العنوان خواطر حول مؤتمر القمة الإسلامي
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1984
مشاهدات 66
نشر في العدد 655
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 24-يناير-1984
• فقدان المشاركة الشعبية في بعض دول العالم الإسلامي أوجد فجوة بين القاعدة والقمة.
العوائق التي تعرقل جهود إنقاذ العالم الإسلامي:
• تباين الولاءات بين الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي
• الخلافات العربية وانعكاسها على العمل الإسلامي
• العامل الاقتصادي وانعكاسه على أولويات العمل الإسلامي المشترك.
خلال الفترة الواقعة ما بين «١٦-٢٠» يناير الحالي وبحضور ملوك ورؤساء وممثلي «٤٢» دولة إسلامية وغياب ثلاث دول هي مصر وأفغانستان وإيران، تم انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الرابع في الدار البيضاء في المملكة المغربية ويلاحظ أن هذا المؤتمر تميز بتصريحات ذات مضامين إسلامية طيبة في كثير من جوانبها كالتصريحات المتعلقة بالتضامن مع كافة الشعوب الإسلامية، إلى جانب ما يتعلق بما مر على المخيمات الفلسطينية في لبنان من مآس فضلًا على التحدث عن قضية أفغانستان الإسلامية التي مثلها في المؤتمر قادة الجهاد الإسلامي الأفغاني وإلى جانب هذه الإيجابيات تميز المؤتمر بظهور الخلافات الحادة بين الأطراف العربية أثناء مناقشة معظم الموضوعات التي تم طرحها في جلسات المؤتمر، وقبل أن نقف عند ما توصل إليه المؤتمر، لا بد من الإشارة إلى أن بعض المراقبين في العالم العربي والإسلامي يحملون انطباعًا بأن هذه المؤتمرات- على الرغم من أن بعض ما يطرح فيها فيه بعض النفع- إلا أن هذا النفع يصطدم بكثير من العوائق التي تعرقل جهود إنقاذ العالم الإسلامي. مما يعانيه من مشكلات وانقسامات وتدهور مستمر في جميع الاتجاهات سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا. إلخ.
وأول هذه العوامل:
١- تباين الولاءات:
فمن المعروف أن كثيرًا من أنظمة عالمنا منحت ولاءها بصورة أو بأخرى لدول أجنبية ترتبط برباط الكفر مهما اختلف شكله ونوعه، فبعض الدول الإسلامية منحت ولاءها للمعسكر الغربي ترسم سياستها وفق سياسته ومخططاتها ضمن مخططاته وإعلامها يتتبع خطى إعلامه واقتصادها ارتبط بعجلة اقتصاده وهكذا حتى أدى ذلك إلى فقدان الاستقلالية الكاملة لتلك الدول وانعكس ذلك بالطبع على كيفية معالجة هذه الدول لقضاياها المصيرية ومشاكلها الأساسية ونظرة بسيطة إلى الأنظمة المرتبطة بالكومنولث البريطاني في أفريقية وآسيا أو بالحلف الأطلسي في آسيا الصغرى كفيلة بأن تحيطنا بكل شيء. وطبعًا فإن ما قيل عن الدول الإسلامية التي منحت ولاءها للمعسكر الغربي يقال أيضًا عن الدول الإسلامية الأخرى التي منحت ولاءها للمعسكر الشرقي وبصورة تكاد تكون أكثر التصاقًا وتبعية وصل إلى حد الوقوف دبلوماسيًّا وعسكريًّا إلى جانب المعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي ضد دول وشعوب إسلامية أخرى كما حدث في أفغانستان والصومال وأرتيريا.
٢- الخلافات العربية:
من الطبيعي أن تنعكس الأوضاع السائدة في العالم العربي على أي مؤتمر إسلامي مهما كان نوعه وشكله نظرًا لما تشكله المجموعة العربية من ثقل عقائدي وثقافي... لدى المجموعات الإسلامية الأخرى سواء الآسيوية منها والأفريقية... فالمجموعة العربية تشكل بالنسبة لعدد الدول المشاركة «٥٠» بالمائة تقريبًا أي حوالي عشرين دولة عربية من أصل «٤٢» دولة إسلامية إضافة إلى أن العالم العربي يتميز بكونه قلب العالم الإسلامي ومنارته الروحية وإشباعه العاطفي ومركز ثقافته الإسلامية... إلى آخر ما هنالك من عوامل تجعل العرب كما يقولون مادة الإسلام وركيزته الأولى إضافة أيضًا إلى أن العالم العربي يعتبر بصفة عامة الجزء الأغنى في وسط العالم الإسلامي الذي يعاني من أمراض اقتصادية مستعصية.
وكما قلنا فإن الأوضاع السائدة في العالم العربي لا بد وأن تنعكس إيجابًا أو سلبًا على أوضاع العالم الإسلامي، ومن هنا فإن أوضاع المجموعة العربية المشتركة في هذا المؤتمر لابد وأن تنعكس بصورة أو بأخرى على مسار المؤتمر وقراراته ومقدار فاعليتها والمتتبع لأوضاع العالم العربي والعلاقات السائدة بين دوله وحكوماته يلاحظ مدى التدهور السحيق الذي وصلت إليه هذه العلاقات والتي ما عرف العرب مثيلًا لها منذ سنين عديدة والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى في مثل هذه العجالة ويكفي دليلًا على هذه الأوضاع ملاحظة الإحباط الذي أصاب الأمة واليأس الشديد الذي نراه في النظرات التائهة التي فقدت الأمل في كل ما حولها من تجمعات وقيادات وشعارات وادعاءات... وانكفأت على نفسها لتعيش في سلبية مطلقة.
٣- العامل الاقتصادي:
من المعلوم أن الجانب الاقتصادي أصبح في مقدمة الأولويات التي تبني على أساسها أي دولة علاقاتها مع الدول الأخرى، بحيث تخطى العامل الاقتصادي كل العوامل الأخرى التي تتحكم في العلاقات بين الدول كالجانب العقائدي والتاريخي والثقافي... ومن هذا المنطلق كان الاستقرار والوفاق بين العملاقين الروسي والأمريكي- والوفاق الصيني الأمريكي- والتجمع الأوروبي في نطاق السوق المشتركة... إلى آخر هذه العلاقات التي نراها سائدة في الوقت الراهن ومن الطبيعي أن تنسحب هذه الأهمية أيضًا على العلاقات ما بين الدول الإسلامية وبالتحديد بين المجموعة العربية والمجموعات الأخرى الآسيوية والأفريقية من حيث تميز المجموعة العربية وخاصة النفطية منها بكونها المجموعة الغنية في العالم الإسلامي الذي يتميز بشكل عام بالتخلف الاقتصادي الظاهر في معظم دوله بحيث لا تستطيع هذه الدول الفقيرة تنفيذ خططها التنموية وبالتالي عدم تحقيق أي تقدم اقتصادي يمكنها من إعطاء الجوانب الأخرى السياسية والفكرية... الاهتمام اللازم نظرًا لكون الجانب الأكبر من اهتماماتها وإمكاناتها موجه نحو الجانب الاقتصادي الذي يدفع هذه الدول في معظم الأحيان نحو اللجوء إلى الدول الأجنبية الغنية والقوى الكبرى لتتلمس عندها المساعدات الاقتصادية الضرورية لإنقاذ أوضاعها السيئة وبالتالي فإن هذه الدول الإسلامية الفقيرة تصبح عامًا بعد عام أسيرة للدول الغنية الأجنبية التي تمدها بالمساعدات ومن ثم تضطر من حيث تدري أو لا تدري إلى الدوران في فلك سياستها المتعارضة مع مصالح الشعوب الإسلامية.
ومن هذا كله يتبين لنا الأثر الخطير للتباين الاقتصادي بين المجموعات الإسلامية وخاصة إذا ما تم ترسيخ هذا التباين عن طريق إهمال تزويد المجموعات الإسلامية الفقيرة بالمساعدات المادية اللازمة لمنعها من الوقوع تحت النفوذ الأجنبي تحت ستار المساعدات الاقتصادية ومن هنا كان دور الدول العربية الغنية كبيرًا وعظيم الأهمية في تحقيق التكامل الاقتصادي للعالم الإسلامي عن طريق المساعدات والاستثمارات.
٤- المؤتمرات والقرارات:
إن الحكم على المؤتمرات مهما كان نوعها ومستواها وأهدافها من حيث الإيجابية والسلبية لا تتعلق بحجم الدعاية لهذا المؤتمر أو عدد المشاركين أو مستويات التمثيل أو... فهذه الأمور لا تشكل في ميزان التقييم سوى جزء ضئيل للغاية، أما الجزء الأكبر فيتعلق بنوعية القرارات الصادرة عن مؤتمر ما ومدى تنفيذها، ومن هنا فإن الثقة أو اهتزاز الثقة في مثل هذه المؤتمرات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقرارات المؤتمر وتنفيذها.
فإذا ما استعرضنا القرارات التي صدرت عن المؤتمرات السابقة سواء العربية منها أو الإسلامية لوجدنا أنها توقفت عند حدود الإصدار والإعلان ولم تخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي مما أدى إلى الاعتقاد بعدم وجود القدرة على تجاوز العوائق ومن ثم تولد الشعور بالإحباط واليأس، فبقدر ما كانت القرارات جيدة ومتناسبة مع أمال الشعوب كان السعي لإخراجها إلى حيز التنفيذ يموت بمجرد انفضاض المؤتمر وعودة المؤتمرين إلى بلدانهم فعلى سبيل المثال أصدرت المؤتمرات السابقة قرارات عديدة منها العمل على إنهاء استغلال الدول المتقدمة للدول الإسلامية- تحقيق التعاون والتضامن الاقتصادي بين الدول الإسلامية- تحقيق القضاء على الفقر والمرض والجهل- توطيد العلاقة الأخوية- نصرة الشعوب الإسلامية- رعاية حقوق الإنسان المسلم وإقامة العدل- الحرص على تحقيق مبدأ الشورى بين المسلمين- الاعتماد على مصادر الكتاب والسنة في نظام الحياة للمجتمعات الإسلامية.
وفي الجانب السياسي: إعلان الجهاد المقدس لتحرير القدس- العزم على المقاومة الشاملة للعدوان على فلسطين- دعم جهاد الشعب الأفغاني المسلم.
وبعد استعراض هذه القرارات لا نستطيع ومن خلال الواقع الملموس أن نجد قرارًا واحدًا ظهر إلى حيز التنفيذ الفعلي بسبب العوائق الكثيرة…
٥- الفجوة بين القاعدة والقمة:
عشرات الدول في العام الإسلامي يتوزع ضمنها مئات الملايين من المسلمين، هذه الدول والملايين العديدة تقودها حكومات متباينة ومختلفة الأشكال والاتجاهات فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى الوسط ومن الدكتاتورية العسكرية إلى دكتاتورية الحزب الواحد... إلخ.... أنماط وأشكال متعددة، ومع كونها متباينة ومختلفة في النهج والأسلوب إلا أنها في معظمها لا تتفق مع نظرية الشورى التي أقرها الإسلام كنظام حكم يتناسب مع الحقائق الإنسانية ومن هنا كان الحكم في معظم الدول الإسلامية يتم بعيدًا عن أي مشاركة شعبية بل إنه في بعض الأحيان لا يقف الأمر عند حدود إتاحة الفرصة للمشاركة الشعبية بل وإلى رفضها ومحاربتها والاستئثار بالسلطة الكاملة وظهر هذا على وجه الخصوص في أشكال الحكم العسكري الذي منيت به معظم الدول الإسلامية بحيث أدى هذا الاستئثار الكامل للسلطة إلى حدوث صراع بين هذه الشعوب وحكامها تطور إلى حد الوصول إلى قطيعة كاملة نتيجة لجوء هؤلاء الحكام إلى أساليب العنف والإرهاب والتصفيات الجسدية ضد مواطنيهم وزجهم بالمعتقلات والسجون فاضطرت الكفاءات المختلفة الفنية والإدارية حتى الجماهيرية إلى الهجرة بعيدًا عن أجواء الاضطهاد والإرهاب في أرجاء المعمورة وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك كله إلى حدوث الفجوة والقطيعة بين هذه الشعوب وحكامها وباتت معه لا تقر أي اهتمام لأي قرارات أو إجراءات أو مؤتمرات أو... لاعتقادها أن الأمر الأهم والذي يفوق كل مهم هو الحرية والشورى.
٦- في قرارات المؤتمر الحالي:
بعد هذا العرض للعوائق التي تقف في طريق إنجاح مثل هذه المؤتمرات، كان لا بد لنا من التعرض للقرارات الصادرة عن مؤتمر الدار البيضاء، فقد صدر عن المؤتمر إثر انتهاء الجلسة الختامية بيان يتضمن القرارات التي اتخذها المؤتمر ومع أن معظم هذه القرارات كانت تتعلق بالمشاكل والقضايا المطروحة في العالم الإسلامي كقضية فلسطين- والقضية الأفغانية- وحرب الخليج... إلى آخر هذه القضايا المصيرية إلا أن هذه القضايا كما يلاحظ لم تحصل على القدر الكافي من المناقشة خلال جلسات المؤتمر مما أدى إلى خروج القرارات الخاصة بها بشكل يغلب عليه الأسلوب العاطفي الذي يعبر عن الشجب والاستنكار للتدخلات الخارجية والتأييد المعنوي... مع أن القضية الأولى التي استحوذت على اهتمام المؤتمر هي عودة مصر للمشاركة بمثل هذه المؤتمرات بعد انقطاع دام عدة سنوات نتيجة لارتباطها مع الكيان الصهيوني بمعاهدات كامب ديفيد، ونحن مع تقديرنا لأهمية مصر ودورها في العالم العربي والإسلامي إلا أننا لا نعتقد أن هذه القضية تسبق في أهميتها القضايا المصيرية الكبرى للأمة الإسلامية كالقضية الفلسطينية والقضية الأفغانية ومأساة حرب الخليج والمعاناة اللبنانية ومسألة القبارصة الأتراك والأوضاع الاقتصادية وقضايا التبشير والأقليات الإسلامية في الفلبين وكشمير وغيرها... فضلًا عن أن عودة النظام المصري بمنهج كامب ديفيد مرفوضة من قبل كل الشعوب. أما ما أشرنا إليه من قضايا هامة أخرى فكلها كانت تحتاج من المؤتمر الإسلامي إلى وقفات طويلة تناسب أهميتها وقرارات تتسم بإجراءات فاعلة تعيد للعالم الإسلامي مكانته وللشعوب الإسلامية أمانيها التي حطمها الشعور باليأس والإحباط...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل