العنوان خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد في: افتتاح المجلس الوطني
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990
مشاهدات 57
نشر في العدد 974
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 17-يوليو-1990
يوم الإثنين 17 من ذي الحجة 1410 هـ الموافق 9 من يوليو 1990 م ألقى
سمو أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد كلمة في افتتاح المجلس الوطني هذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. إخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعون من الله تعالى وتوكل عليه نفتتح المجلس الوطني. ولقد جاء مجلسكم
الموقر ثمرة طيبة لحوارات مكثفة مع مختلف فئات الشعب، وبه نفتح صفحة من التعاون
التشريعي والتنفيذي للنقلة النوعية في التسعينات، ولتمهيد الطريق أمام الغد
المأمول للحياة النيابية.
ويسعدني في هذه المناسبة أن أهنئ النواب المنتخبين على ما أولاهم
الشعب من ثقة، وأن أشكر النواب الذين اختيروا للمشاركة في حمل الأمانة. وأن أبعث
بشكري لجميع الإخوة المرشحين والمواطنين الذين شاركوا في الحوار الوطني وأعطوه
حيوية ووزنًا واتساعًا، وسعوا في ظلال إيمانهم وبصادق وعيهم بمسؤولياتهم إلى
صناديق الاقتراع، يسجلون أصواتهم، دون أن يصرفهم عن الواجب الوطني تردد أو فتور
همة أو شدة حر.
وشكرًا للجهود التي بذلتها الحكومة السابقة في حمل مسؤولياتها وفي
إدارة الحوار الوطني، وفي الإعداد لعملية الانتخاب والإشراف على مراحلها، ولكل من
قام بدور في التيسير على المواطن ليؤدي واجبه الانتخابي، حتى جاءت النتائج التي
نلتقي اليوم في رحابها، متمنيًا للجميع التوفيق والنجاح.
إخواني إن من فضل
الله تعالى أن أرى أمامي اليوم جيلًا جديدًا من أبناء الكويت يتقدم مع المجلس
الوطني والوزارة الجديدة؛ ليشارك في حمل المسؤوليتين التشريعية والتنفيذية في أكبر
تجمع تشهده الكويت، وهو ثمرة جيل من الآباء له كل الإعزاز والتقدير. وهكذا تبدو
أجيال الكويت في تواصلها وتعاونها؛ كروض طابت أصوله وفروعه، وأينعت زهوره وثماره.
إخواني إن الفكرة
المحورية في المجلس الوطني أن يكون الأرض الصالحة لمراجعة تجارب الحياة النيابية،
والمشاركة في بناء الحاضر، ورسم إطار المستقبل. وهذه دعائم ثلاث في مسيرة الكويت.
إن الماضي هو تجاربنا، نحن صنعناها ونحن نطورها بإرادتنا، وفق صالح
مجتمعنا. وإن تقييم الجهد المبذول في مرحلة سبقت هو الذي يدعو إلى الصعود به إلى
مستوى أفضل، فالمراجعة تطوير مستنير.
أما الحاضر فأود أن تكون في مجلسكم الموقر قوة الجذب التي تجمع ولا
تفرق، والتي تستطيع مع تنوع ثقافاتها، والتكامل بين الأعضاء والتعاون مع السلطة
التنفيذية، تستطيع بهذا كله أن تنظر إلى قضايا الحياة من زوايا متعددة لها هدف
كبير هو صالح الكويت في الأمن والاستقرار والتقدم. وإن في طرح الأفكار الإيجابية
المدروسة وتفاعلها، ما يمنح حواركم حيويةً ونموًا.
إن هدف الحوار ليس انتصار فكر على فكر، وإنما انتصار التقدم ذاته،
والصعود به إلى آمال المستقبل.
وأنتم مدعوون إلى العناية بالغد: ففي حياتنا المعاصرة لم يعد تخطيط
المستقبل تطوعًا ولا اختيارًا، وإنما هو فريضة الحياة لمن أراد الحياة. وإن
التخطيط الشامل كيان له رأس تفكر وتطور، وعينه على المستقبل، وله قلب نابض
بالحيوية، وأقدام يسعى بها على أرض الواقع، ويد قادرة على ترجمة الفكرة إلى إنجاز
ملموس.
إن التخطيط حق المستقبل على الحاضر، وعطاء الحاضر للمستقبل. واذكروا
وأنتم تحملون مسؤوليات المراجعة والمشاركة والتخطيط أن الفجوة العلمية بين الدول
تشتد خطورتها كلما اتسعت، وإن علينا أن نختصر الوقت بمضاعفة الجهد؛ حتى نلحق
بالركب الحضاري في إيقاعه المتسارع.
إخواني إن المسؤولية
النيابية تحتاج إلى الكثير من الحكمة والمصابرة، وتحري أنسب القرارات لصالح الوطن،
في تشاور ولين جانب، مع حسن الإفادة من الوقت والترفع عن الصراعات الشخصية
وحساباتها، وإن حاولت التستر برداء المصلحة العامة.
بهذا جميعًا تؤتي أعمالكم ثمارها، وتصبح قيمة مضافة إلى الحياة
النيابية، تزيد معالم الطريق وضوحًا، وترسي تقاليد كريمة في أخلاقيات الجهد
الجماعي، يتأسى بها الجيل الجديد، وتزيده ثقة في المستقبل.
إخواني لقد عشنا في
هذا الوطن العزيز نبنيه من الداخل بيد، ونحمل مسؤولياتنا الخارجية باليد الأخرى.
إن عيوننا وقلوبنا مشدودة على ما يجري في أرضنا المحتلة في فلسطين، والتي يتمثل
فيها وجهان: أنبل الوجوه في الكفاح الشريف من أجل الوطن وأرضه وتاريخه ومستقبله،
وأشرس الوجوه في محاولة إزهاق الحق وإخراج أهله من ديارهم. ولا زال الوجه الشرس
يلقى العون البشري والمادي من قوى كبرى، ولا ينال الوجه النبيل منهم إلا وعودًا لا
رصيد لها في عالم الواقع. ولا يملك صاحب الحق إلا الصمود مستمدًا قوته من إيمانه
بربه ووطنه، ومن عون إخوانه، ومن تأييد عقول وقلوب تناصر حقوق الإنسان قولًا
وعملًا.
وعسى أن يفرغ الإخوة العرب والمسلمون من خلافات تستنزف قواهم وتعوق
مسيرتهم؛ ليصبحوا في تماسكهم وتراحمهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وإن أملنا في
لبنان أن تزداد خطواته ثباتًا على طريق الوحدة الوطنية؛ ليعود إلى سابق عهده في
الأمن والاستقرار واجتماع القلوب. وإننا لننظر بتفاؤل إلى المرحلة الجديدة من
العلاقات بين الجارتين المسلمتين العراق وإيران، والتي تستهدف إقامة سلام دائم
بينهما، تتوثق به روابط الإخاء والتعاون على التقدم، هذا التعاون الذي لن تقتصر
آثاره الطيبة عليهما وحدهما، وعلى المنطقة فحسب، بل ستمتد بعون الله تعالى إلى
العالمين العربي والإسلامي.
وإننا لنأمل في التسعينات أن تزداد خطوات مجلس التعاون الخليجي
اتساعًا وثباتًا، وأن تنعكس آثارها الطيبة على دول المجلس وشعوبها، كما نتمنى لدول
مجلس التعاون العربي ولاتحاد المغرب العربي كل نجاح وتوفيق في خلال هذا العقد.
وما زلنا نتابع الجهود بحكم مسؤولية الكويت عن رئاسة الدورة الخامسة
من منظمة المؤتمر الإسلامي في حل الخلافات بين المسلمين والحفاظ على حقوق الأقليات
الإسلامية بالمودة والكلمة الطيبة، وكان فضل الله علينا عظيمًا.
