; خواطر في الحج.. الارتباط الروحي بالأراضي المقدسة | مجلة المجتمع

العنوان خواطر في الحج.. الارتباط الروحي بالأراضي المقدسة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 230

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 17-ديسمبر-1974

خواطر في الحج.. الارتباط الروحي بالأراضي المقدسة النداء الأقوى من كل وسائل الإعلام وفن الحشود هل يشهد المسلمون -حقيقة- منافع لهم في الحج؟ رغم العقبة.. المسلمون يزحفون نحو مكة يقظة جدة في وجه القرامطة الجدد سقا الله أيامًا في تلك الربى الطاهرة، هي من العمر كالورد في أوج تفتحه، ومن الحياة كأحلى ما يكون الشباب رونقًا وحيوية ونشاطًا. إنها ذكريات عطرة عشناها فوق أطهر أرض في الدنيا، وفي أقدس أيام السنة، ولا يجتمع في غير مكة فضل الزمان والمكان. ذكريات يتضاءل دونها حنين المحب إلى حبيبه، والغريب إلى وطنه، ويغدو بيت إقبال ضئيلًا وضئيلًا جدًّا. أشواقنا نحو الحجاز تطلعت كحنين مغترب إلى أوطان فأشواق إقبال كحنين مغترب إلى أوطان، أما نحن فنفدي تلكم الديار بأوطاننا وأرواحنا، ونحن إليها حنينًا يسمو فوق الأوطان والأقوام، ويقربنا من طاعة الله سبحانه وتعالى، ويذكرنا بخير أمة أخرجت للناس يوم شرفها الله سبحانه وتعالى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وهل من بقعة أرض بين مكة وعرفات لم تطأها أقدامنا ركبانًا ومشاة، إذ كنا نتعمد التنقل بين مشاعر الحج سيرًا على أقدامنا، ونجد متعة ونحن نبصر الحجاج بلباس واحد يذكرنا بالموت، وكيف يخرج الناس من الدنيا، لا يملكون إلا الكفن الذي يشبه لباس الإحرام. تتزاحم الذكريات أمام خاطري، هل أذكر جلسة «الدور الثاني في الحرم» ونحن ننظر إلى ﴿أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 96، 79). أم أقدم بالذكرى عرفة وقد زرناها مرتين؛ مرة وهي مقفرة من الناس ليس فيها أحد، ومرة لا تكاد تجد فيها موضع قدم الازدحام وصعوبة التنقل، وجلت قدرة الله الذي أراد هذا الحشد في يوم معين من كل سنة. أم أذكر ليلة مزدلفة وكيف يتحول هذا المكان خلال ساعات إلى سوق عامر يخاله الغريب مسكونًا من سنوات، أم أيام منى الجميلة -أيام عيد الحجاج- وخيامها الناصعة البياض؟ وقد لا يشعر الحجاج مرارة ما يلقاه إخوانهم ممن حيل بينهم وبين الالتحاق بركب الحجيج.. إن عيني تغيب عن الدنيا لتبصر زحفًا كل ما فيه أبيض، وإن قلبي الذي بين جنبي يخفق بالنداء الحبيب: «لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». أما الأحاسيس والشعور والعواطف فهي لا تفارق حجاج بيت الله الحرام. مهلًا يا لائمي فيما أحس به من دفقة عاطفية، وهل رحلة الحج إلا انخلاع من شهوات ونوازع الدنيا، ودورة -قلما يستفاد منها- في تربية الروح وصقل النفس؟! سبحانك يا رب: منذ أن أنزلت قولك الكريم: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27). وكتائب المؤمنين تزحف على بيتك العامر، وسيستمر هذا الزحف -رغم أنف كل موتور كافر- حتى يوم يبعثون. كم من شهيد سقط وهو في طريقه إلى مكة، وكم من مسلم أمضى حياته يدخر ما يساعده على الحج، وكم من صعوبات وضعت للراغبين في حج بيت الله الحرام. فالتونسي منع سنوات طويلة بأمر حاكمه، حتى لا يكون الحج سببًا في هدم اقتصاد البلاد. والمصري عاش سنوات تحت رحمة القرعة، والراغبون عشرات أضعاف العدد الذي حدده هبل!! وأذن الله بانفراج غمتهم فزالت القرعة. ودول الحكم الشيوعي يمنعون المسلمين من الصلاة والصيام فكيف الحج، وإن كان الحكام يرسلون بضعة من حاشيتهم من أجل الدعاية والتضليل.. وعدوى الشيوعية وصلت إلى عدن فمنعت السلطات الظالمة المسلمين من الحج، وكذلك فعلت إسرائيل بالمسلمين من أبناء فلسطين. ومسلمو أندونيسيا يغامرون في البحار، وقد يغرق بعضهم، وآخرون ينتظرهم السجن عند العودة، والسوري يجتاز الحدود معرضًا نفسه للخطر، عندما يحدد له الحج عن طريق الجو فقط وبسيارات محدودة يحتكرها أشخاص معينون. هذا بعض ما يلقاه المسلمون في طريقهم إلى بيت الله الحرام. لكن هل يقلل هذا من شوق المسلمين إلى مكة؟ هل يثبط من عزيمتهم؟ هل يقعدهم عن البحث عن وسائل وطرق؟! أبدًا، فالعدد يزداد عامًا بعد آخر، والصعاب تذلل، والزحف مستمر استجابة لنداء الله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ...﴾ (الحج: 27)، بينما يعقد مؤتمر سنوي للحزب الشيوعي في موسكو، وترسل الدعوات لمن يريد مع بطاقة الطائرة ونفقات السفر، ويلتقي هناك عدد هزيل، بعد أن يعتذر معظم المدعوين. وأين نداء الله العظيم من نداء البشر الضعيف؟! وهذا الزحف العظيم ليس من المحيط إلى الخليج -كما يريد الصليبيون العرب- بل من كل فج عميق، من جميع بقاع الدنيا، من قلب أمريكا وأوربا وإفريقيا، لا يفرق بينهم لون ولا سيادة ولا جنس، فكلهم أخوة في الله، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وليس ذلك لأحد غير المسلم. هل شهد المسلمون منافع لهم في الحج؟ ما زالت المنافع التي يحققها المسلمون من الحج قليلة جدًّا. واستفادتهم من هذا التجمع العظيم الذي أذن الله به ضئيلة كذلك.. ولذلك أسباب منها: - فمعظم الحجاج من الذين تقدم به السن وهدتهم الشيخوخة، ولا نصيب لهم من العلم والمعرفة، فيقضون فترة الحج مرضى، وأنى لهؤلاء أن يشهدوا منافع؟! وعلى علماء المسلمين في كل مكان أن يبينوا حكم فريضة الحج، وإثم من تأخر عن أدائها وهو قادر.. دون ترقيعات لا يسندها دليل، وأن يدفعوا الشباب للحج وهم في أول أعمارهم. - البعثات الرسمية المطلوب منها خدمة وتوعية الحجاج، لا تؤدي دورها؛ لأن الرسميين لا يرسلون الدعاة المخلصين، وإنما يرسلون عيونهم وأنصارهم، كيف لا والجبناء يتجسسون على المسلمين حتى في هذه الساعات، حيث لا يجد المؤمن فراغًا إلا لطاعة الله. ولو صحب كل بعثة مجموعة من العلماء الدعاة، وكان أعضاء البعثة من الشباب لبصروا الناس بحقيقة الحج ولشهدوا المنافع التي أشار الله إليها سبحانه وتعالى، ولكن فقدنا كل أمل بالإصلاح يأتي من الرسميين بعد أن قبلوا حكم غير الله أصلًا. - معظم الذين يشرفون على بعثات الحجاج أي «حملات الحجاج»، معظمهم تجار لا يرعون لله إلًّا ولا ذمة، يحرمون الحجاج من ليلة مزدلفة، والأخطر من ذلك أن كثيرًا منهم يقفون في عرفات خارج حدودها، وهمهم في ذلك الهروب من الازدحام -وهم يعلمون أن الحج عرفة- وقد يبيتون خارج حدود منى، ويرمون الجمرات في غير موضعها، ويشغل قادة الحملات الحجاج بمجموعة من البدع والخرافات المنكرة. - ما نحس به من تثاقل إلى الأرض، وزهد في الجهاد والتبليغ، ولما لآ قراخ عبد الله بن أبي من دعم داخل الصف الإسلامي، كل ذلك جعل إمكانية الصدع بالدعوة هينة جدًّا خلال موسم الحج. ألم يكن صلى الله عليه وسلم -في أشد فترات اضطهاده في مكة- يتنقل بين القبائل خلال مواسم الحج مبلغًا دعوة الله، وفي منى نفسها كانت بيعات العقبة المباركة.. في موسم من مواسم الحج شهد الإسلام ذلك الانتصار العجيب بعد بيعة -أهل يثرب- أنصار الله ورسوله. ألم يكن الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم- يشهدون كل منفعة في الحج؟! فمن هذا الذي يريد أن يشيع بين المسلمين روح الخوف وإساءة الظن، ويزين لهم الهوان والذل والاستسلام؟ مكة للمسلمين جميعًا: كل مسلم أينما كان يتجه إلى مكة خمسة أوقات في اليوم أثناء صلاته، ويحج إليها، ويشعر بأنها بلده وأعز ما عنده، ويفكر بحاضرها ومستقبلها أكثر مما يفكر في بلده ووطنه. ونحمد الله على ما في مكة من أمن، فقبل أقل من نصف قرن كان الحاج لا يأمن على نفسه من قطاع الطرق. وإذا كان الفضل يجب أن ينسب لأهله... فالفضل لله سبحانه وتعالى أن من على أهل تلكم الديار بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- فدعوة الشيخ هي التي أعادت للجزيرة جوهر التوحيد، وأزالت ما علق في أذهان الناس من بدع وشركيات، والدعوة نفسها كانت سببًا في توحيد قبائل بدوية متناحرة تحت راية: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ولولا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التوحيدية.. لما توحدت قبائل الجزيرة.. بل لظل التناحر قائمًا، والفرقة مقيمة، فليجدد سكان المملكة صلتهم بهذه الحقيقة، وليعضوا على الإسلام بالنواجذ. وفي هذا الصدد ينبغي أن تستمر صيحة محمد بن عبد الوهاب الإسلامية في مسائل العقيدة.. وفي مسائل الشريعة كذلك. فالتوحيد كما هو في العقيدة والعبادة هو أيضًا في معاهد الإدارة، ومحاكم العمال، والمحاكم الإدارية إلخ.. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18). والله أغناهم بشريعة الإسلام عن هرطقات رجال القانون والمستشارين، مع أن كاتب هذه السطور مجاز في الحقوق، لكنه مؤمن -والحمد لله- أن على المسلمين أن لا يقتربوا إلى هذا اللون من العلوم إلا لنقدها وبيان عوارها. فنصيحتنا لأهل المملكة أن يتمسكوا بالمبادئ التي كانت سببًا في قوتهم وجمع شملهم، ونؤكد على هذه النصائح لشعورنا بأن لنا نصيبًا من مكة وما حولها. ونخشى من أفراخ القرامطة يوم دخل أبو طاهر القرمطي مكة عام ٣١٩هـ فقتل أهلها ومن كان فيها من الحجاج، وهدم زمزم وفرش المسجد بالقتلى، وأقام بمكة ستة أيام وهو يحرض أصحابه على القتل، وسرق من مكة الحجر الأسود الذي بقي في الأحساء حتى سنة ٣٣٩هـ. لا يظن أحد أن القرامطة ليس لهم وجود اليوم، أليسوا هم من غلاة الباطنية، والباطنيون ما زالوا حيث كانوا في الخليج وإيران وبلاد الشام ما زالوا يكيدون للإسلام بوسائلهم القديمة، وسيفعلون أكثر مما فعل أبو طاهر إن خلا لهم الجو، ووجدوا سبيلًا إلى ذلك. والشيوعيون حول مكة في عدن وحضرموت... وفلولهم تحاول السيطرة على الخليج واليمن، ويلاقي المسلمون على أيديهم أشد أنواع الاضطهاد والتنكيل، وهم جادون في نشر أهدافهم ومحاولة بسط نفوذهم. والصليبيون في الخليج وبلاد الشام ومصر.. في الجزيرة التي لا يجتمع فيها دينان. في الكويت والبحرين وخليج عمان، ومنذ قرون يهمون بإقامة دولة لهم في الجزيرة، وكتاب الغارة على العالم الإسلامي خير شاهد على ذلك. فالشيوعيون والصليبيون والباطنيون قريبون من بيت الله الحرام، مدججون بالسلاح، مدعومون بالدول العظمى، وهم يبيتون شرًّا للإسلام وللمسلمين، ناهيكم عن إسرائيل التي أفصحت عن مقاصدها على لسان وزير دفاعها موشي ديان، في التاسع من حزيران عندما وقف عند جدار المبكى وقال: «لقد انتقمنا لخيبر ونحن في الطريق إليها». وكتاب خنجر إسرائيل مدعوم برغبة اليهود الملحة في الاستيلاء على المدينة المنورة. إن الأرض التي شهدت خير أمة أخرجت للناس، والتي هي قبلة أنظار المسلمين.. مطلوب من شبابها، لا رد عدوان المعتدي فحسب، بل تجميع كلمة المسلمين في صف واحد، وتبليغ دعوة الله سبحانه وتعالى لكل من في المعمورة. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة