العنوان خطوات مقترحة من أجل تعضيد الصحوة الإسلامية وتطويرها
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مثلت الصحوة الإسلامية التي تفجرت في سبعينيات القرن العشرين انعطافًا مهماً في حياة الأمة الإسلامية، وجاءت تلك الصحوة تعبيراً عن فشل هجمة التغريب الشرسة التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بهدف أن تلغي هوية امتنا وتجعلها تابعاً للحضارة الغربية في كل شؤونها، وقد استندت تلك الصحوة في قيامها إلى رصيد الأمة الثقافي، وإلى وحدتها الثقافية، وإلى جهود العلماء المخلصين في العالم الإسلامي.
لذلك يجب على علماء الأمة وقادتها وأهل الرأي فيها تعضيد هذه الصحوة وتطويرها، والبناء على إيجابياتها، من أجل أن تستكمل دورها الحضاري الفاعل والمنشود لها، وفي هذا السياق أقترح أن تنجز الصحوة الخطوات التالية:
الأولى: دراسة التجارب الإسلامية المعاصرة: من المفيد جداً للصحوة الإسلامية دراسة التجارب الإسلامية المعاصرة وتقويمها من أجل الاستفادة من إيجابياتها والابتعاد عن سلبياتها، ويجب الاعتراف منذ البداية بقلة تلك الدراسات التي تناولت التجارب المعاصرة ويمكن أن تمثل على ذلك بالجماعة الإسلامية التي أنشأها أبو الأعلى المودودي في باكستان والتي امتد عملها ثلاثة أرباع القرن الماضي ولو قمنا بإحصاء الكتب التي تناولت الجماعة وأنشطتها، وأفكارها، ومواقفها، لوجدنا ذلك محدوداً لا يتجاوز عدد أصابع اليد.
الثانية: وعي تطورات الحضارة الغربية: ما زالت الحضارة الغربية تمثل التحدي الأكبر لأمتنا كما كانت على مدار القرنين الماضيين، ويقتضي ذلك أسسها التي قامت عليها وعياً تفصيلياً، ووعي تطوراتها، أما وعي أسسها فقد حقق علماؤنا جانباً كبيراً منه في الأيام السابقة ولكن الصحوة الإسلامية مطالبة بوعي تطوراتها العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية... إلخ، والاستفادة من إيجابياتها لتسديد مسيرة الأمة في مجال الإدارة والاقتصادية والاجتماعية والسياسة ... إلخ.
الثالثة: رسم خطة للاستفادة من التراث الإسلامي: نملك تراثاً غنياً في كل المجالات وهو واسع في بعضها ومحدود في بعضها الآخر، فهو واسع في مجالات الفقه وعلم الأصول، وعلوم الحديث وعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية... إلخ، لذلك فالمطلوب من الصحوة الإسلامية التخطيط لكل قطاع على حدة، فالتراث الواسع لا يحتاج إلى مزيد من بذل الجهود العلمية فيه، بل علينا تقنين خطوات الاستفادة منه، وأما التراث المحدود فعلي العلماء بذل جهود علمية في إغنائه وتوسيعه وتطويره على ضوء العلوم والمعارف التي اكتشفتها البشرية في القرون الأخيرة ولكننا بكل أسف نجد أن جهود كثير من أبناء الصحوة تذهب إلى القطاع الواسع الذي ربما كانت سعته مصدر مشكلات للمسلمين المعاصرين، وتترك القطاع المحدود مع أنه بحاجة إلى إبداع وتفكير وتوسيع، ويمكن أن تمثل على ذلك بكثرة الدراسات الفقهية وقلة الدراسات التي تناولت كتب السياسة الشرعية والحسبة والاقتصاد الإسلامي وعوامل قيام الدول وسقوطها، من أجل استخلاص النظريات الشرعية في مجالات الاقتصاد الإسلامي، والحكم الإسلامي، والسياسة الإسلامية، وحركة المجتمع الإسلامي.. إلخ، والتي تساعد الصحوة على الرد على أعداء الدين الإسلامي من جهة وبناء خطواتها القادمة من جهة ثانية.
الرابعة: إيجاد أوقاف واسعة: شغلت الأوقاف الإسلامية ما يقرب من ثلث ثروة العالم الإسلامي في القرون الماضية، ولعبت دوراً واسعاً في حياة الأمة الإسلامية في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والعسكرية... إلخ، لذلك يجب على الصحوة الإسلامية أن تستفيد من هذا الماضي المشرق وتخطط لإيجاد أوقاف واسعة غنية نساعد على تدعيم الجوانب العلمية والصحية والاجتماعية في حياة أمتنا.
الخامسة: البناء على الإنجازات الشرعية والعلمية التي حققتها الصحوة الإسلامية: حققت الصحوة الإسلامية بعض الإنجازات المهمة في مجال العقيدة الصحيحة وفي مجال العمل بالسنة الصحيحة المرتبطة بالحديث الصحيح والمبتعدة عن البدعة وعن الحديث الضعيف، وقد تحقق ذلك على أيدي علماء مخلصين في اقطار العالم الإسلامي بدءا من الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، وانتهاءً بالشيخ ناصر الدين الألباني في دمشق، لذلك يجب على الصحوة الحرص على هذه الإنجازات واعتمادها، والبناء عليها والاستفادة منها وعدم التفريط فيها.
السادسة: اعتماد مفهوم الأمة في تقويم الأحداث: يلاحظ الدارس غياب مفهوم الأمة أو انحساره إلى حد ما في معرض النظر إلى الأحداث التي يمر بها العالم الإسلامي، لذلك يجب على الصحوة الإسلامية الا يقتصر نظرها وموقفها وتقويمها لشؤون العالم الإسلامي على اعتماد الجوانب الشرعية فحسب، بل يجب أن يتم النظر والتقويم من خلال عاملين الجوانب الشرعية من جهة، ومصلحة الأمة من جهة ثانية وتشمل مصلحة الأمة اقتصادها، ووحدتها وقوتها، وسيادتها وثقافتها ... إلخ.
السابعة: الوعي بالأخطار الداخلية والخارجية التي تواجه الأمة: من الأمور المهمة التي يجب أن تتسم بها الصحوة وعي الأخطار الداخلية والخارجية التي تواجه الأمة وتصنيفها، وإعداد العدة لمواجهتها، ويأتي في مقدمة الأخطار الداخلية التي تواجه أمتنا خطر النزعة القطرية، وهو الخطر الذي سيؤدي إلى تمزيق الأمة الإسلامية وجعلها أمماً متناحرة، فتكون هناك أمة أردنية وأمة سورية وأمة عراقية وأمة مصرية، وامة جزائرية ... إلخ، ويستند هذا الخطر القطري إلى تأسيس ثقافي مستقل لكل قطر بعد إلغاء وتجاوز التأسيس الثقافي للأمة الإسلامية وإلغائه، كما يأتي في مقدمة الأخطار الخارجية الخطر اليهودي الذي يستهدف إرساء الدولة العبرية واستلحاق كل المنطقة العربية والإسلامية بالسيادة الإسرائيلية والسيطرة عليها واستغلال اقتصادها بعد إلغاء فاعليتها، وإلغاء هويتها الحضارية التاريخية لذلك فمن أولى واجبات الصحوة الإسلامية إبراز هذين الخطرين ومتابعة تطوراتهما، وقيادة الأمة في مواجهتهما.
وفي النهاية لا بد من التذكير بأنه ما لم يقم علماء الأمة وقادتها وأهل الرأي فيها بمثل تلك الخطوات لتعضيد الصحوة الإسلامية وتطويرها فستكون نتائج ذلك وخيمة على الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها.