; المجتمع التربوي (العدد 1202) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1202)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 54

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 52

الخميس 06-يونيو-1996

خطبة الجمعة نبض الأمة

بقلم: د. سالم سحاب[1].

كان من حكمة العليم الخبير أن يقرر للدين الحق خطبة الجمعة جزءًا لا يتجزأ من شعيرة صلاة الظهر في هذا اليوم الجليل، وحتى مع تحليق كثير من هذه الخطب بعيدًا عن علم الواقع، وبعيدًا عن حاجات الناس وهمومهم، وبعيدًا عن آلامهم وآمالهم، وقريبًا من توجهات الحكام ورغباتهم، مع كل هذه التجاوزات فلا تزال في الأمة المصطفاة نخبة من الخطباء الذين يدركون تمامًا أهمية الكلمة التي تخرج من أفواههم، وعظم الأمانة الملقاة على أكتافهم، فما فرض على الناس حضور هذه الخطبة إلا لتكون معلمًا من معالم الطريق إلى الله -عز وجل- يبصرهم بواقعهم، ويربطهم بماضيهم، وينير لهم درب مستقبلهم.

خطبة الجمعة التي ألقيت في المسجد الحرام ظهر الخامس عشر من ذي الحجة نموذج لهذه الخطب الوضيئة، نموذج لكلمة الحق الصادرة من قلب مفعم بالإيمان ومشبع بحرارة الإخلاص (نحسب صاحبها كذلك ولا نزكيه على الله).

إنها بكل بساطة نبض الأمة في هذا الخضم الرهيب والظرف العسير، لقد صورت كلمات الشيخ ما يجول في خاطر كل من غلب على أمره، وكل من لا يقدر على الجهر بصوته، فضلًا عن إيصاله إلى من بيده الغلبة والقرار.

وهي نبض الأمة لأنها أسمعت كل من به صمم في أرجاء المعمورة ممن يدينون بدين الحق، وممن يرفضون كلمة الحق، لقد تجاوزت كلمات الشيخ حدود الأرض المقدسة لتصل إلى أولئك الذين ظنوا أن هذه الأمة قد أسلمت الروح فلم تعد تنكر منكرًا، ولا تبصر معروفًا، ذلك أن «سكوت الشعوب إلى أمد وضعت المظلوم إلى حين، وما يجري في الساحة لم يبق دارًا ولا جارًا، ولم يدع لأصحاب النوايا الحسنة مقالًا، استوى الراضون والرافضون».

بهذه الكلمات لخص الشيخ -جزاه الله خيرًا- حال الأمة المقهورة على أمرها، وهي تناظر ما يجري في الساحة من ابتذال رخيص لمقدرات الشعوب وكبريائها، وما يقدم من تنازلات ستتحمل الأمة أوزارها إلى أمد بعيد.

إنه ابتذال غير مسبوق وتنازلات غير مبررة يصفها العالم الجليل؛ إذ ينادي على بني أمته: «أي سلام لا يكون الحديث فيه إلا عن التفوق العسكري لطرف على حساب آخر؟ أي سلام يلتزم فيه القائم على رعاية السلام بتفوق طرف على آخر، أهو سلام الغلبة والتسلط والتهديد ضد كل من لا يرضى بهذا النوع من السلام؟، سلام يهدم البيوت، ويشرد من الديار، ويحاصر الشعوب، ويعتقل المئات، ويجعل رد الظلم من طرف إرهابًا، ومن طرف آخر حقًا مشروعًا، سلام تكون فيه الدماء رخيصة، والحقوق مهدرة، والأرض مستباحة، والبيوت غير محترمة، سلام يتخذ العقوبات الجماعية منهجًا، سلام ينقص السيادة، ويلغي الكرامة ويهين العزة».

«أي سلام تحول فيه المنطقة إلى منجم عمالة رخيصة، وإلى سوق استهلاكية مسلوبة الإرادة؟ سلام المراوغة واقتناص المكاسب الاقتصادية، سلام يثمر عنصرية وفقرًا وجورًا منظمًا، سلام من طرف لا يرضيه سوی فناء الآخر وهدم اقتصاده وتقطيع أوصاله».

وباسم شعوب هذه الأمة ينبه الشيخ أصحاب القرار من بني الإسلام فيقول متسائلًا: «هل الناس غفلوا أكثر مما ينبغي؟ وهل القوم استسلموا لوعود معسولة أكثر مما يجب؟ وهل تنازلوا أكثر مما يلزم؟».

وكلا الجوابين مهين فالغفلة مصيبة جرها الاستبداد والانفراد بالقرار، والتنازل كارثة وهوان لن يدوم طويلًا -إن شاء الله- إذ يبشر الشيخ «بغبار سينجلي عن رجال يقاومون الضلال بجلد، ويرفعون المظالم بمجاهدة، ولا يتخاذلون لغربة الحق إلى أن تنقشع الغمة، ويخرج الإسلام من محنته ناصع الصفحة، بل لعله أن يستأنف زحفه الطهور ليضم إلى قومه وإلى رجاله رجالًا، وإلى أرضه أوطانًا».

وويل آنذاك للغافلين والمستسلمين و المتنازلين، ويل لهم عندما تشرق شمس هذه الأمة على رجال «يتأففون من الهزائم النازلة، ويتوكلون على الله في دفعها، ومن حكمهم المأثورة استقبال الموت خير من استدباره، وهالك معذور خير من ناج غرور، والأيام حبلى والتاريخ له ألف عودة».

هنيئًا للأمة رجال يتحدثون بلسان الأباة فيها، ويصورون نبض الخوافق الصلبة فيها، لا يخشون في الحق لومة لائم ولا غضب فاجر، لقد طال صبر الشعوب على ما تراه من مسارح هزلية لم تترك لها كلمة تقال أو قرارًا يتخذ، فإذا هي تساق إلى سوق النخاسة كي يساوم على سكوتها وهوانها أبناء القردة والخنازير وعبد الطاغوت، ويوقع صك بيعها المرتزقة والأفاكون ممن باعوا آخرتهم بقليل من دنياهم على مرأى من الصليبية الحاقدة والحضارة الزائفة التي أبت إلا أن تشهد هذا الانهيار المربع لأبسط مبادئ الإنسانية والتحضر.

ويخطئ من يظن أن الشيخ جاوز المدى أو قال بما لم تجمع عليه الأمة من اعتراف بسوء الحال وضياع المهابة والمكانة، فما هي إلا كلمات حق تبدو ناصعة براقة؛ لأن ما حولها كثير من الباطل المنتفش، وما هي إلا جدال للغرب بالتي هي أحسن، بل هي دعوة له ليلجم باطله، ويرد بغي ريبته، ويثوب إلى رشده، ويحتكم إلى كلمة سواء جاء بها عيسى ومحمد ومن قبلهما سائر الأنبياء عليهم صلوات الله جميعًا.

حفظ الله لنا شيخنا العالم الفاضل صالح بن حميد، وسائر علمائنا الذين يعيشون فقه الواقع وصفحات الحقيقة، فلا ينشغلون عنها بالصغائر عن العظائم التي تحدق بالأمة وتتربص بها الدوائر.

إعداد: عبد الحميد البلالي

وقفة تربوية:

ثلاثة أسباب:

يقول الإمام ابن القيم: «دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثت شكًا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه» (الفوائد ص ٥٨).

هذه الأبواب الثلاثة التي تدخل الناس النار هي ذاتها أسباب ثلاثة تمنع الناس من الولوج بكل خير، كما أنها هي ذاتها الأسباب التي تدعو الكثير من الناس لمعاداة هذا الدين أو حملة هذا الدين، كذلك هي الأسباب التي تمنع الناس من الدخول والانتماء لهذه الدعوة المباركة، فإما أن تكون شهوة تمنعهم من الالتزام بمبدأ يعتقدون أنه سيقيد حرياتهم عن الانطلاق في عالم الشهوات، وإما أن تكون شبهة أو شبهات قد سمعوها من خصوم مبغضين لم يتثبتوا من صحتها، حتى غدت مسلمة من مسلماتهم، مما تجعلهم يشكون في زمرة الحق، وتمنعهم من الدخول معهم، أو غضب بسبب معاملة خاطئة من أحد الدعاة في لحظة من لحظات الضعف سببت غضبًا ممن أسيء له، حال دون تصديق أصحاب الدعوة وجعله يعمم ذلك الخطأ على الجميع، وبهذا تتحدد أدوار الدعاة مع الخائفين والمترددين من الدخول معهم بهذه العناصر الثلاثة، وذلك بإزالة الشبهات عن طريق الإقناع والحوار، وتبين خطورة الشهوات المؤدية للحرام، وإثبات خطورة وخطأ التعميم بالتعامل الأخلاقي بما يتناسب مع دورهم كدعاة ومنقذين وقدوات في المجتمع. 

                     أبو خلاد

[1] أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز – جدة 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

69

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

يوميات المجتمع (34)

نشر في العدد 455

59

الثلاثاء 04-سبتمبر-1979

مداخل الشيطان.. الغضب