العنوان خطوط الخلاف في السياسة الأمريكية الأوروبية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980
مشاهدات 71
نشر في العدد 488
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-يوليو-1980
- المستشار الألماني يقول: إن التحالف مع أمريكا يعتمد على تماثل القيم والمصالح
- الاقتراب الأوربي من السوفيات واحد من أهم عناصر الخلاف مع الأمريكيين
في غمرة الحديث عن أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية حاول وزير الخارجية الألماني الغربي السيد «هانز ديتريش غنشر» أن يبدد ما يقال بنفخ الروح المتفائلة في كيان التحالف الأوروبي مع أمريكا وفق الطريقة الإعلامية المعروفة... فقال ردًا على سؤال حول موضوع الخلاف الأوربي مع أمريكا:
- ليس لدينا في الحلف «يقصد حلف الأطلسي» أي سبب يدعو إلى إثارة أية أفكار عن وجود خلافات يمكن أن تمزق وحدة الصفوف بل على العكس ينبغي أن نتناول أهدافنا وآراءنا المشتركة بثقة وشجاعة وقدرة على الحسن فالتحالف القائم ليس تحالفًا عسكريًا على النظام القديم، إنما هو تحالف يعتمد على تماثل القيم والمصالح.
وعلى الرغم من أن الوزير الألماني حاول إخفاء الحقيقة في بادئ الأمر إلا أنه كشف عن الرابطة الحقيقية للأحلاف الدولية الحديثة عندما قال يصف تحالف بلاده بل تحالف أوروبا بعامة مع الولايات المتحدة:
«إنما هو تحالف يعتمد على تماثل القيم والمصالح»
والمصالح هنا تعني بكل وضوح الصراع على النفوذ... النفوذ السياسي... النفوذ الاقتصادي... والنفوذ العسكري... وهذه لها قضية تشمل جميع الأحلاف الدولية في هذا العالم.
نعود إلى المقولة الذاهبة إلى أن اتجاهات الدول في حلف الأطلسي تأخذ محورين... وذلك كما اتضح للمراقبين الدوليين لدى جولة كارتر الأوربية في نهاية الشهر الماضي، فقد تساءلت صحيفة هيرالد تریبیون فيما إذا كان بدء الجولة الأوربية بإيطاليا يعني أن الرئيس الأمريكي كارتر قد «أحس بتعنت الثلاث الكبار «بريطانيا - فرنسا - ألمانيا الغربية» وتشبثها في مواقف معينة نزاعة إلى الاستقلال، أو بعض الاستقلال المشوب بالتذمر من السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان وإيران... فلجأ إلى هذا الفريق الذي تتزعمه إيطاليا من حيث الأهمية والكبر ليقنعها بالوقوف إلى جانبه بثبات وغير تردد «ولا تململ» ... في الوقت الذي وجهت الولايات المتحدة الاتهام إلى ألمانيا الغربية بأنها حليف متردد، الأمر الذي جعل وزير الخارجية في بون يعرض عن موقفه الموارب في بدء الأمر ويقول ردًا على من سأله عن هذه القضية:
«إذا كانت هناك شكاوى أمريكية تلقي اللوم على أوربا في عدم تحمل مسؤولياتها فإنني أقول إن ذلك لا يعتمد على أساس سليم، ونحن في أوروبا نتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن الغرب، ومنذ البداية أسهمنا في المبادرة بتقديم القرارات الهامة جميعها وما زلنا نسهم في تحمل مسؤولية هذه القرارات أيضًا».
ولعل المحلل هذه المواقف أن يستنتج ما يلي:
۱ - إن هناك خلافات تكتيكية أو استراتيجية ما بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
٢ - إن الولايات المتحدة تحاول جر المجموعات الأوروبية الصغيرة لنزعها من الوقوف إلى جانب المحور الأوروبي الذي تقف فرنسا وألمانيا الغربية في قمته.
3- إن من المشكلات الأساسية التي تصنع الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها مشكلة حوار بعض الدول الأوربية مع موسكو- ومشكلة الشرق الأوسط ومشكلتي إيران وأفغانستان.
4 - تبقى مسألة الطاقة والنفط هي أم المشاكل الدولية التي بدأ الصراع بسببها منذ ظهور النفط كقوة للطاقة في هذا القرن... وهنا يحسن بنا أن نقف على نقاط الخلاف الأوروبي الأمريكي مع شيء من الإيجاز:
أولًا - الموقف من الاتحاد السوفياتي:
لقد جاءت زيارة الرئيس الفرنسي لموسكو ولقائه بالرئيس السوفيتي بريجنيف صدمة للبيت الأبيض... كان ذلك منذ شهر ونصف... فقد صرح آنذاك بعض الديبلوماسيين الأمريكيين في أوروبا أن الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي لموسكو تجاوزت الحدود المتعارف عليها بين دول أوروبا والبيت الأبيض في أخذ الضوء الأخضر من الأمريكان قبل الإقدام على فتح أي حوار مع الروس.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة حريصة على عدم حصول أي لقاء أوروبي - روسي إلا تحت مظلتها.
وهذا الأمر ينطبق على موقف الولايات المتحدة من ألمانيا الغربية كواحدة من زعيمات أوروبا... فقد أشارت صحيفة لوموند الفرنسية صباح ٢٨/٦/١٩٨٠ إلى أن زيارة المستشار الألماني هيلموت شميت للاتحاد السوفياتي المقبلة لا تزال مصدر قلق للأمريكان، ففي كل من بون وواشنطن أشيع بأن هناك رسائل تحذيرية تضمنت تحذيرات من البيت الأبيض الأمريكي للمستشار شميت بألا تضعف ألمانيا الغربية في موقفها التفاوضي مع الروس.
ويبدو أن بعض الدول الأوروبية الكبرى تحاول أخذ طريق يتسم بشيء من الاستقلالية عن الخط الأمريكي تجاه موسكو، وإلا ما معنى عتاب الأمريكان لديستان، وتحذيراتهم لشميت بهذا الشأن!؟
ثانيًا: الموقف من أفغانستان:
وهو الموقف الذي يمكن أن تأخذ عليه مثالًا من فرنسا عن تعارض سياسة الرئيس كارتر مع الأوروبيين.
فقد نقلت الوكالات من باريس يوم ٢٦/٦/١٩٨٠ إن فرنسا قد انضمت إلى الاتحاد السوفياتي في رفض مقترحات الرئيس الأمريكي كارتر بوضع ترتيبات مؤقتة كحل مرحلي للمشكلة الأفغانية، وكان الرئيس الفرنسي فيما ذكرت وكالات الأنباء وكأنه يرد على تصريحات للرئيس كارتر كرر فيها قبل يومين اقتراحًا من شهر فبراير يدعو إلى اتخاذ ترتيبات مؤقتة تشمل تشكيل حكومة انتقالية في أفغانستان، ومرابطة قوات حفظ سلام دولية للإشراف على الانسحاب السوفييتي... والذي جعل المراقبين يضعون مؤشرًا يؤكد ما بين الأمريكان وفرنسا من خلاف ذلك الامتداح الذي كاله الرئيس الفرنسي للسياسة الروسية فقد أثنى على الروس في إطار العلاقات الدولية قائلًا (إن الانسحاب السوفياتي يشير بوضوح إلى أن موسكو تريد أن توقف التدهور في العلاقات الدولية).
وهناك بعض المراقبين يؤكدون إن الفرنسيين تميزوا عن غيرهم من الأوروبيين بشدة نزوعهم إلى الاستقلال عن السياسة الأمريكية، ويستشهد هؤلاء بقول الرئيس فاليري جيسكار ديستان يصف سياسة بلاده:
«سياسة فرنسا الخارجية مستقلة... إنها ليست حيادية وستستمر بالوسائل السلمية لحماية الديمقراطيات الحرة في العالم». وهؤلاء المراقبون يحاولون التذكير دائمًا بأن فرنسا ما زالت منسحبة من الجناح العسكري للحلف الأطلسي منذ عام ١٩٦٥.
وهنا أصبح التحالف الأطلسي موضع تساؤل:
هل سيصمد هذا التحالف؟ تقول صحيفة لونوفل أو بسرفاتور الفرنسية:
- إن الجواب غير أكيد. إذ بينما تعقد قمة الدول الصناعية الغربية في البندقية... أمكن تلخيص العلاقات بين الدول الأطلسية بأنها مزيج من الخلافات في وجهات النظر، لأن الحلفاء دخلوا في عصر الشكوك.
ثالثًا: مشكلة الطاقة:
بعد أن استجدت مشكلة أسعار النفط وصار النفط محور كثير من القضايا السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية دخلت مسألة الطاقة في مسألة العلاقات المتدهورة بين دول التحالف الغربي، فأوروبا كما يذكر أحد الديبلوماسيين العرب في العاصمة البريطانية ترى أن هناك تحيزًا في الموقف الأمريكي نحو إسرائيل بالنسبة لقضية الشرق الأوسط والوجود اليهودي في قلب الأمة العربية، وهذا التحيز من شأنه أن يضر بالأوروبيين عامة في المدى البعيد، ومن أجل هذا... وضمانًا لاستمرار تدفق النفط العربي باتجاه العواصم الأوروبية... بدأت السياسة في أوروبا تأخذ طابعًا يختلف عن السياسة الأمريكية بالنسبة للعواصم العربية ولا سيما عواصم النفط والطاقة، وهذا الطابع يتسم بالاستقلالية، بينما ترى أمريكا على هذا الصعيد أن في محاولة أوروبا للاستقلال تقليل من قوة أمريكا وهيبتها من ناحية وتحريض للعرب على التشدد في مطالبهم بالنسبة لمسألة الصلح مع العدو اليهودي.
رابعًا: مسألة الشرق الأوسط
منذ مبادرة السادات ومعاهدات كامب ديفيد المعلنة وملحقاتها السرية بدأ تمايز الأوروبيين ولا سيما في باريس ولندن وبون يظهر على السطح... وقد أعلن هؤلاء مواقفهم مرارًا ولا سيما بإصرارهم على اعتبار قرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) هو الأساس في أي صلح يمكن أن يساهم في صلح بين الحكومات العربية واليهود.
ولما كان الموقف الأمريكي مصرًا على المبادرات والحلول الانفرادية وفق منهج الكامب، فإن عواصم أوروبا الرئيسية قدرت أن المغزى من هذا الإصرار يعود إلى رغبة أمريكية في حرمان الأوروبيين من مكتسبات ما بعد الصلح، فالصلح لا بد وإن يفرز مكاسب للوسطاء. وهذا أمر أزعج الأوروبيين كثيرًا، الأمر الذي دعاهم إلى طرح مبادرات خاصة بهم فيما بعد. وهو موقف مزعج للأمريكيين إلى حد بعيد.
بعد هذا لا بد من كلمة نشير فيها إلى أن خطوط الخلاف بين السياستين الأوروبية والأمريكية إنما هي خطوط مصلحية لا غير، وبالتالي فإن أي وفاق وصراع يمكن أن يقوم بين هذه الدول وأمريكا لا بد وإن يأخذ باعتباره مسألة اقتسام النفوذ في هذا العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل