العنوان خيبة أمل مبكر في إدارة بوش
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 59
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 9
السبت 17-مارس-2001
رأي المجتمع
لم يكد العرب والمسلمون يتنفسون الصعداء بعد ذهاب حكومة الرئيس الأمريكي السابق كلينتون التي كانت أكثر الحكومات الأمريكية انحيازًا للكيان الصهيوني، وأبعدها اعترافًا بحقوق الشعوب العربية والإسلامية، ولم يكد البعض يبدي ارتياحًا من بعض المؤشرات الإيجابية التي أظهرتها الإدارة الجمهورية الجديدة، حتى توالت الأخبار غير السارة بدءًا من فلسطين حتى السودان، الأمر الذي دعا بعض المراقبين إلى القول ألا سبيل إلى تحقيق أي توازن في العلاقات الأمريكية التي تتميز بالانحياز الشديد لكل ما هو ضد للمصالح العربية والإسلامية.
وقد بدأت تلك الحقيقة تتكشف مع الزيارة الأولى التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى المنطقة العربية، حيث روج لوأد الانتفاضة، ومساعدة المعتدي الصهيوني على الخروج من ورطته التي وضعته فيها الانتفاضة، مؤكدًا أن الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل صلب كالصخر، وسيبقى كذلك في ظل إدارة بوش امتدادًا إلى استمرار التوتر في الخليج بسبب استمرار الأزمة مع العراق، ثم جاءت شهادة كولن باول أمام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس النواب الأمريكي لتزيد من مرارة حقيقة الانحياز الأمريكي للجانب الصهيوني.
فقد وصف كولن باول القدس أنها عاصمة «إسرائيل»، وأكد أن الرئيس بوش سيفي بالوعود التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. وأضاف باول: إن بوش «مازال ملتزمًا بنقل السفارة إلى عاصمة إسرائيل وهي القدس».
وكان شارون قد أكد من جانبه على «بقاء القدس عاصمة أبدية لإسرائيل»، على حد زعمه، فتطابقت تصريحات باول مع مقولة شارون إلى أبعد حد، مثلما جاءت مجافية للحق ومناصرة للعدوان إلى أبعد حد أيضًا، بل مثلت مزايدة على كل المواقف الأمريكية السابقة تجاه القدس، ومن المسلم به أن القدس أرض محتلة لا يجوز الاعتراف لمغتصبها بأي حق فيها، خاصة إذا جاء الاعتراف من دولة تدعي أنها ترعى المفاوضات بين الجاني والمجني عليه، ومثل هذا التصريح يكشف بوضوح في أي جانب تقف الإدارة الأمريكية.
أما عن السودان، فقد صرح باول في شهادته نفسها، أن الوسيلة الوحيدة لوقف المأساة في جنوب السودان، تتمثل في وقف الصراع، ثم النظر في كيفية إعادة تأهيل الأسر والمجتمعات التي تأثرت به، وأن ذلك يمثل أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، لكن هذه الكلمات المنمقة لا يمكن فهمها بعيدًا عن الإجراءات والسياسات والمبادرات الأخرى المتعلقة بالسودان.
فقد تزامن مع ذلك التصريح نشر ما عُرف بأنه برنامج عمل مقترح للعمل به بدلًا عن السياسة الأمريكية السابقة في السودان، يتحدث لأول مرة عن «سودان واحد بنظامين»، وعن تقاسم الثروة بين الشمال والجنوب، وهذه في حقيقتها تمثل أولى خطوات التقسيم، كما يفهمها أي مراقب للأحداث.
كما لا يفهم التصريح الأمريكي بعيدًا عن عمليات الترحيل الجماعي لآلاف الأطفال الجنوبيين إلى الولايات المتحدة، ودون إذن الحكومة السودانية، لتأهيلهم لغزو السودان مستقبلًا، حسب ما يخطط له الغرب باستخدام متمردي الجنوب.
ولا يفهم التصريح الأمريكي بعيدًا عن الإصرار على إهمال أية مبادرة عربية أو إسلامية خاصة بالسودان تتحرك بعيدًا عن الأطر التي يحكمها الموقف الغربي، كما هو الحال مع المبادرة المصرية - الليبية.
لقد اعتبر البعض أن هناك وعيًا أمريكيًّا بحجم التحولات الإستراتيجية الوارد حدوثها في المجال العربي والإسلامي، ولكن كما يبدو من السياسة الأمريكية السابقة والراهنة، فإن هذا الوعي يشكل عبئًا إضافيًّا على المنطقة، إذ إنه يكون مدعاة لتدخل أمريكي يحاول توجيه بوصلة تلك التحولات بما يخدم المصلحة الأمريكية والصهيونية وحدها، ودون أدنى نظر لمصالح شعوب المنطقة، وتلك نقطة الخلاف الأساسية الدائمة مع أكثر من حكومة أمريكية.
إن من المهم أن يدرك الساسة الأمريكان أن العلاقات مع العالم العربي والإسلامي لن يُقدِّر لها الاستقرار إلا بالوصول إلى نقطة التوازن في تحقيق المصالح الأمريكية - بعد فصلها عن مصالح الكيان الصهيوني - ومصالح الشعوب العربية والإسلامية، لا مصالح بعض الأنظمة التي لا تعبر عن شعوبها.
ودون الوصول إلى ذلك ستستمر الشعوب العربية والإسلامية في نظرتها للولايات المتحدة، باعتبارها أكبر عون وسند لأعداء الأمة، وهو وضع لا يخدم بالتأكيد المصالح الأمريكية.