العنوان خلافات جلوريا والجيش الفلبيني تعرقل مفاوضات السلام مع مسلمي مورو!
الكاتب رضا عبدالودود
تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006
مشاهدات 54
نشر في العدد 1714
نشر في الصفحة 34
السبت 12-أغسطس-2006
بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المطبق بين حكومة الفلبين وجبهة مورو الإسلامية، ومفاوضات السلام المتعثرة بين الجانبين مازال الجيش الفلبيني يراهن على العودة بالقضية للمربع صفر مع قرب انتهاء مفاوضات السلام التي يمكن أن تعطي مسلمي الجنوب الفلبيني حكماً ذاتيًا موسعًا في إطار فيدرالي، حيث نفذت قواته منتصف يوليو ٢٠٠٦ م عدة هجمات عسكرية على مناطق الجنوب قتلت خلالها وجرحت العشرات، بذريعة مطاردة عناصر جماعة أبو سياف (لا يتجاوز عددها الـ ٥٠٠ عنصر)، بما يعد خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
سلام غامض، وعلى الرغم من تشبث حركة مورو الإسلامية بمفاوضات السلام التي ترعاها ماليزيا وليبيا ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وأقرت فيها الحقوق التاريخية الشعب مورو المسلم البالغ تعداده نحو ١٠ ملايين نسمة، بما يعادل ١٦ من الشعب الفلبيني، وأكدت على منح سكان ميندنا و حكمًا ذاتيًا موسعًا في إطار الفيدرالية ووقف تبادل إطلاق النار، إلا أن صانعي القرار من الفلبينيين ما زالوا منقسمين على أنفسهم إزاء منح شعب مورو حقوقه السياسية ففريق تقوده الرئيسة جلوريا يقول بمنح الحقوق للمسلمين لتهدئة الأوضاع المتوترة في البلاد حيث يقود الشيوعيون في الشمال معارضة قوية للحكومة والمسلمون بالجنوب. فيما يقول الفريق الآخر الذي يقوده جنرالات الجيش وقيادات الكنيسة الكاثوليكية بعدم تمكين المسلمين من كامل حقوقهم حتى لا تقوم دولة إسلامية وسط أكبر كيان كاثوليكي في آسيا...
ورغم تضارب الرؤى السياسية، إلا أن الطرفين يتفقان على ضرورة الا يحصل المسلمون على استقلال تام عن الحكومة لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية عدة- بما يزيد من غموض المستقبل السياسي المسلمي الجنوب- تتضح من خلال قراءة مسار مفاوضات السلام بين الحكومة وجبهة مورو الوطنية التي انقلبت عليها الحكومة بإلقائها القبض على زعيمها نور ميسواري بعدما حصل على حكم ذاتي في ۱۹۹۷ م وضمت قواته للشرطة الفلبينية.
وتستهدف حكومة مانيلا إبقاء سيطرتها على المناطق البحرية الحدودية مع ماليزيا بجانب البعد الاقتصادي الذي يمثله الإقليم الجنوبي، حيث تتمتع مناطق المسلمين بثروات طبيعية هائلة تساهم بمقدار ۷۰% في خزانة الفلبين، خاصة بعد اكتشاف كميات من النفط تعد من أكبر المخازن الطبيعية للنفط في العالم، ومن إجمالي الناتج القومي الفلبيني تنتج منطقة مينداناو المسلمة ٥٦٪ من الذرة و ٥٥ من البن و ٥٥ من جوز الهند و ٥٠ ٪ من الأسماك و ١٠٠ من المطاط و ١٠٠ من الموز و ٣٩ من اللحوم و ٢٩ ٪ من الأرز، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل حكومات الفلبين المتعاقبة لا تنفذ اتفاقيات السلام .
وحول الجوانب الاقتصادية في سياسة المماطلة الفلبينية قال بينيتو ليم المحلل السياسي بجامعة الفلبين بمانيلا في حوار مع قناة (الجزيرة الفضائية): زرع الاستعمار الأمريكي الفتن بين المسلمين الجنوبيين ومانيلا عندما وزع الأراضي التي كان يمتلكها المسلمون تاريخيًا على المستوطنين المسيحيين في الجنوب، وذلك بعد أن ثار المسلمون ضد القوى المستعمرة التي لم تعترف بحقهم ، إضافة لإقرار الحكومة في عام ١٩٣٦ م قانوناً ينزع نحو ٨٠ ٪ من أراضي المسلمين ليواجه المسلمون بعد ذلك عاقبة تضحيتهم الوطنية.
بين السلاح والمفاوضات
ومن ثم تراوح مانيلا بين سياستي المفاوضات الطويلة والضغوط السياسية والعسكرية من حين لآخر بإقرار قانون فضفاض للإرهاب وقفت واشنطن والجيش الفلبيني وراء إصداره في يوليو عام ٢٠٠٥ م.
يسمح باستخدام كافة السبل الأمنية ضد من تحوم حوله الشكوك بأنه يهدد الأمن الفلبيني، وتوسيع دوائر التجسس والمراقبة الأمنية وتوالي الضربات العسكرية لبعض المناطق التي تسيطر عليها جبهة مورو الإسلامية، إضافة للتهديدات الأمريكية بوضع الجبهة على قوائم ما يسمى ب الإرهاب. بالرغم من إعلانها في وقت سابق عن تقديم منح اقتصادية لتنمية الجنوب الفلبيني الفقير، وذلك كإستراتيجية بديلة للحيلولة دون قيام دولة للمسلمين في الجنوب أي الخبز مقابل الاستقلال وتسعى واشنطن منذ أحداث سبتمبر ٢٠٠١ م لإطالة أمد الصراع مع الجنوبيين لضمان بقاء قواتها وإعادة تشغيل القاعدتين العسكريتين اللتين تخلت عنهما منذ ۱۹۹۲ م.
مقابل بعض الدورات التدريبية للقوات الخاصة الفلبينية، وعدد من صفقات السلاح، بجانب المساعدات الاقتصادية التي بلغت ٢٦.٥ مليون دولار العام الماضي.
موقف مورو الإسلامية
وإزاء هذه الاستراتيجية الحكومية يؤكد مرحان برهان ممثل الجبهة بالخارج أن فرص السلام ما زالت قائمة وتحاول الجبهة تقديم كافة الضمانات السياسية للحكومة والأطراف الدولية، مؤكدة على تمسكها بحق المسلمين في قيام دولة مستقلة تخضع لنظام فيدرالي يراعي تاريخ وحقوق المسلمين. وحول الحكم الذاتي القائم في إقليم میندانا ويقول عبد الوهاب كويلان المتحدث الإعلامي لجبهة مورو الإسلامية لا نريد أن تقيم حكمًا يستقبل سياساته ورواتبه من الشمال تحركه مانيلا كما فعلت مع نور ميسوراي، الذي اعتقلته من ماليزيا وسجنته بتهمة الفساد فنحن نمتلك مقومات قيام دولة مستقلة من أراض وثروات طبيعية وغيرها.. وهذه سياسة جبهتنا منذ قيامها في ۱۹۷۸ م بقيادة الشيخ سلامات هاشم يرحمه الله- الذي مزج بين المقاومة السياسية والعسكرية في آن واحد، حيث تضم الجبهة أكثر من ١٢٠ ألف مقاتل يتدربون في أكثر من ٤٦ معسكرًا، إضافة إلى ما يقرب من ٢٥٠ ألفًا من المؤيدين. وبعد وفاته في عام ٢٠٠3 م تبعه القائد الحالي مراد إبراهيم مركزًا على الخطاب الدبلوماسي السياسي وفتح العديد من المكاتب السياسية للجبهة في أنحاء البلاد...
تحديات في طريق الدولة
وبجانب المفاوضات المتعثرة، والسياسات الحكومية الضاغطة على شعب مورو المسلم بشقيها المحلي والدولي الأمريكي، يبرز عدد من التحديات الأخرى منها: التحديات الثقافية والتعليمية حيث ظل المورويون حتى بداية الثمانينيات متخلفين تعليميًا حتى بدأ بناء المدارس وتزايد سفرهم للدراسة، لكن مستواهم ما يزال أقل من غيرهم بسبب ضعف الاهتمام الرسمي وتراجع الدعم من العالم الإسلامي، ويقول الناشط في جبهة مورو اين مورو الأزهري في تصريح خاص ب: إن المسلمين في الجنوب يحتاجون لإقامة عدد من المكتبات العامة لنشر الثقافة الإسلامية، ولا يحتاجون لإقامة مساجد، حيث يوجد في كل قرية أكثر من ١٠ مساجد تنشأ بالتنسيق بين المانحين من الدول الإسلامية والحكومة الفلبينية التي تحاول تجهيل المسلمين ونشر الخلافات المذهبية فيما تغلق عشرات المدارس بسبب نقص الموارد المالية وهروب المدرسين الوافدين لا يتجاوز راتبهم نحو ۲۰۰ دولار.
ويطالب الأزهري دول الخليج خاصة بعد يد العون لمسلمي الجنوب الفلبيني، حيث تزور مكاتب العمل ووكالات استقدام العمالة الدول الخليج في أوراق العمال المسيحيين على أنهم مسلمون ويساعد هؤلاء الكنائس في تطبيق برامجها الاجتماعية وتعليم أبناء المسيحيين، ومن ثم تهميش المسلمين الذين يعانون الفقر وليس أمامهم غير التنصر الذين والعيش بالمساعدات الكنسية .
مستقبل السلام والبناء الذاتي
وبجانب هذه الظروف الضاغطة على مسلمي الفلبين وسيطرة جنرالات الجيش على القرار الفلبيني، وإثارته الأزمات للرئيسة جلوريا باتهامها بالفساد يبرز الموقف الأمريكي لعقابها على انسحابها من العراق في يوليو ٢٠٠٤ م، بما شجع دولاً صغيرة أخرى على الانسحاب كالدومنيكان والأكوادور..لا يبقى أمام المسلمين غير الاعتماد على أنفسهم وتطوير علاقاتهم مع ماليزيا وليبيا ودول الخليج لبناء مجتمع مستقل، لتقوية موقفهم في المفاوضات التي لم تفرز حتى الآن سوى ٤٠ مذكرة تفاهم لم تطبق على أرض الواقع... وفي ضوء النجاح الذي حققته الجبهة منذ انفصالها عن جبهة مورو الوطنية في عام ۱۹۷۸ م، تبنت برنامجًا متكاملًا بجانب العمل المسلح، يقوم على التحول الإسلامي وتقوية التنظيم والاكتفاء الذاتي، أقامت من خلاله ٤٠٠٠ مسجد في أنحاء مورو ، و ٥٠٠ مدرسة ابتدائية وإعدادية يدرس بها نحو ٨ آلاف طالب وطالبة، و ١٥٠ مدرسة ثانوية وبعض الكليات المتوسطة التي يدرس بها نحو ٣٠ الفًا، وقام البنك الإسلامي للتنمية ببناء جامعة المخدوم، وتولت هيئة الإغاثة الإسلامية إدارتها.
كما بلغ عدد العاملين التابعين للجبهة ٢.٥ مليون عامل ٧٥٪ منهم يعملون في الزراعة و٢٥ ٪ في المجالات الأخرى، وتمت زراعة ٢٥ ألف كلم مربع بمحاصيل صالحة للغذاء كالأرز والذرة والموز وغيرها...
وقد تم تكوين ١٣ قيادة ولجنة إقليمية تغطي ۱۸ محافظة وتم تكوين ٢٢٧ لجنة إدارية على مستوى البلدية بالإضافة إلى ٧٢٧٤ على مستوى القرية تحت إشراف مجلس الشورى واللجنة التنفيذية.
أما فيما يخص بناء القوة العسكرية فهناك ٢٠ ألف مقاتل و٦٠ ألفا احتياطيا و200 ألف من المليشيات غير النظامية.
وبذلك يكون مجموع العاملين المدنيين والعسكريين في جبهة تحرير مورو الإسلامية حوالي ١.٤ مليون عامل.
ولعل هذه النجاحات المجتمعية التي حققتها الجبهة تسببت في غياب الدعم الدولي لمسلمي الجنوب الفلبيني، حيث يثير الإعلام الغربي المخاوف من إقامة دولة مستقلة للمسلمين هناك. لكونه قد يفتح المجال بصورة كبيرة لقوى إسلامية أخرى للتصعيد السياسي ضد حكوماتهم للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي كما في حالات مسلمي فطاني في جنوب تايلاند.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل