشة خطر انفصال الجنوب على أمنها مباشرة وضرورة منعه ضمن سياسة تبادل المصالح بين الطرفين.
وبعبارة أخرى لا تزال مصر تستطيع أن تؤدي دورًا من خلال وضع يدها في يد السودان من خلال الأوراق الرابحة أو الخطوات العملية التالية:
مخاطبة وجمع المعارضة الشمالية وجعلها في مركب واحد مع الحكومة ضد الأخطار التي تحيط بالسودان وهويته الحضارية العربية الإسلامية في ظل إنفصال الجنوب المرتقب والتكالب الغربي والكنسي على الجنوب.
الضغط على حركات التمرد في دارفور والسعي لإنجاح مساعي الخرطوم في إبرام اتفاق سلام في الإقليم قبل استفتاء الجنوب لتنزع ورقة ضغط غربية على السودان والتنسيق مع ليبيا لإبقاء «خليل إبراهيم» هناك وتجميد نشاطه، مع تشجيع مفاوضات حركات التمرد في قطر بعيدًا عن التنافس مع «الدوحة» الصالح الأمن القومي العربي.
الحديث المباشر مع الولايات المتحدة ويمكن لمصر أن تمارس هذا الدور لصالح السودان؛ لأن الموقف الرسمي الأمريكي ليس مع الانفصال خشية تضرر مصالحه هناك، وخلق بيئة صحية لانتشار تنظيم «القاعدة»، ولكن جماعات الضغط الأمريكية والصهيونية استطاعت أن تشكل اتجاهًا يؤيد فكرة انفصال الجنوب رغم أن ما يخرج من المؤسسات الرسمية الأمريكية يؤكد أن الجنوب لن يكون منطقة آمنة.
ولا ترغب واشنطن رسميًا في انفصال الجنوب؛ لأن هذه المنطقة التي تمتد مع حزام الصومال وكينيا وأوغندا وإثيوبيا ملتهبة، ولو اشتعلت ستحرق كل منطقة البحيرات وأول من سيدفع الثمن هو الغرب وأمريكا لأن هذا هو الممر الآمن حاليًا لمرور النفط، وهم يبحثون الآن عن ممر بديل، لكن توفيره يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل، وبالتالي فهذه المنطقة مهمة جدا لهم.
الحوار الجنوبي الجنوبي الذي جرى بمدينة «جوبا» في شهر أكتوبر الماضي أعطى إشارة مهمة هي الاتفاق على أنه في حال الانفصال رسميًا، وبعد ستة شهور من استفتاء ٩ يناير ۲۰۱۱م، وتحديدًا في 10 يوليو ۲۰۱۱م، يتم تشكيل حكومة قومية برئاسة سلفاكير، وحل الجيش الشعبي وتكوين جيش قومي.
وهاتان القضيتان سوف تحركان الجنوب في اتجاه الوحدة، فالجيش الشعبي (جيش قبيلة الدينكا بالدرجة الأساسية) حينما يدرك أنه سيتم حله لتشكيل جيش قومي في الجنوب من كل القبائل الجنوبية، فهذا معناه عزل قادة كبار في هذا الجيش وفي الحركة الشعبية في ١٠ يوليو، وهو ما سيدفع هذه القيادات التي ستجد نفسها خارج الحسابات إلى إعادة الكثير من أوراق اللعب وتغيير توجهها «الانفصالي» لصالح «الوحدة» على أمل أن تستمر الحركة الشعبية في السلطة والجيش ويمكن أن تستفيد مصر من هذا الحوار الجنوبي وتعزيز هذا التوجه الوحدوي.
مبادرات متلاحقة
ويبدو أن القاهرة تدرك مع اقتراب موعد الاستفتاء أن تدخلها هذه المرة يجب أن يكون قويًا، وبهدف تلافي أخطار وقوع حرب بين الشمال والجنوب تؤثر على أمنها القومي أو ظهور دولة انفصالية تشكل خطرًا على أمنها المائي الحيوي الذي هو خط أحمر.
وهذا ما يفسر الزيارات المكوكية لوزير الخارجية أحمد أبو الغيط، ورئيس جهاز المخابرات العامة الوزير عمر سليمان لشمال وجنوب السودان ثم واشنطن وغيرها من اللقاءات، وطرح مبادرات متلاحقة لتلافي ضرر الانفصال، مثل تأجيل الاستفتاء لحين التوصل إلى حلول لكل المشكلات العالقة أو فكرة «الكونفدرالية» للإبقاء على شعرة معاوية بين أوصال السودان التي سيقطعها الاستفتاء.
أيضًا بدأت مراكز بحثية قريبة من الأوساط الرسمية المصرية - مثل مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية - تطرح بدائل ما بعد انفصال الجنوب، تتعلق أكثر بالتركيز على بناء حائط صد جديد لحماية أمن مصر من الجنوب، ولكن هذه المرة في شمال السودان، فضلًا عن طرح خطط مثل خيار الكونفدرالية؛ لتخفيف حدة هذا الانفصال، وتوفير أجواء هادئة تمنع الاقتتال بين الشمال والجنوب.
نظرة أخرى
ومن ذلك ما طرحه رئيس المركز بصحيفة «الأهرام» في 8 نوفمبر ۲۰۱۰م بعنوان نظرة أخرى على المسألة السودانية يطرح فيه فكرة أن يكون شمال السودان أو دولة السودان الشمالية، مركز حركتنا الإستراتيجية والتنموية، دون أن يعني ذلك أبدًا تناقضًا بالضرورة مع الجنوب الذي سوف تظل لمصر روابط ووشائج فيه .
أما أسباب دعوته إلى التركيز على شمال السودان، فهي:
أن حقيقة الجوار الجغرافي المباشر تفرض نفسها سياسيًا وإستراتيجيًا علينا؛ لأن دولة السودان الشمالية سوف تكون دولة المعبر ليس فقط للمياه بل أيضا لحركة اللاجئين والأفكار المتطرفة.
أن دولة السودان الشمالية هي من الناحية الجغرافية ممتدة في العمق الأفريقي القريب من منابع النيل، والواقع على نقاط التماس المباشر مع الدول الأفريقية الصديقة.
أن شمال السودان، والذي تزيد مساحته بكثير عن مساحة مصر، يحتوي على إمكانات زراعية واقتصادية هائلة تحقق تكاملًا طبيعيًا مع الطاقة الصناعية المصرية.
وختام القول إن المطلوب من مصر تكثيف حركتها لإنقاذ أمنها القومي، وأمن البوابة الجنوبية العربية القومي، الذي يشهد تكالبًا أمريكيًا وصهيونيًا كبيرين وحسنا فعلت بتكثيف تحركاتها عبر الوزيرين «أبو الغيط» و «عمر سليمان»، بخلاف ما هو غير معلن.. فإذا لم تتحرك بسرعة وتمارس هذا الدور بقوة وحسم، كما توحي تحركاتها حاليًا، فستدفع ثمنًا غاليًا لانفصال الجنوب.
الرابط المختصر :