إخواني إذا كان من
قدر الله تعالى أن تعصف الزلازل بشمال إيران ويذهب ضحيتها الألوف من المواطنين،
وأن يختار الله سبحانه إلى جواره جمعًا من حجاج بيت الله الحرام في حادث النفق
الأليم، فإننا نستودع الضحايا عند رب لا تضيع عنده الودائع. ونسأل الله لهم واسع
الرحمة، ولأهليهم الصبر وخالص العزاء واللطف في القضاء. ولقد كانت قوة الأحداث
سببًا في بروز روح التعاون الإسلامي والعالمي، وأظهرت المعدن الأصيل الذي غشيته
الخلافات حينًا من الدهر، هذا المعدن الذي نرجو له دوام القوة والدفع إلى المزيد
من الترابط والتعاون.
إخواني إن الكويت
تحمل مسؤولياتها الداخلية والعربية والإسلامية والدولية، معتمدةً على الله تعالى
واثقةً أن أبناءها على عهد الوفاء قائمون، وأن من يعيشون في رحاب هذا الوطن السمح
يجمعهم ود، يعبرون عنه بالعمل المنتج وتآلف القلوب.
وإن من فضل الله علينا أن دعم خطوط الاتصال التي تحمل الإخاء والعون
بيننا وبين إخواننا في مناطق الشدة والبأس والحاجة، وأن سعينا الدائب إلى الصداقة
والسلام ملامح أساسية في حياتنا وسياستنا، وإنها تعبير حي ومستمر عن مواريث أصيلة
وواجبات متجددة. وإن قدرتنا على الوفاء بهذا جميعًا تقتضي منا زيادة العناية
بتنمية الإنسان الكويتي وتحصينه بالإيمان والعلم والتقنية. إن تطوير الحياة مستمر
ما استمرت الحياة، وحياة الكويت ممتدة نامية، وأنفاسها طيبة ترددها أجيال متتابعة
متعاونة، أنتم لها صورة ومرحلة وأمل.
إخواني وفي الوقت
الذي يستبشر فيه العالم خيرًا باتفاق الشرق والغرب على إنهاء الحرب الباردة، ودعم
التعاون الاقتصادي بينهما، نخشى أن تكون دول العالم الثالث هي الخاسر الأكبر في
هذا الاتفاق. وللأسف فقد بدأت المساعدات التي كانت تصل إليها تسلك طرقًا جديدة، لا
تخرج عن دائرة الشمال المتقدم. وبدأت الأزمات والصراعات والمشكلات تزداد في
الجنوب، والذي ستجد فيه شركات بيع الأسلحة أسواقًا رائجة لبضائعها لاستنزاف موارده
على حساب التنمية التي يحتاج إليها. وكأن المعادلة أصبحت: تقدمًا وسلامًا في
الشمال، وتخلفًا وحروبًا في الجنوب.
إننا نعيش في عالم يعاني من انفصام الشخصية. ونود أن تستقبل الإنسانية
عالمًا غير مشطور، نلتقي فيه جميعًا على صعيد الإخاء، متحررين من الإطار الذي يرى
الشمال قمةً وصفوةً قادرةً، ويرى الجنوب قاعًا مقدورًا عليه.
وليس أمام شعوبنا إلا الطريق الجاد والطويل. فالتقدم ليس هدية ولا
منحة، وإنما هو ثمرة غالية تنالها الشعوب بالجهد العلمي والتقني المنظم. وعلينا أن
نقتحم العقبة؛ لنجعل من آمال يومنا حقائق غدنا.
إخواني في ختام كلمتي
أود أن نتذكر جميعًا: أن قلب الكويت كبير، وأن يديها مبسوطتان تضمان أبناءها
جميعًا إلى صدرها في إخاء كريم، هو قبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10).
إن الكويت ليست لأسرة أو فريق أو طائفة؛ إنها كويت جميع الكويتيين،
يستوي في هذا من يعيشون على مشارف حدودها أو في وسطها، فلكل منهم حق وعليه واجب،
وكلهم عن الكويت مسؤولون.
أدعو الله أن يكون المجلس الوطني لتقدم الكويت عونًا ونصيرًا، وأن
تكون إنجازاته لآمال المستقبل سراجًا منيرًا.
وفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل