; خواطر من وحي الإسراء | مجلة المجتمع

العنوان خواطر من وحي الإسراء

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1975

مشاهدات 10

نشر في العدد 260

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-يوليو-1975

تبقى الحوادث الكبرى في حياة الرسل مجالًا للعبرة وميدانًا للتفكير ومصدرًا من مصادر التأمل، والدارس لتفاصيل هذه الحوادث بروية وعمق تتداعى عليه الخواطر وتنجلي أمامه الحقائق في روعة وجلال.

وحادثة الإسراء من الحوادث العظمى في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويستطيع الدارس لتفاصيل هذه المكرمة الإلهية أن يلقي على نفسه مجموعة من الأسئلة ليجد في إجاباتها الحكمة البالغة في التوقيت والحدث والرجال..

لماذا كان الإسراء قبل الهجرة ولم يكن بعدها؟

لماذا كان الإسراء في وقت اشتد فيه عداء قريش ضراوة، وردت ثقيف رسول الله ردًا غير جميل؟ ولماذا لم يكن بعد الهجرة حيث كثر الأنصار والأتباع وحين لجأ الرسول إلى ركن ركين في المدينة المنورة؟

لا شك أن الإسراء مكرمة من الله لرسوله، وبعثًا للطمأنينة في قلبه، ولكن التوقيت للإسراء جاء لحكمة إلهية بالغة، فقد أراد الله لهذا الدين أن يعز وأن يبدأ مرحلة جديدة تحتاج إلى رجال رسخ الإيمان في قلوبهم رسوخ الرواسي، ليس في نفوسهم ذرة من شك، وليس بينهم رجل في إيمانه أدنى اهتزاز، لذا كان الإسراء امتحانًا لإيمان الرجال حتى لا يبقى في صفوف الدعوة إلا القادرون عليها، المؤمنون إيمانًا يؤهلهم لقيادة العالم والسيادة عليه، وكان الذي اقتضته الحكمة الإلهية، فارتد عن الإسلام نفر ما كان لهم أن يفوزوا بشرف الهجرة وشرف القيادة.

وسؤال آخر: لماذا كان الإسراء إلى بيت المقدس، الأرض المباركة؟ ولماذا أمّ الرسول فيها الأنبياء؟

لقد كانت هذه الأرض موطن الأنبياء والمرسلين، والرسول صلوات الله عليه جاء بالرسالة الخاتمة التي تمثل دعوة الأنبياء جميعًا في صورتها الأسمى، فلا بد من ارتباط لهذا الدين ببيت المقدس، ولا بد أن يلفت الله سبحانه نظر المسلمين إلى هذه الأرض وأنهم أحق بها، ولا بد من بسط سيادة الإسلام عليها، وليس هناك من شيء أحب إلى نفوس المسلمين من مكان أسرى إليه رسولهم الكريم، فكانت إمامة الرسول للأنبياء تعبيرًا عن تمثيل الإسلام لجميع الأديان السماوية، وكانت الإمامة في بيت المقدس إيذانًا بخلافة المسلمين على هذه الأرض المقدسة.

ولقد أصبح ارتباط الإسلام والمسلمين بهذه الأرض الطاهرة ارتباطًا أبديًا، وعلى أرضها المقدسة تحطمت جميع المحاولات للقضاء على الإسلام والمسلمين، فذهبت جهود الصليبيين أدراج الرياح وتلاشت أمانيهم على أرضها الطاهرة بسواعد المؤمنين من الرجال، واندثرت بربرية التتار في أرضها وانقلب من بقي منهم إلى دين الإسلام يدخل فيه طائعًا مختارًا، وها هي أحاديث الرسول تتحقق بتجمع يهود في هذه الأرض؛ ليلاقوا المصير الذي أعده الله لهم على هذه الأرض المباركة وبأيدي المؤمنين الذين وعدوا بالنصر المبين.

وسؤال ثالث: لماذا كفرت قريش ولم تصدق حادثة الإسراء على الرغم من أن الرسول جاءهم بما طلبوا من البراهين؟

لو كانت قريش تريد من جدالها للرسول أن تصل إلى الحقيقة لما تأخر إيمانها، ولكن قريشًا كانت تجادل عنادًا واستكبارًا، تريد إرهاق الرسول وتكذيبه، وإلا فإن الرسول حين أخبرهم أنه قد أسرى به إلى بيت المقدس طلبوا منه أن يصفه لهم؛ لأنهم يعرفون أنه- صلى الله عليه وسلم- لم يزره من قبل، فوصفه لهم وصف المعاين فلم يكذبوه، ولكنهم لم يؤمنوا، وطلبوا منه برهانًا آخر، فأخبرهم قصة العير والبعير الذي ند منهم وأرشدهم إليه، ثم أخبرهم بموعد وصول العير، فوصلت بالموعد وأمنت على قول الرسول، فظهر الصدق وبان الصبح لذي عينين، ولكن قريشًا اختارت الكفر؛ لأنها لم تكن تجادل لتتوصل إلى الحقيقة، بل كان جدالها من أجل تكذيب الرسول، فإن استطاعت وإلا ثبتت على كفرها، والكفر عناد، وكذلك كانت قريش، وكذلك الكفر في كل زمان.

وسؤال رابع: ماذا عن موقف أبي بكر- رضي الله عنه؟

لقد ظن المشركون أن في حديث الرسول عن الإسراء ما يكفي لزعزعة الإيمان في نفوس المسلمين، فهرولوا إلى أبي بكر يلقون إليه بالنبأ، لقد زعم محمد أنه قد جاء هذه الليلة إلى بيت المقدس وصلى فيه، وأراد أبو بكر أن يستوثق مما يقولون، فقال لهم: إنكم تكذبون عليه، ولما كرروا وأكدوا قال: إن كان قال هذا فقد صدق، إنني أصدقه بأبعد من هذا، الخبر ينزل عليه من السماء، ثم ذهب- رضي الله عنه- إلى الرسول يستعلم الخبر، فكان يسأله ويصدقه فسماه الرسول يومئذ الصديق.

وفي حديث أبي بكر أمران جديران بالملاحظة:

أولهما: تكذيبه لكفار قريش ثلاث مرات، الأولى: في قوله لهم بصورة التقرير والتأكيد: «إنكم تكذبون عليه»، والثانية: في قوله لهم بصورة من يشك في حديثهم: «إن كان قال هذا»، والثالثة: بصورة عملية عندما ذهب ليتيقن الخبر من الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وقيمة هذا التكذيب من أبي بكر للمشركين يكمن في زعم جاهلية اليوم، وارثة الجاهلية الأولى، إن قريشًا لم تكن تعرف الكذب، وإن من صفات الجاهلية الأولى الصدق، ويأتون بقصة أبي سفيان مع هرقل عندما سأله عن الرسول صلى الله عليه وسلم إثباتًا لما يزعمون، هذا مع علمنا بأن قريشًا سمت الرسول قبل أن يبعث بالصادق وبالأمين، ولولا أن هذه الصفات نادرة فيهم لما كانت مجال مدح كبير لمحمد تميزه عن غيره من الرجال.

والأمر الثاني: في موقف أبي بكر هو الإيمان المطلق بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالرسالة، إن كان قد قاله فقد صدق، وهذا الإيمان هو الذي زكى هؤلاء الرجال؛ لأن يكونوا الصفوة التي حملت الرسالة وأدتها، وهو الذي رشح أبا بكر ليكون الخليفة الأول بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه خواطر من وحي الإسراء مرت بخاطري وأنا أقرأ حديث الإسراء في شهر الإسراء، ولله الحمد وعلى صاحب الإسراء أفضل الصلاة والسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1374

93

الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

ذكرى الإسراء وذكرى تحرير فلسطين

نشر في العدد 1374

87

الثلاثاء 02-نوفمبر-1999

الإسراء آلام.. وآمال

نشر في العدد 1083

94

الثلاثاء 11-يناير-1994

المجتمع المحلي (العدد 1083)