العنوان خواطر إعلامية في ذكرى حرب أكتوبر
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 71
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 38
السبت 09-أكتوبر-2004
عايش كاتب هذه السطور حرب أكتوبر وهو في سن التاسعة عشرة من العمر، أي في السنة الثانية من الدراسة الجامعية، وما أن أذيع البيان الأول حتى سرت في نفسه روح من الشعور بضرورة المشاركة في أسرع وقت وبأية وسيلة ولسان حاله يقول: لا يمكن أن يكون الرجال في الجبهة يحققون هذا العمل العظيم وأبقى أنا قابعاً في البيت وكعادة الشباب في القرية نلتقي مساء بعيد الصلاة للتمشية أو التسلية البريئة التقيت بالأصدقاء فإذا الجميع يشعر بنفس الشعور يجب أن نشارك بأي شكل.. ولم تمض سوى أيام قليلة حتى كنا نحو عشرين طالباً جامعياً نلتحق متطوعين فيما سمي كتائب الشباب المركزية بقيادة وزير الشباب آنذاك الدكتور أحمد كمال أبو المجد. فوجئنا نحن أبناء القرية بآلاف مؤلفة من أقراننا ينخرطون في التدريب العسكري بهمة وحيوية منقطعة النظير وانتقلت كتائب المتدربين بعد نحو عشرة أيام إلى مرحلة من التدريب العسكري الراقي وبدأت أعداد منا بالفعل تنضم إلى القوات المرابطة على خط القتال إلى أن تقرر وقف الحرب فعدنا جميعاً إلى القرية، فيما قوة الدفع التي فجرتها الحرب وتطوراتها تفتح كل مسام الإيجابية وحب العطاء في نفوسنا.
إعلام صادق
لم يكن وراء هذه الروح الوثابة سوى الإعلام الصادق عن تطورات الحرب
والمفاوضات العسيرة وحادث الثغرة، كما كان الإعلام اليومي عن حالات التفاعل والعطاء المجتمعي للجنود الجرحى يجعلنا نتحرق شوقاً لأي فكرة أو مشروع تطوعي، فتفتق ذهننا عن مشروع فصول تقوية مجانية لكل أبناء القرية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وأذكر أن الدراسة الجامعية كانت تأخرت عدة أسابيع بسبب الحرب بينما بدأت الدراسة بالمدارس فانتهزنا الفرصة وانطلقنا ندرس «كمتطوعين» الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والجغرافيا والتاريخ، ثم لم يعضنا بدء العام الجامعي عن تنظيم أنفسنا بحيث يستمر المشروع خاصة وقد وجدنا له بين الأهالي صدى طيباً للغاية.
إنني وبعد مرور سنوات عديدة امتهنت فيها الصحافة المكتوبة والمرئية وتعمقت بشكل شبه أكاديمي في نظريات الإعلام أزعم أن حالات العطاء والأريحية التي عاشتها الأمة المصرية لسنوات قلائل عقب حرب أكتوبر لم تكن إلا ثمرة مباشرة للإعلام الصادق والتفاعلي الذي أسهمت حرب أكتوبر في تشكيله، ويمكنني القول بكثير من الاطمئنان أيضا إن التراجع في هذه الحالة ارتبط ارتباطاً مباشراً بالتدهور الذي أصاب منظومة الإعلام ومن قبلها السياسة المصرية بعد سنوات من انتصار أكتوبر، لقد التفت قوى الفساد والانتهازية في المجتمع حول القيادة السياسية، وحدث أن تمت سرقة النصر وآثاره الإيجابية في وضح النهار.
الصد والعطاء المجتمعي
إن العملية الإعلامية الجوفاء تشبه الطبل الصاخب الذي يسمعه المرء فيلتفت إليه بعض الوقت لكنه سرعان ما يمله ويمقته، والتعتيم أو التشويه الإعلامي على أحداث ذات دلالة أو قوى مجتمعية خيرة أو معطاءة يشبه السلاح الفاسد الذي سرعان ما يرتد إلى صدر صاحبه، وأنا أدعي أن كثيراً من وسائل الإعلام العربية تمارس ذلك عياناً بياناً، ومن ثم تخسر احترامها بين الناس والأهم أنها تحرم المجتمع من خاصية الفعل الإيجابي على شاكلة السنوات القليلة التي أعقبت حرب أكتوبر المجيدة.
واسمحوا لي أن أذكر مثالاً حياً أختتم به مقالتي هذه، وأحيي أيضاً انتفاضة الشعب الفلسطيني المباركة المثال يرتبط بشرارة تلك الانتفاضة عام ۲۰۰۰، فقد ظلت بعض وسائل الإعلام الحكومية في هذا البلد العربي أو ذاك تحاول ممارسة بعض التعتيم على قطاعات الاحتلال الصهيوني، وبلغت الجرأة أن تليفزيون دولة عربية منع من إذاعة فيلم مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة بحجة عدم استثارة الشارع، وعلى العكس من ذلك أدت أخبار الانتفاضة التي اهتمت بنشرها وإذاعتها وسائل إعلام عربية أخرى إلى اندفاع بعض تلاميذ المدارس المصرية نحو رفح والعريش كي ينضموا إلى المدافعين عن الأقصى والفلسطينيين الذين يذبحون عياناً بياناً كل يوم وتجرف أراضيهم وزروعهم دون أن تحرك الدنيا ساكناً.
إن الفعل المجتمعي الصحي أو الإيجابي أضحى ضرورة من ضرورات التنمية في بلادنا، فليس كافيًا أن تتصدى الحكومات لكل شيء، ولن يخرج هذا الفعل المجتمعي من القمقم إلا بإعلام صادق تفاعلي يحترم عقل الملتقي، ولا يكتفي بالتصفيق أو الطبل الأجوف ليل نهار.*