; خطة دايتون انقلبت على عباس | مجلة المجتمع

العنوان خطة دايتون انقلبت على عباس

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007

مشاهدات 62

نشر في العدد 1757

نشر في الصفحة 14

السبت 23-يونيو-2007

سيتذكر الفلسطينيون يوم الرابع عشر من يونيو ۲۰۰۷م كتاريخ تحررت فيه غزة من مليشيات فتح وعباس التي عملت تحت عين الاحتلال على مدار (۱۲) عامًا، ارتكبت خلالها جرائم سياسية بحق القضية الفلسطينية، وجرائم أمنية بحق المجاهدين، وجرائم فساد بحق الشعب الفلسطيني.

«المجمع» عايشت عملية خلاص غزة من كابوس الفساد والخيانة

  • حماس تعثر على ملفات أمنية خطيرة تكشف التنسيق بين أمن عباس والاحتلال.

  • الناطق باسم القسام «أبو عبيدة»: وجدنًا سبع جثث ماتت تحت التعذيب.. ووثائق خيانة فتح لجهاد الفلسطينيين.

  • «خالد أبو هلال»: ما حدث في قطاع غزة خطوة في الاتجاه الصحيح لتطهير القطاع من بؤر الفساد والخيانة.

  • أحد المحترقين بنار «الوقائي»: هذا المقر اللعين لم يسلم منه أحد من أبنائي وأحفادي طوال عشرة أعوام.. فقدت فيه (١٧) من عائلتي.

  • واشنطن وتل أبيب بدأتا خطط تخفيف الحصار عن الفلسطينيين؛ دعمًا لعباس في مواجهة حماس.

     المواطنون تركزت أحاديثهم على تناقل شهاداتهم حول تفاصيل المعارك من جانب، وتوقع ما هم مقبلون عليه غدًا في ظل الحصار الاقتصادي والتفسخ السياسي والحكومي، بعد إعلان الرئيس محمود عباس إقالة حكومة هنية وتشكيل حكومة طوارئ برئاسة سلام فياض..

      حماس سيطرت على غزة بعد أن قررت الحسم العسكري ضد مليشيات فتح التي قتلت العلماء والأئمة وحفظة كتاب الله، وعندما تحركت كتائب القسام سقطت الأجهزة الأمنية كأحجار الدومينو.

شهادة فتحاوية: حماس لم تقاتل فتح

      وفي إطار من الشفافية في التقييم السياسي اعتبر الناطق باسم وزارة الداخلية والقيادي في حركة فتح «خالد أبو هلال» أن ما حدث في قطاع غزة خطوة في الاتجاه الصحيح ولصالح حركته وليس العكس، ووصف ما حدث بأنه «عملية تطهير القطاع من بؤر الفساد والخيانة التي كانت تتسلط على قرار حركة فتح».

       وقال أبو هلال: «أعتقد أن هذا الوقت هو ميلاد جديد لحركة فتح، بعد أن اختفت كل الأصوات والقيادات الفاسدة والمنحرفة لتفسح المجال الآن لصوت الأحرار والشرفاء من قياداتها وعناصرها في غزة». 

    وتوقع «أبو هلال»: أن العلاقة بين حركة فتح في غزة وفتح في الضفة ستشوبها بعض التعقيدات مستدركًا، لكن «أعتقد أن إفرازات الواقع الجديد لحركة فتح في غزة قد تمهد لمرحلة جديدة لتطوير وضع حركة فتح». وأشار إلى وجود ما وصفه ببعض أوكار الفساد والخيانة في الضفة الغربية المحتلة، منوهًا إلى أن هذه الشريحة محدودة وقليلة لكنها مؤثرة.

     وأضاف: «هناك بعض أوكار الفساد والخيانة في الضفة الغربية، وهذه شريحة محدودة وقليلة العدد، ولكنها مؤثرة لأنها تتحرك بحماية من الاحتلال الصهيوني وبدعم منه، لذلك صوتها مرتفع وتأثيرها واضح في الحياة الفلسطينية». 

الهروب

      بعد إعلان كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس سيطرتها الكاملة على مقرات الأجهزة الأمنية الرئيسة والفرعية في قطاع غزة، وعزمها ضبط الأمن الداخلي والتصدي بحزم لمظاهر الفوضى والفلتان الأمني، أعلنت حماس عفوًا عامًا عن جميع قادة الأجهزة الأمنية وقادة فتح المتهمين بقيادة تيار الخيانة المعتقلين لديها.

      ويأتي ذلك في الوقت الذي فر آخرون إلى الكيان الصهيوني والأراضي المصرية ومن ثم إلى الضفة الغربية، وكان آخرهم الناطق باسم حركة فتح في قطاع غزة ماهر مقداد دون أن يعلن عن الجهة التي قدم منها أو الطريقة التي هرب بها.

      وقال أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام: «هؤلاء الذين قادوا الأجهزة الأمنية التي نغصت حياة الشعب، وحاولت تطبيق الخطة الأمريكية الصهيونية بالقوة- معتقلون الآن في قبضة القسام»، لكنه أضاف: «إن روح الإسلام تحتم عليهم العفو على كل من تمكنا من اعتقاله، وتم الإفراج عنهم، عن طريق أحمد حلس القيادي في فتح».

      وكانت كتائب القسام أعلنت عن اعتقال تسعة من أبرز قادة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة ممن تتهمهم الحركة بقيادة «التيار الانقلابي» بعد فرض سيطرتها الكاملة على كافة المقار الأمنية الرئيسة والفرعية، كان من بينهم العميد جمال كايد قائد الأمن الوطني، والعميد مصباح البحيصي القائد العام لحرس الرئاسة، وحمودة الشيخ علي نائب القائد العام لحرس الرئاسة، وتوفيق أبو خوصة الناطق باسم حركة فتح، وماجد أبو شمالة أمين سر حركة فتح في قطاع غزة، وعبد العال الغول أحد كبار مسؤولي حرس الرئاسة، ودرغام صبري البحيصي المسؤول في حرس الرئاسة، ومحمد البحيصي مسؤول جهاز الاستخبارات.

     كذلك فقد أمنت قوات السواحل الصهيونية تهريب نحو (۹۷) شخصًا من مجموعة قيادية تابعة لمحمد دحلان من شواطئ غزة إلى المياه الإقليمية المصرية بالقرب من شواطئ العريش، عبر مياه البحر الأبيض المتوسط، وأكدت صحيفة «معاريف» الصهيونية أن المجموعة التي تم تهريبها كانت تحمل (۲۰۰) قاذفة  «آر بي جي» و(٥٧) بندقية آلية.

تل الهواء البداية

       قصة اقتحام مقر الأمن الوقائي بدأت عندما ناشدت العديد من الأسر -عبر الاتصالات الهاتفية والإذاعات- كتائب الشهيد عز الدين القسام ضرورة التدخل الفوري لإنقاذ حياتهم وتخليصهم ممن استباحوا الحرمات إلى حد لا يطاق، فما كان من كتائب القسام إلا أن تدخلت بوحداتها الخاصة لنجدتهم، في منطقة تل الهوا المربع الأمني لدحلان وعباس.

     وكانت المواطنة «أم رمضان» الوكيل قد وجهت نداء عبر إذاعة الأقصى إلى كتائب القسام لنجدتها هي وزوجها وأبنائها بعد أن أحرق عناصر مما يسمى «تنفيذية فتح» منزلهم المكون من ثلاثة طوابق.

     وفي هذا السياق قال شهود عيان لـ«المجتمع»: لا نعرف حتى الآن كيف استطاع رجال القسام دخول المربع الأمني الخطير الذي تحيطه الأبراج التي يعتليها هؤلاء المنفلتون، ويقيمون بها حواجز الموت، وينشرون فيها المدرعات، ويسيطرون عليها بالكامل.

      وبعد انتهاء المدة التي حددها مجاهدو القسام للمجرمين بالاستسلام، سارعوا إلى اعتلاء بعض المنازل العالية، ونصبوا العبوات الجانبية، متركزين في مواقع متقدمة من تلك المقرات، ولم تكن السيطرة على جميع المقرات بمنطقة تل الهواء الهدف الأخير لكتائب القسام، حيث واصلوا زحفهم وتقدمهم نحو مقر الأمن الوقائي الرئيس بعد أن سيطروا على الأبراج المحيطة التي كانت تعتليها عناصر الأمن الوقائي.

      وهنا كانت المعركة الفاصلة للكتائب رغم أنهم جددوا مطالبتهم عبر مكبرات الصوت للمتحصنين داخل مقر الوقائي بضرورة تسليم أنفسهم، كما سمحوا لعوائلهم وذويهم بالتفاوض معهم لتسليم أنفسهم دون الدخول معهم في أي اشتباكات مسلحة. 

      أحد القادة الميدانيين لإحدى وحدات كتائب القسام الذي كان يدير الهجوم على مقر الوقائي من الجهة الغربية قال لـ«المجتمع»: تمنينا على المتحصنين داخل المقر تسليم أنفسهم قبل فوات الأوان، فنحن لم يكن هدفنا قتل أي منهم أو إراقة قطرة دم واحدة، وطالبناهم مرارًا وتكرارًا بتسليم أنفسهم، وآثرنا أن يذهب إليهم ذووهم لإخراجهم من المقر آمنين على أرواحهم، مؤكدًا أن كتائب القسام كانت تراعي أن بعض القادة الذين غرروا بهؤلاء العناصر المتحصنين كانوا يمنعونهم من الخروج وتسليم أنفسهم، ولذلك تم تأخير عملية الاقتحام لليوم التالي.

      وأشار القائد الميداني أنهم أجروا اتصالات عديدة مع بعض المتحصنين داخل المقر لكي يطمئنوهم على حياتهم إذا ما سلموا أنفسهم بدون سلاح، غير أن بعضهم هددوا من قبل قادتهم بالإعدام.

      وفي التفاصيل الأخيرة لاقتحام مقر الأمن الوقائي بدا المشهد وكأنه إجهاز بالكامل وحصار مطبق على من يطلقون النار من داخل المقر بشكل عشوائي يدلل على هستيريا أصابتهم من شدة ما رأوه، حيث كان يسمع داخل المقر إطلاق نار داخلي في بعض الغرف والأقبية الموجودة داخل المقر الأمر الذي تبين بعد ذلك أنها عمليات تصفية وإعدام متبادلة بين عناصر الوقائي المتحصنين، وذلك حسب شهادات من كانوا يعتلون الأبراج العالية المحيطة بالمقر.

     وقد تمكنت كتائب القسام من اقتحام المقر بسرعة، الأمر الذي بدا سهلًا بعد أن وجدوا الكثير منهم يرقد على ركبتيه بانتظار أن يصل القسام لتخليصهم من عملية الإعدام التي نفذها قادتهم بحق زملائهم. 

       وبعد مطاردة سريعة لبعض العناصر الذين تحصنوا داخل بعض الغرف الداخلية للمقر، قام مقاتلو القسام باقتحامهم بعد أن أعطوا الأمان لمن يخرج رافعًا يديه وملقيًا سلاحه لتنتهي معركة الاشتباك المسلح باعتقال العديد منهم، وتمشيط أجزاء وطوابق المقر بالكامل، ومن ثم استدعاء سيارات الإسعاف لنقل الجرحى والمصابين، وكذلك لانتشال القتلى الذين قدر عددهم بـ(۱۷) قتيلًا.

فرحة شعبية بنهاية الفساد

      ولم يكن المشهد ليوصف داخل المقر عندما تدافع المواطنون من سكان المنطقة، وخرجت من حناجرهم صيحات التكبير والتهليل، وهم يحتضنون مقاتلي القسام ويبكون فرحًا بما حققوه من إنجاز باقتحام مقر الأمن الوقائي الذي طالما أذاقهم الويلات والعذابات، حيث تدافع الرجال والنساء كبار السن والأطفال والشباب نحو الزنازين تحت الأرض يكسرون أبوابها.

