العنوان خواطر سجين سياسي
الكاتب أحد القراء
تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
مشاهدات 83
نشر في العدد 226
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
خواطر
عرفته داخل الأسوار والمعرفة في الشدة ليست كالمعرفة في الرخاء ومن أجل ذلك نهر عمر -رضي اللـه عنه- الرجل الذي جاء ليشهد لصاحبه: «لعلك رأيته يصلي ويطيل الصلاة» اذهب فأنت لا تعرفه، هل عاملته بالدرهم والدينار؟ هل جُبت معه الأسفار؟ هل تعاملت معه في الحياة؟، هل كذا؟ هل كذا؟، اذهب فأنت لا تعرفه، كان قوي النفس مرهف الحس هادئ الطبع، كان كثيرًا ما يبقى على إخوانه في الجدل وكان كثيرًا ما يُعفي إخوانه من العمل، وكان كثيرًا ما يعطي إخوانه من النفس والمال، رغم أن الله -سبحانه- قد أعطاه بسطة في العلم والجسم، ولكن هكذا الناس فقد قسَّم الله بينهـم أخلاقهم كما قسَّم بينهم أرزاقهم: «ولا يعطي الدين إلا لمن أحب».
دخل يومًا من الزيارة «زيارة الأهل داخل السجن» وكانت الزيارة بالنسبة لنا كأناس بعيدين عن القاهرة بما يقرب من الألف «كيلو متر» سواء كنا في «الواحة» أو كنا في محافظة «قنا»، كانت الزيارة غالبًا ما تكون على فترات متباعدة لاعتبارين لا ثالث لهما: إما لضيق اليد عند الأهل: وإما لما يتكبدونه من متاعب جسيمة أثناء السفر، وإما لاعتبار ثالث وهو غير دائم لأنه يخضع إلى التغير السياسي الذي ينعكس بالضرورة على إدارة السجن فتبدو متعسفة تارة كما كانت تبدو متساهلة تارة أخرى فإذا تَصَادَف أن وقع التعسف مع بعض الزيارات في بعض الفترات فتنطبع هذه الصورة في أذهان الأهل فتكون ضمن الأسباب المعوقة أيضًا للزيارات مع إضافة الاعتبارات الأخرى.
دخل يومًا من الزيارة شارد الذهن مقطب الوجه يبدو عليه الإرهاق وتفضحه بعض النظرات ومن أجل ذلك ما كاد يدخل الخيمة حتى يخرج وما كاد يدخل المسجد وتنتهي الصلاة حتى ينفلت شأنه في ذلك شأن المؤمن نقي القلب صافي السريرة لا يستطيع إخفاء أمره إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر و كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الغضب والرضى.
كانت الزيارة أشبه ما تكون بنذير سوء فقد كانت تضم فئة من أهل زوجته يطلبون منه أمرين أحلاهما مر، يطلبون منه الخروج من هذا المأزق وهو الانفراج عن هذا الخطر أو يطلبون منه الانفصال، وإن كان أبغض الأشياء عند الله.
كان يعلم أن هناك عهدًا مع شريكته وأن هناك ودًّا مع أليفته وأن هناك رباطًا ليس من السهل أن يُفَك لأن الحب قضاء أشبه ما يكون بالموت والحياة فكما أن لا حيلة للإنسان في وجوده ولا اختيار له في وفاته كذلك لا حيلة له في الحب والكره على السواء.
كان كل ما يشغله أن يكون طلب الفصل من زوجته خصوصًا وأنها كإنسانة لها حق الحياة وكذلك يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الله فقد يمسي الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا وقد يمسي الرجل كافرًا ويصبح مؤمنًا: «هذا خلق الله».
كان حبه لزوجته يجعله يعطيها «عن رضى قلب وطيب نفسي» مبررًا شرعيًّا في تغيير رأيها أو التحلل من عهدها، لأن إخلاء العش لسنوات ذوات العدد والإنسانة في عمر الورد ما كادت تقف على الغصن لتمتص رحيق الزهر وتحلم بعبير الطلع حتى جاءت الرياح الهوج فعصفت بالغصن فتناثر الزهر فذهب الحلم أدراج الرياح.
كان قد أعطى مهلة للرد وقد ترك فرصة للأهل: «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا»، فقد يعدل هؤلاء عن قصدهم وقد يتدخل غير هؤلاء للمد من عزمهم، أو قد يأتيه من الجهة المعنية بالفراق ما يرضي النفس أو يهدئ الخاطر.
فلم تمض أسابيع على هذه الزيارة المشؤومة حتى جاءه ما يثير الشجن أو القلق قبل ما يفيد الأسى والحزن؛ إن فلانة مريضة وفي إحدى المستشفيات فلم يكد يرسل أو يستفسر حتى جاءه نبأ الوفاة فقال على الفور: «أبدًا لم يكن هناك وفاة، بل كان هناك وفاء، ثم استطرد قائلًا: قتلوها قاتلهم الله».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل