العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى (١٧)- كيف وجدت بني معروف؟ (٤ من ٤): حوار مع السجان عن.. قصة سلمان الفارسي
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 53
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 46
السبت 11-فبراير-2006
(*) رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
أتمنى النجاح في تخطي أزمة استدراج بعض الشباب من وسطنا العربي الفلسطيني في الداخل للتجنيد العسكري ونرفع عنهم مأساوية السلوكيات النابعة منه
اكتشفت أثناء التحقيق معي في مكاتب «بات يام» أن أحد المحققين من بني معروف كان يجتهد أن يتلطف في تعامله معي وكنا نقضي بعض الوقت في الحديث عن أصول الإسلام وتاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة
مرة أخرى أقول إن مشهد هذا الحوار لم ينقطع طوال حياتي في السجن بل كان يعود مرة بعد مرة وعلى سبيل المثال فقد كان ذلك يوم الجمعة الموافق ٤ يوليو عام ۲۰۰م عندما وقف على باب غرفتنا السجان «س» وكان صاحب خلق طيب معنا طوال الوقت فسألني عن قصة إسلام سيدنا سلمان الفارسي؟
أجبته جواباً مفصلاً استغرق وقتاً طويلاً حيث بينت له من خلال الجواب أن الذي رفع سلمان في الميزان لم يكن ماله ولا لونه ولا نسبه ولا جنسه بل الذي رفعه في الميزان هو دخوله الإسلام وتمسكه بمنابع الإسلام الصافية المتمثلة في القرآن والسنة، وقد ارتفع مقامه في الميزان لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنه: «سلمان منا آل البيت»، ولما أنهيت هذا السرد الطويل كان التأثر العميق قد بدا على وجه السجان «س».
تناسخ الأرواح
وعندما سكت سألني عن موضوع تناسخ الأرواح، فقلت له سأجيبك بلا مجاملة لأن العقيدة لا مجاملة فيها، ثم بينت له أن فكرة تناسخ الأرواح تتناقض مع العقيدة الإسلامية وتصطدم اصطداماً مباشراً مع القرآن الكريم والسنة النبوية وبينت له أن الأصل في ذلك هو قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)، وبطبيعة الحال فقد دار نقاش هادئ حول هذا الموضوع بيني وبين هذا السجان «س»، ثم انتهى النقاش وظل حريصاً على التعامل معنا بتلطف طوال الوقت وما زلت أذكر أن إدارة معتقل الجلمة كانت قد منعت عني الخضراوات التي كنت آخذها بناء على توصية الطبيب، ولما علم السجان «س» بذلك ذهب إلى مطبخ المعتقل ذات يوم وأحضر كمية من الخضراوات شملت البطاطا والبصل والبندورة والفليفلة والخيار والأفوكادو!! ثم جاءنا بعد ذلك عصراً بالجزر وقليل من الكوسا والبقدونس والفواكه!!
وكان من أعجب ما قابلني به خلال أيام التحقيق معي في مكاتب «بات يام» أنني اكتشفت أن أحد أفراد طاقم التحقيق الذين كانوا يحققون معي كان من بني معروف من مدينة شفا عمرو وكان يجتهد أن يتلطف في تعامله معي، وكنا نقضي بعض الوقت نتحدث عن أصول الإسلام وعن تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم وعن تاريخ الصحابة رضي الله عنهم، وأصدقكم القول أنني قد فرحت ذات يوم عندما وجدته قد اشترى كتاباً عن حياة الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه مرة وجاء به إلى مكتب التحقيق وقال لي: سأباشر بقراءة هذا الكتاب.
دوافع فطرية
وهنا أؤكد ملاحظة مهمة مرة أخرى وهي أن هذه الشواهد التي سجلتها لم تكن هي وحدها فقط، بل كانت من ضمن شواهد اصطدمت بها خلال تنقلاتي ما بين معتقل بات يام وأبو كبير والجلمة وأشمورت، حيث كان هناك عشرات الحوارات التي دار محورها حول الأسئلة التي ذكرتها، فكانت هناك حوارات مع «م» ومع «ص» ومع غيرهما من أسماء أخرى، ولا شك أن هذه الأسئلة حملت من طرفهم دافع البحث عن الذات ودافع التنقيب عن جذور الانتماء والسعي للتمسك بالقيم، وأنا على يقين يزداد في داخلي يوماً بعد يوم أن هذه الدوافع موجودة في داخلي كما وجدتها في داخل هذه المجموعة من بني معروف، وهي دوافع فطرية مصيرية لا يمكن لإنسان أن يتخلى عنها أو أن يتجاهلها أو أن يعارضها بل هي دوافع لحوحة قائمة في داخلي وقائمة في داخل كل إنسان سوي وأنا على يقين يزداد في داخلي يوماً بعد يوم أن الإنسان كإنسان على وجه هذه الأرض، وأنا شخصياً لن أصل إلى الجواب الشافي الكافي لهذه الدوافع إلا من خلال الإيمان الحق بالله تعالى واليوم الآخر، ثم إشباع باطني وظاهري وضميري وجوارحي وعقلي وقلبي بتبعات هذا الإيمان الحق بالله تعالى واليوم الآخر؛ لأن من شأن هذه التبعات أن تضبط حركة الباطن والظاهر وحركة الضمير والجوارح وحركة العقل والقلب في عالم الإنسان على صعيد الفرد والبيت والمجتمع والأمة والحاضر الإنساني، وأنا على يقين يزداد يوماً بعد يوم أنني لن أصل إلى هذا المبتغى ولن يصل غيري إليه إلا بعودة رائدة صادقة إلى جذور تاريخنا وحضارتنا الإسلامية العربية، وذلك يعني ضرورة التمسك بمنابع الإسلام الصافية النقية من أي بدع وانحراف وشطحات خاطئة.
كنية عبرية
وحتى تكتمل الصورة فإنني أؤكد أنه بجانب تلك الحوارات الكثيرة كانت هناك بعض السلوكيات التي لم أجد لها تفسيراً واحترت بها ولكنها كانت قليلة بجانب تلك الحوارات التي تحدثت عنها، وهذا من الطبيعي في مسيرة كل مجتمع، وعلى سبيل المثال فقد وقف على باب غرفتنا ذات يوم سجان من بني معروف فسألته عن كنيته فقال لي إنه يدعى، حيث ذكر كنيته عبرية، فقلت له بل سنناديك «فلان» وذكرت كنيته بالعربية، فغضب ورفض بإصرار وقال لي: إذن لن أرد عليكم إلا إذا ناديتموني «ش» فهذا اسمي ولن أغيره ولقد اصطدمت بنفس هذه الظاهرة مع سجان آخر من بني معروف حيث يدعى م .ج. وهي كنية عبرية، وكذلك اصطدمت بسجان ثالث كان يدعى «أ. أ» وهي كنية عبرية، وبعض هذه الأسماء كما علمت لم تكن مجرد لقب عابر بل إن بعضهم قد سمى ابنه البكر بهذا الاسم أو ذاك، ولكن مرة أخرى أقول هذا أمر طبيعي في مسيرة كل مجتمع أن تصطدم بهذه الظواهر الاستثنائية، وإلا فالغالب من بني معروف كان لنا معهم تلك الحوارات الكثيرة، وعلى سبيل المثال عندما كنا في سجن أشمورت كان لنا جيران في غرفة ملاصقة لنا، وكانوا قد طلبوا مني أن أقص عليهم كل ليلة بعد صلاة العشاء قصة نافعة، فاجتهدت أن أعصر ذاكرتي كل ليلة كي أقص عليهم قصة ذات مغزى ومفيدة، وكنت ألاحظ عليهم التأثر خلال سرد القصة، لدرجة أن أحدهم قال لي إنه لم يعد يستطيع النوم إلا بعد سماع قصة كل ليلة.
إعادة التلاحم: ولكن ما اكتشفته أن بعض السجانين من بني معروف كان يحرص على الاستماع لهذه القصص، فقد أنهيت قصتي ذات ليلة وإذا بأحدهم يقول لي إنه استمع إلى القصة ولكنه لم يسمع الخاتمة، لأنه انشغل في تلك اللحظات وطلب مني أن أسرد القصة مرة ثانية وهذا مشهد ينسجم مع مدلول الحوارات الكثيرة التي تحدثت عنها وهي تؤكد كما قلت في الحلقة السابقة ضرورة التواصل مع بني معروف بل تعميق هذا التواصل عسانا ننجح بتخطي أزمة التجنيد الإجباري التي فرضت على شباب بني معروف دون أخذ رأيهم، وعسانا ننجح بتخطي أزمة استدراج بعض الشباب من بقية وسطنا العربي الفلسطيني في الداخل إلى التجنيد العسكري وعسانا نرفع عن شعبنا الفلسطيني مأساوية السلوكيات النابعة من هذا التجنيد العسكري، ثم عسانا ننجح بتخطي أزمة السلوكيات الشاذة التي صدرت من بعض سجاني بني معروف وبعض السجانين من وسطنا العربي الفلسطيني في الداخل والتي أوقعوها على بعض السجناء والسجينات.
نعم هناك ضرورة ملحة للسعي الجاد لإعادة اللحمة أقوى مما هي عليه الآن بيننا وبين بني معروف القاطنين في شتى قراهم المعروفة في الجليل.
يتبع..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل