; خطورة انقسام المجتمع المصري إلى معسكرين | مجلة المجتمع

العنوان خطورة انقسام المجتمع المصري إلى معسكرين

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 06-يونيو-2000

* اتسع شجب الرواية التي دنست عقائد الإسلام متجاوزًا الدوائر المعتادة كالإخوان والأزهر ليقسم المجتمع المصري إلى معسكرين إسلامي وعلماني

* تنادي العلمانيون بدافع العصبية التي استنفرت كل قواها وأدواتها.. رافضة كل خطأ محتمل من جانبها.. منكرة على الأزهر وظيفته القانونية.. معتبرة الاعتراض على الرواية عودًا للإرهاب في شكل جديد!!

* ما حدث يعتبر عن أزمة حقيقية تمر بها الدولة العربية الحديثة وسائر نخبها سواء من جهة العلاقة بهوية الأمة أو بالديمقراطية بمعنى حكم الأمة والمساواة في المواطنة

* إغلاق حزب العمل وجريدته يزيد في تيئيس الإسلاميين من الديمقراطية والقانون ويخل بالتوازن بين التيارين الإسلامي والعلماني.. وهو أصلًا مختل!

تابعنا باهتمام ما حدث في مصر الأسابيع الأخيرة من استقطاب أيديولوجي حاد وخطير بين أنصار التيار الإسلامي وخصومهم والذي بلغ حد المواجهة والتحريض وسعي كل طرف للاستظهار على خصمه بالرئيس مبارك واستعدائه عليه، وكان ذلك قد تفجر من وراء الحملة التي قادتها جريدة الشعب ضد رواية لكاتب سوري نشرت منذ عدة سنوات وأعادت وزارة الثقافة المصرية نشرها ضمن برنامجها في نشر الثقافة، وكان منطلق الأزمة مقالًا أثبت تدنيس الرواية لعقائد الإسلام في أكثر من موطن، وجاعت مؤاخذاته في صيغ أدبية قوية جدًا في التشنيع والتحريض على الكاتب وعلى وزارة الثقافة التي أعادت النشر.

لقد فجر الموضوع ردود فعل واسعة جدًا في المجتمع، ورفع إلى الأوج درجة حرارة المواجهة بين التيارين الإسلامي والعلماني بما أزاح جانبًا كل محور آخر للاهتمام كان مطروحًا مثل قضية الكساد والحرب في لبنان والانتفاضة المتجددة في فلسطين وأزمة الحكم المتصاعدة في جنوب الوادي كما نزل التيار الإسلامي بكل ثقله في مختلف مواقعه الرسمية والشعبية بدءًا بحزب العمل وجريدته وانتهاء باللجنة الدينية في مجلس الشعب ثم بمشيخة الأزهر نفسه مرورًا بطلبة الأزهر الذين نزلوا إلى الشوارع في ثورة غضب تقودها المحجبات، وكان شيخ الأزهر قد عهد إلى خبيرين في مجمع البحوث الإسلامية لإعداد دراسة حول الرواية جاءت مؤيدة وزيادة لما ذهبت إليه جريدة الشعب فشجب شيخ الأزهر الرواية واتصل أمينه العام بالمصالح المختصة في الدولة فأصدرت قرارها بمصادرة الرواية من الأسواق، وهكذا اتسع شجب الرواية متجاوزًا الدوائر المعتادة كالإخوان والأزهر ليقسم المجتمع إلى معسكرين يذكران بما يحدث في إسرائيل من صراع مفتوح بين العلمانيين والمتدينين، بفوارق رئيسة منها قدرة الكيان الإسرائيلي حتى الآن على إدارة صراعاته -غالبًا- بأسلوب ديمقراطي بينما يبدو هذا الأسلوب لم يتضح بعد في مصر، رغم ما يتوافر فيها من مساحة لحرية التعبير قل إن توافرت منذ الثورة، إلى ما هو متوافر كذلك من قدر محدود من التسامح الحذر مع الحركات الدينية حتى أكثرها اعتدالًا كالإخوان بينما المجتمع الإسرائيلي قد استوعب كل مكوناته على نحو أو آخر بما في ذلك أهل الدرجة الثانية من المواطنة: العرب فهم -رغم الميز الفادح ضدهم- يتمتعون بحقوق لا يتمتع بها جيرانهم ولا سيما أهل الاتجاه الإسلامي، بما يشهد على وجود أزمة مجتمعية حادة: أكدها أسلوب تعامل كل الأطراف المعنية بموضوع الرواية المذكورة، بدءًا بكاتب الشعب الذي عبر عن غيرة دينية هي في الأصل واجب كل مسلم صادق إزاء أي انتهاك لحدود الله لولا أنها اشتطت به إلى حد اضطر معه أن يتراجع عن بعض ما صدر عنه، كالحكم على وزير الثقافة بالفسق والكفر وما عساه يفهم من الدعوة إلى المبايعة على الموت من تحريض على العنف والقتل، أما الطرف الآخر فقد كان تصرفه في شكل عصبة استنفرت كل قواها وأدواتها رافضة كل خطأ محتمل يمكن أن يكون ذل به قلم الروائي أو تورط فيه تعبيرًا عن قناعاته، وذهلت عنه لجنة الكتاب التي تحملت مسؤولية الإذن بإعادة النشر، لقد أحال الوزير موضوع الرواية إلى لجنة خاصة من الكتاب كما فعل شيخ الأزهر إذ أحالها إلى لجنة من علماء الدين، وكما أدانت هذه الأخيرة الرواية فقد برأتها لجنة الكتاب من تهمة المس بالدين، فانطلقت القبيلة بصوت واحد تدافع عن الروائي واضعة الوزارة كلها والوزير في الميزان متهمة جريدة الشعب وحزب العمل والتيار الإسلامي جملة بالغوغائية والقصد إلى إثارة العامة والدهماء -حسب تعبير الوزير- لمجرد أغراض انتخابية بحتة، مطالبين برأس جريدة الشعب وحزب العمل، منكرين على الأزهر وظيفته القانونية في مراقبة ما له مساس بالدين فيما ينشر، متحصنين بقيمة نبيلة هي الدفاع عن الإبداع المهدد من طرف الإرهاب، محذرين من شبح دولة دينية ظلامية في مصر تقضي على كل إبداع، معتبرين ذلك عودًا للإرهاب المهزوم في شكل جديد!!.

موقف الدولة :

أما كيف كان تصرف الدولة إزاء هذه الأزمة لإنهائها فقد كان في خلاصته ترضية للطرفين إلا أنها غير متوازنة، وذلك على النحو التالي: مصادرة الرواية من الأسواق، بما يعني اعترافها صراحة بانتهاك الرواية لحرمات الدين: ترضية للأزهر، وهو ما اعتبرته جريدة الشعب -محقة- انتصارًا لها، غير أن فرحها لم يدم طويلًا إذ سرعان ما تحركت لجنة الأحزاب -بعد نوم طويل عن النزاعات الداخلية في حزب العمل- لتصدر قرارها بتجميد الحزب وجريدته إلى حين الفصل في النزاع المزمن حول الجهة المالكة للحزب، دون أي إشارة ربط بين هذا الحكم الجائر وبين المعركة التي أثارتها جريدة الشعب والتي أحرجت الحكومة وقسمت المجتمع قبيلتين، وكأن النزاع على الحزب ولد اليوم، وهو أسلوب مستهجن ومعالجة خاطئة هي من نوع المداواة بالداء، إذ الجميع متفقون على نقص الحرية وتضاؤلها في مجتمعاتنا وبدل أن يأتي العلاج توسيعًا للحرية يكون استنقاصًا منها يسعى إليه بوعي أو بدونه الطرفان الإسلامي والعلماني المتضرران من ذلك والمطالبان بتوسيعها، وهو لعمري تعبير صارخ عن أزمة حقيقية تمر بها الدولة العربية الحديثة وسائر نخبها: سواء أكان ذلك من جهة خصوصية علاقة دولنا العربية بهوية الأمة الخاصة، أم كان من جهة علاقتها بالديمقراطية بمعنى حكم الأمة والمساواة في المواطنة.

الظاهر فيما يخص التيار العلماني: أنه لم يستقر بعد في وعيه الجمعي ولم يسلم تسليمًا بخصوصية هذه الأمة الثقافية في علاقتها بالدين وانعكاس ذلك على جملة العلاقات الاجتماعية والمجال العام ومنه مجال السياسة والاقتصاد والثقافة والترفيه والإبداع، ولايزال يحدث نفسه بوعي أو بدونه بإمكان استخدام جهاز الدولة للتحرر من هذه الخصوصية وعزل الإسلام عن المجال العام وحصره فيما هو خاص على غرار العلمانية الغربية، مما هو مجاف لطبيعة الإسلام ولا سيما في زمن صحوته، ومجاف لطبيعة الدولة العلمانية ذاتها التي تقف على الحياد في مجال الدين، بينما تنطق كل دساتيرنا بهوية إسلامية للدولة من العدل أن يطالب المسلمون بترجمة لها في كل سلوك الدولة.

