العنوان خطة توريط دولية لتركيا في شمال العراق
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 56
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 11-أبريل-1995
* البارزاني يستقوي بالأتراك على الطالباني.. وعمر سوريس يقترح ولاية الموصل.
* عرقلة دخول تركيا الوحدة الجمركية وإضعافها اقتصاديًّا، وتعميق الشعور القومي الكردي أهم أهداف التوريط.
تشير تطورات عملية «الشفق» التي قامت القوات التركية تحت اسمها بغزو شمال العراق بـ ٣٥ ألف جندي يوم ۲۰ مارس الماضي، والتي أصبح اسمها حاليًا الحركة الفولاذية، إلى أن الأهداف المعلنة ليست هي الحقيقية للقيام بتلك العملية التي وصفتها تانسو تشيللر- رئيسة الوزراء التركية- بأنها الأكبر في تاريخ الجمهورية التركية منذ قيامها عام ١٩٢٤م.
إذ يبدو أن هناك خطة دولية لتوريط تركيا في مستنقع شمال العراق لتحقيق هدفين:
الأول: عرقلة دخولها الوحدة الجمركية، والتي تم توقيع الاتفاق بشأنها بينها وبين الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي، وهو ما هددت به ألمانيا علنًا، والتي فرضت حظرًا على تركيا من جانبها بسبب عملية الغزو.
الثاني: هو إضعاف تركيا اقتصاديًّا، إذ أن العملية ستتكلف ٢ مليار دولار، وفي حالة الاستمرار والبقاء مدة أطول- وهو الأمر المتوقع- فإن الإنفاق سيكون أكثر، علاوة على أن الآثار الاقتصادية للحروب لا تظهر بشكل جلي إلا بعد انتهائها، وكذلك إظهار تركيا بمظهر الدولة الغازية، والتي تهدد الأمن الإقليمي في المنطقة مما سيعمق الشعور بالعداء نحوها، وبالتالي لا يمكنها إعطاء ظهرها للغرب، والتوجه إلى نطاقها الإقليمي للتعاون معه، فالغرب يخطط أن تبقى تركيا- هكذا- غير محددة الهوية والاتجاه؛ لتظل حائط الصد فيما بين العالم الإسلامي والغرب.
أهداف خطة التوريط
كما أن الغرب يستهدف من توريط تركيا في تلك الحرب تعميق الشعور القومي لدى الأكراد- سواء في تركيا أو العراق- ووضع القضية الكردية على جدول الأعمال الدولية بزعم حقوقهم الإنسانية- وهو الأمر الذي يجب أن نعترف به- إذ أن الأكراد من الشعوب المظلومة بسبب عاملي التاريخ والجغرافيا، وبالتالي ضرورة البحث عن حل للمشكلة الكردية، فإذا كان قد تم إقامة منطقة آمنة شمال العراق شمال خط عرض ٣٦ بعد قيام قوات صدام حسين بمهاجمة الأكراد بوحشية، وهي المنطقة التي تقوم القوات التركية حاليًا بعملياتها فيها، فإنه من الممكن أن يتم عمل ذلك جنوب شرق تركيا- المنطقة الكردية- لحماية السكان الأكراد، مثلما حدث في شمال العراق، على أن يتم مستقبلًا أيضًا تنفيذ ذلك في شمال شرق إيران دون أن يتم إعلان دولة كردية، إذ أن الهدف الدولي من توظيف الورقة الكردية لا يعدو أن يكون أحد عوامل الضغط والتركيع على دول المنطقة، وضمان دورانها في الفلك الغربي، إذ ستبقى ظلال معاهدة سيفر، والتي اعترفت بحق الأكراد في تقرير مصيرهم، وهو ما تم نسخه في معاهدة لوزان إرضاءً لمصطفى كمال الذي ألغى الخلافة الإسلامية في تركيا، ستبقى إحدى وسائل تدجين تلك الدول القومية، فهناك محاولات لإحياء سيفر، وبالتالي إعادة رسم الحدود من جديد، ليس بهدف التجاوب مع حقوق الإنسان، ولكن لتوظيفها في خدمة المصالح الغربية.
الخدعة الغربية
فالغرب الذي يعارض العملية العسكرية في شمال العراق، كان يعلم بالتحرك التركي قبل أن يتم، إذ العالم أجمع كان يعرف أن القوات التركية ستغزو شمال العراق، بل إن قوة المطرقة «الانتشار السريع» كانت تقدم لتركيا صورًا ومعلومات حول تحركات حزب العمال الكردي هدف العملية، ومرت القوات التركية من أمامها، بل ما وقفت قوة المطرقة طلعاتها الاستطلاعية في الأيام الأولى لعملية الغزو، رغم أن هدف وجود تلك القوة منع صدام حسين من ضرب الأكراد، ولكن يبدو أن هناك فرقًا بين أكراد العراق وأكراد تركيا- دليل على الانفصامية السياسية-.. والسؤال الهام هنا هو: لماذا لم يتم معارضة ذلك قبل بداية العملية؟ وهل كان قول كلينتون الرئيس الأمريكي لتانسو تشيللر- رئيسة الوزراء التركية- في المحادثة الهاتفية قبل القيام بالغزو توريطًا لها، مثلما فعلت السفيرة الأمريكية بصدام حسين قبل غزوه الكويت، إذ أن كلينتون لم يعارض العملية، بل قال لها: ولكننا لا نريد إضرارًا بالمدنيين، وهي إشارة بالموافقة على الغزو بشرط عدم إحداث أضرار بالمدنيين؛ لتكون تلك الجملة الأخيرة هي السوط الذي تستخدمه واشنطن لجلد أنقرة، وطلاء لتجميل وجهها السياسي أمام الرأي العام العالمي، فليست هناك حرب بدون أضرار تطول المدنيين حتمًا.
بل إن كلاوس كيفكل- وزير الخارجية الألماني- الذي أقام الدنيا ولم يقعدها بعد بسبب الغزو التركي لشمال العراق، لم يعارض العملية بشكل قطعي عندما كان يزور أنقرة ضمن وفد الترويكا بعد بداية العملية بيومين، إذ سألها كينكل- وفقًا لما نشرته «حریت» يوم 27/3/1995م- متى تنسحبون؟ قالت: تفضلوا، أحضروا جنودكم، وحققوا لنا الأمن على الحدود، وأنا أسحب جنودي خلال ساعة واحدة، فرد کينكل قائلًا: لن تكون قوة عسكرية من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، عند ذلك قالت تشيللي: «ما دام الأمر كذلك، فلتتركونا نحل المشكلة وفقا لما نراه مناسبًا، وسننسحب فورًا بعد ذلك، إنني لا أريد إضافة أعباء مالية على كاهلنا، ونحن نعاني من مشاكل اقتصادية كبرى، ولكنني في الوقت ذاته لا أريد أن أرى أي إرهابي، أو حتى طائر واحد يخترق حدودنا».
فالدول الغربية شاهدت القوات التركية تدخل عدة مرات شمال العراق، وفي إحدى المرات كان عدد الجنود الأتراك حوالي ٢٠ ألفًا، ولم تعارض، فما الذي حدث هذه المرة؟ إذا ما استبعد الموقف اليوناني الذي طالب الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف ضد الغزو على أساس أن هناك عداء مستحكمًا بين تركيا واليونان، فالهدف واضح من كل تلك الضجة المثارة ليس حماية الأكراد من تركيا في شمال العراق؛ لأن ما يحدث في جنوب شرق الأناضول حاليًا أشد فتكًا، إذ يقوم أكثر من ١٥٠ ألف جندي بعمليات واسعة النطاق ضد عناصر حزب العمال الكردي هناك منذ بداية إبريل الجاري، فالهدف هو ممارسة الضغوط على تركيا، وتشويهها أمام الرأي العام العالمي.
التقاعس الإقليمي
بل إن إيران التي أيدت العملية في بدايتها، إذ أبلغ الرئيس التركي دميريل نظيره الإيراني بها هاتفيًّا، كما صرح السفير الإيراني في أنقرة يوم 21/3/1995م- بعد قيام الخارجية التركية باستدعائه لإبلاغه بأهدافها- بأنه يتمنى النجاح للقوات التركية، تراجعت عن ذلك التأييد وفقًا لما أذاعته وكالة الأناضول يوم 3/4/1995م ، بأن طهران أبلغت أنقرة عبر سفير الأخيرة لديها، بضرورة سحب قواتها من شمال العراق، وإنهاء العملية العسكرية التي تقوم بها، لما في ذلك من خطورة على وحدة الأراضي العراقية وعلى المدنيين.
أما سوريا التي لم تنبس ببنت شفة عند عملية الغزو، لم تبد قلقها من التوغل التركي في شمال العراق إلا يوم 2/4/1995م، عندما اتصل أردال إينونو- وزير الخارجية التركي- بنظيره السوري فاروق الشرع.
وبالتالي يتضح أن هناك ثمة مؤامرة لتوريط تركيا في شمال العراق، شاركت فيها الأطراف الدولية والإقليمية، بغض الطرف عنها في البداية، ومحلية في العراق سواء من قبل نظام بغداد الذي لم يعارض العملية التي تمت بناء على اتفاق سري بينه وبين أنقرة، والذي أدانها بعد عدة أيام في محاولة لتجميل وجهه، أو من قبل مسعود البارزاني- زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني- الذي تتم العملية العسكرية في مناطق نفوذه، إذ اجتمع مع قائد الجندرمة التركي في سلوبي في فبراير الماضي، وتم إخباره بنية تركيا القيام بالعملية- وإن كان ينفي ذلك حاليًا- والتي ستضعف عدوه التقليدي جلال الطالباني- زعيم الحزب الوطني الكردستاني- حتى ولو أصبح البارزاني مثل أنطوان لحد اللبناني الحارس الإسرائيلي، ويكون بذلك حارسًا لأمن تركيا، بل إن عمر حيدر سورش- زعيم حزب المحافظين الأكراد، والذي نصح القوات التركية بالانسحاب بسرعة حتى لا تتعرض لموقف مشابه لما حدث للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان- اقترح في تصريحات لصحفية ملليت التركية يوم 1/4/1995م، إحياء فكرة ولاية الموصل، وإقامة كونفدرالية مع تركيا، مما يعني تقسيم العراق، وإخضاع الأكراد والتركمان والعرب والأقليات التي تعيش في شمال العراق لتركيا.
وتركيا كانت على ثقة بأنه ليس من المنطق القيام بحملة عسكرية قوامها ٣٥ ألف جندي لمواجهة ٢٥٠٠ من عناصر حزب العمال الكردي، خاصة وأنه لم يتم القضاء إلا على ۲۰۰ كردي خلال أسبوعين وفقا للأرقام التركية الرسمية.
ولكن الهدف غير المعلن هو تأكيد هيبتها الإقليمية، وفتح الطريق أمام كونفدرالية الموصل، أو الضغط باتجاه إعادة سلطة بغداد لشمال العراق، وهو الأمر المرفوض دوليًّا حاليًا، ليتمكنا معًا من سحق الأكراد، فجميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية وظفوا الورقة الكردية لتحقيق أهداف ومصالح متباينة، ليس من بينها مصلحة الأكراد، لأنهم لو كانوا يريدون خيرًا بالأكراد لأقاموا لهم دولة.