       أحد الرجال المسنين سجد على الأرض لله شكرًا، وهو يبكي، وكاميرات الصحفيين مسلطة عليه، ويقول: «هذا المقر اللعين لم يسلم منه أحد من أبنائي وأحفادي طوال عشرة أعوام»، مؤكدًا أن (۱۷) فردًا من أبنائه وأحفاده خضعوا داخله للتحقيق والتعذيب من قبل ضباط الأمن الوقائي، ولم يكونوا ليرحموه من تنكيلهم وشتائمهم عندما كان يأتي للسؤال عنهم والاطمئنان عليهم، وقال: «في كل مرة يتم فيها اعتقال أحد من أبنائي أو أحفادي كنت آتي إلى ذلك المقر اللعين ولا أجد من يجيبني إلا بسب الذات الإلهية والتوبيخ، وتحميلي مسؤولية أننا عائلة مجاهدة تقاوم اليهود» حسب تعبيره.

سبع جثث ووثائق خيانة

      وبعد يومين من إعلان كتائب القسام سيطرتها على المقار الأمنية في قطاع غزة، والعثور على معلومات ووثائق خطيرة في هذه المقار، تم العثور على سبع جثث متفحمة في مقر الأمن الوقائي -حسبما كشف أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام- تظهر عليها آثار التعذيب والحروق، مشيرًا أن هذه الجثث تم التعرف على أحدها، وهو الشهيد القسامي عوض الجوجو، وعن باقي خفايا هذه المواقع قال أبو عبيدة: «وجدنا أخطر من موضوع الجثث بكثير ملفات أمنية خطيرة جدًا سنعلن عنها لاحقًا».

     وتابع هذه المقرات الأمنية كانت تضم نقابة للعملاء داخلها، من قبل متنفذين وقيادات في هذه الأجهزة، كانوا يديرون عمليات التعاون مع الاحتلال الصهيوني، وكان هدفهم إعطاء معلومات للعدو..

دحلان غرر بهم وأغلق الجوال: من جانبه أكد أحد قادة جهاز الأمن الوقائي في غزة, عقب سقوطه في أيدي كتائب القسام، أن مسؤولهم محمد دحلان رفض التحدث معهم عبر العديد من الاتصالات التي أجراها عدد من قيادات الجهاز معه طالبين النجدة منه، بعدما أحكمت كتائب القسام السيطرة على مقر جهاز الأمن الوقائي، وقام بإغلاق هاتفه النقال في وجوههم ورفض الرد على المكالمات، ما أثار تلك العناصر متهمين دحلان بأنه غرر بهم وفر إلى خارج قطاع غزة.

خارطة جديدة

      وفي ظل التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية يبقى الأفق السياسي وما ستؤول إليه الأوضاع على المستوى الرسمي مجهولًا..

 وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي د. عبد الستار  قاسم: أن  القضية الآن  أصبحت  فلسطينية  خالصة، بعدما امتدت الأحداث إلى الضفة الغربية، قائلًا: «لا بد أن تحسم الأمور ولا أعرف كيف سيحدث ذلك، ولا أعتقد أن الأمور تسير بشكل طبيعي، وربما يحدث تحرك من قبل حماس في الضفة، لكن ليس كما تحركت في غزة، بحكم وجود الاحتلال الذي يحكم سيطرته على معظم المناطق وفي حالة ترقب دائم لهم، وما حدث بغزة لا يمكن أن يحدث في الضفة».

      من جانبه اعتقد المحلل السياسي الدكتور جهاد حمد: أن الحالة الفلسطينية أصبحت واضحة، وتعاني من انقسام بين سلطتين، كما كان منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية.

     وتابع حمد: «حماس أقدمت على السيطرة على غزة لعدة أسباب قديمة متجددة يعرفها الجميع، أهمها الحصار الذي فرض عليها فور تشكيلها للحكومة، وكذلك التخلي العربي، إضافة إلى الفساد الذي استشرى في السلطة».

     واتفق المحللون على أن المستقبل الذي ستمر به الأراضي الفلسطينية لا يزال مجهولًا.

الرابط المختصر :