أما من جهة التيار الإسلامي: فإن بعض ردود أفعاله إزاء الرواية المنشورة قد تكون تعبيرًا عما يعانيه من شعور حاد بالاضطهاد وأنه مستهدف في دينه وذلك جراء ما فرض عليه من حصار واختناق وما ينزل عليه من مطارق بالليل والنهار بقرع بها جهاز الدولة الأمني والثقافي رأسه، بينما حقوقه في التعبير والأمن على نفسه والإحساس بالمساواة من غيره محدودة جدًا، وهو ما جعله متوترًا يطرح قضاياه العادلة طرحًا طالما كان مشحونًا بقدر غير قليل من الانفعال، وطالما استغل ضده فذهب بحقه وألب عليه الخصوم، وهم ليسوا قليلين بالنظر لما يتصرفون فيه من جهاز الدولة ما يجعل المعركة غير متكافئة، فضلًا عما لا ينبغي غض الطرف عنه من أن قضية الديمقراطية كأساس للحكم والحقوق لم تحسم بعد، ليس فقط لدى عامة أهل التيار العلماني ولاسيما الشيوعيين منهم الذين تأمركوا بسرعة هائلة وأنبروا بين عشية وضحاها ديمقراطيين بامتياز بل محتلين لبيت الديمقراطية ولأثاثها كالمجتمع المدني وحقوق الإنسان، مع أنهم غالبًا في السلطة أو قريبون منها ويتمتعون بقدر من بركاتها، وإنما هي -أي الديمقراطية- لا تزال أيضًا مجال أخذ ورد لدى أوساط غير قليلة من أهل التيار الإسلامي، بما يجعل الحق في الاختلاف وأسلوب إدارته مسألة لا تزال يحيط بها قدر من الضباب، ومنها حق الآخر في التعبير عن رأيه وحدود ذلك وضوابطه؟

الدروس المستخلصة:

إنه بالنظر للموقع القيادي لمصر في المنطقة العربية والإسلامية فإن ما يجري فيها هي بالذات من معارك لا يهم المصريين وحسب وإنما يهم الأمة كلها، بما سيكون له من انعكاسات قريبة وبعيدة على جملة أوضاعها، من هنا كان لكل ذي رأي من أبنائها أن يدلي برأيه في الحدث الجلل الذي شق مصر: أعظم أقطارنا، قبيلتين تتحفزان للنزال.

وإليك أخي القارئ بعض ما استخلصناه -إلى ما تقدم- من عبر ودروس:

1- إن مجتمعاتنا العربية -حتى أعرقها في الحداثة بل ولا سيما أعرقها في الحداثة مثل مصر وتونس وتركيا- لا يزال بنيانها هشًا وتعاني عجزًا فادحًا لا في الاقتصاد فحسب بل فيما هو أهم من ذلك مما يشكل أمنها الاجتماعي المتعلق بقدرة نخبها على إدارة خلافاتها بأسلوب حضاري، لا تشحذ فيه السيوف وتستنفر فيه الصفوف أو تستخدم فيه عصا الدولة للضبط، وما ذلك إلا بسبب ضعف ثقافة الاختلاف والتعددية والسماحة في وسط النخب وعدم استقرار الفكر السياسي للدولة على أرض مشتركة وإجماع وطني، ووحدة عبر التنوع والاختلاف، وآليات متفق عليها في حسم الاختلاف مثل مرجعية الأمة عبر صناديق الاقتراع، وما هو من ثوابت الهوية التي ما ينبغي لأحد زعزعتها أو النيل منها، وهو ما يستوجب توفير الكفاءات الفكرية والدينية لإحداث نقلة نوعية في فكرنا وفقهنا السياسي الذي تخلف لحساب بقية أنواع الفقه فشاع الجبر وحكم التغلب، فكان الاستبداد والعجز عن إدارة الحوار بغير الجذر الأساسي لانحطاط حضارتنا قديمًا وحديثًا مقابل نجاح الغرب على هذا الصعيد وتقدمه، وليس ما حصل في أفغانستان وما هو حاصل في السودان غير ثمرة من ثمار هذا العجز، وكان الأسلوب الذي أدير به الخلاف حول الرواية المذكورة شاهدًا آخر على هذه الإعاقة في فكرنا السياسي العجز عن إدارة الاختلاف سلميًا.

2- عدم تمايز وظائف الدولة واستقلال بعضها عن بعض بالشكل الذي يجعل بعضها رقيبًا على بعض ويمنع استخدام السلطة التنفيذية لغيرها مثل السلطة القضائية، ولو كان هذا التمايز موجودًا لم يكن في مسألة التنازع حول ملكية حزب العمل وجريدته من حكم غير القضاء، شأن كل نزاع حول ملكية وذلك ما يجعل مصادرة الحزب وجريدته عملًا غير مشروع وافتنانًا على القضاء، ومظلمة کبری حاقت لا بحزب العمل وجريدته وقرائها فحسب بل هي أكثر من ذلك، نكسة في مسار التحول الديمقراطي وضربة موجعة للحياة السياسية والإعلامية في مصر والمنطقة من شأنها إذا لم يتم التراجع عنها أن تزيد في تيئيس الإسلاميين من الديمقراطية والقانون، وهي لعمري خدمة مجانية للمتطرفين على كل صعيد، فضلًا عما فيه من إخلال أكبر بالتوازن بين التيار الإسلامي والعلماني وهو أصلًا مختل، واقتضى ذلك من كل أنصار التحول الديمقراطي أن يرفعوا أصواتهم مطالبين رئيس الدولة أن يتدخل لرفع الحظر عن الحزب والجريدة ويترك للقضاء العادي مسألة الحسم في ملكيتهما، على غرار كل نزاع حول ملكية.

3- إن الحرب الأهلية الكلامية القائمة بين التيارين هي إنذار بترجمتها إلى أعمال قمع من السلطة وإرهاب من طرف الضحايا مما ليس فيه مصلحة لأحد إلا الأعداء المتربصين بمصر، ما يجعل الواجب الوطني والديني يفرض على الجميع الالتزام المطلق بطرائق الحوار الهادئ وحدها لا سواها، بعيدًا عن كل أساليب التهويل والتحريض، والحقيقة أن طرفي الصراع لم يمارسا ما يكفي من ضبط النفس، ولكن ليس شيئًا من ذلك يبرر مصادرة حزب وجريدة، وإخراس صوتهما الذي طالما خاض معارك ضد الفساد.

4- إن النخبة العلمانية حرية بأن تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الخصوصية لمجتمعاتنا في علاقتها بالإسلام، فتمارس على نفسها رقابة ذاتية احترامًا لعقائد جمهور الناس ومشاعرهم، وتجنبًا للاستفزاز والإثارة وتمزيق النسيج الاجتماعي، ولا يضير ذلك الإبداع في شيء فليس من إبداع حقيقي خارج الثقافة والهوية.

5- كما أن الإسلاميين مدعوون إلى عدم المسارعة إلى إشهار سلاح التكفير والتهويل والتفسيق ناهيك عن التحريض على العنف، وليذكروا ما نقل عن الإمام مالك إمام دار الهجرة من كراهته الرد على أهل البدع حتى لا يعين ذلك على إشاعة بدعتهم، وكم من كويتب أو شويعر نكرة متروك جعل منه التشهير رمزًا للعبقرية والإبداع تتسابق المطابع ودور الترجمة على نشره، ويتخطفه القراء.

6- إن مؤسسات دولة لا تزال تعتز بانتمائها للإسلام من واجبها المهني أن تتحرى جدًا في تعويل وإشاعة أي مادة ذات علاقة بالإسلام، تتضمن من قريب أو بعيد ما يسيء لرموزه أو يحقر مقدساته، ولو على سبيل الاشتباه، لأن واجبها الدستوري هو على الضد من ذلك يتجاوز موقف الحياد إلى المناصرة، ولا يمكن أن يعتذر لها بما يعتذر به للأفراد والمؤسسات الخاصة من غفلة أو خطأ في الاجتهاد، ذلك أن للدولة -وهي شخصية معنوية واحدة- مؤسسة لرقابة كل مادة ذات علاقة بالإسلام هي الأزهر الشريف.

7- وإذا كانت الدعوة للاعتدال في الحكم على أعمال الناس ونواياهم والتماس العذر لهم وتجنب التهويل والمناداة بالويل والثبور دعوة لا يستثنى منها طرف فإن الاعتراض على سياسة وزير ولو بلغت حد المطالبة باستقالته أو التظاهر السلمي في الشوارع ضده أو جمع العرائض في نقده هي في نظام ديمقراطي أو حتى نصف ديمقراطي وسائل معتادة للتعبير عن الرأي، فما قام به طلبة الأزهر كان يمكن لولا مناخات التوتر السائدة أن يمر دون إحداث أي خدش في جدار السلم الاجتماعي، فعشرات من أمثاله وأشد منه تحدث كل يوم في أرجاء العالم، لا سيما أن دولة مصر جبل راسخ لا تهزه حتى الأعاصير بلى الزوابع الخفيفة.

8- إن هذا الحدث يؤشر على وجود أزمة قديمة وجراحات لم تندمل بين جناحي الجماعة الوطنية المصرية والعربية عامة، وذلك رغم ما حصل من تطور إيجابي خلال العشرين سنة الأخيرة أمكن معه للإخوان أحد أبرز ممثلي التيار الإسلامي أن يلتقوا ويتحاوروا ويتعاونوا في أكثر من قضية مع خصومهم التقليديين من العلمانيين من وفديين وناصريين وشيوعيين واشتراكيين وكان بروز مؤسسة «المؤتمر القومي الإسلامي» متشكلة من التيارين لمواجهة خطر داهم على الجميع: خطر تهويد المنطقة وأمركتها وعولمتها، علامة مضيئة للوعي القومي الإسلامي وعلى التفات كل من التيارين ولو بعض الشيء لعيوب ذاته للتخفيف من الرؤية النرجسية المانوية التي لا ترى في الآخر إلا الشر المطلق مقابل ما عليه الذات من خير مطلق، غير أن الأحداث التي فجرت زوبعة رواية أعشاب البحر وما تولد عنها من استقطاب حاد كاد يقسم المجتمع إلى قبيلتين تستصرخ كل منهما رئيس الدولة ليبطش بالطرف الآخر، وما خلفه الإجراء القاسي -أعني تجميد حزب العمل وجريدته- من جراح غائرة في قلوب الإسلاميين حتى وإن كان لهم بعض الاعتراض على بعض ما ورد في الجريدة من تجاوزات لما هو لائق، وكل ذلك يفرض على عقلاء الطرفين أن يأسوا لما حدث، فكل استنقاص من حرية أحد حتى وإن تجاوز حدًا في دفاعه عما هو مشترك مقابل تجاوز الآخر لما حسبه من حرية الإبداع، هو خطر متربص بالجميع، وفي بلدكم تونس تجربة مريرة للتساهل إزاء إقصاء السلطة بحد السيف للمنافس السياسي بزعم أنه إرهابي!! فلقد أدى الصمت على ضرب «النهضة» من فئات وطنية علمانية إلى فرض الحصار على الجميع وتداول القمع عليهم، وما أمكن للجميع أن يستيقنوا من هذه الحقيقة إلا بعد أن دفع المجتمع ثمنًا باهظًا لتنشب مجددًا أواصر الحوار والتعاون والسير نحو جبهة موحدة ضد الاستبداد، إن الحرية كالوطن إما أن تكون للجميع وإما لن تكون لأحد، الأمر الذي يفرض على كل أنصار الحرية والديمقراطية والإسلام أن يستنكروا السياسة الخاطئة والخطرة التي جمدت حزب العمل وجريدته، وأن تتضافر الجهود لتجاوز هذه المحنة وأن يكون نداؤهم للرئيس مبارك بصوت واحد ألا تقصف أقلامهم طالما ذبت عن مصر والعروبة والحرية والإسلام وألا توصد أبواب حزب مثل بوتقة للوطنية المصرية والحوار والتعاون بين التيار الوطني والإسلامي والتقدمي، فهل لنا أن نأمل في اقتناص العبرة من هذه المحنة عساها أن تتحول إلى منحة، لأن مصر وهي معقد آمال الأمة في النهوض ومواجهة التحديات الكبرى لن يتيسر لها ذلك دون أن تكون نموذجًا في التصالح مع كل مكونات جماعتها الوطنية ولاسيما التيار الإسلامي واليساري والليبرالي، وابتهالنا في الأخير أن يحفظ الله أرض الكنانة منارة للهدى والحرية والعدل وقلعة عظمى للصمود والتحدي.

الرابط المختصر :