; تشاوشيسكو.. ثالث الأقانيم اليهودية | مجلة المجتمع

العنوان تشاوشيسكو.. ثالث الأقانيم اليهودية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985

مشاهدات 74

نشر في العدد 707

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-مارس-1985

* تشاوشيسكو يقنع السادات برغبة بيغن في السلام 
كيسنجر، كرايسكي، تشاوشيسكو، أقانيم السياسة اليهودية العالمية، كان لهم دور بارز على مسرح السياسية الدولية خلال العقدين الماضيين بما يخدم التوجهات اليهودية بصورة أو بأخرى، وبحيث تصب جهودهم في مصلحة الكيان اليهودي الذي زرع في فلسطين، إثر تآمر القوى الدولية الصليبية والشيوعية بتوجيه وضغط من القوى اليهودية النافذة في الشرق والغرب على السواء، وكانت البصمات الأساسية لهؤلاء قد طبعت على المسرح السياسي للمنطقة العربية فيما اصطلح عليها دوليًّا بمنطقة الشرق الأوسط، وهذه الأقانيم الثلاثة تنتمي للديانة اليهودية مع اختلاف عقائدها السياسية، وهذا الاختلاف في العقيدة السياسية إنما يدخل ضمن المخططات اليهودية العالمية لضمان السيطرة على جميع الاتجاهات السياسية العالمية وتوظيفها في خدمة الدولة اليهودية. 
فكيسنجر وزير الخارجية الأمريكية السابق يمثل الاتجاه الرأسمالي، وبرونو كرايسكي المستشار النمساوي السابق يمثل الاتجاه الاشتراكي الغربي، ونيقولاي تشاوشيسكو رئيس رومانيا يمثل الاتجاه الشيوعي. 
ومع اختلاف هذه الأقانيم الثلاثة في معتقدها السياسي؛ إلا أن الخدمات الكبيرة التي قدمها هؤلاء للكيان اليهودي تؤكد على أن الانتماء اليهودي كان الدافع الأساسي الذي يقف وراء جهودهم وتحركاتهم على المسرح السياسي للمنطقة.
وكنا قد تحدثنا كثيرًا عن دور كيسنجر باعتباره عراب السياسة الأمريكية خلال العشر سنوات الماضية، وبينا أن دوافعه اليهودية كانت أساس تحركه في المنطقة؛ بحيث كان هذا الدور مكشوفًا إلى الحد الذي لم يعد لدوره قيمة، فكان إقصاؤه عن مركز السياسي في الإدارة الأمريكية.
كما تحدثنا قبل أكثر من شهر عن الدور الذي لعبه المستشار النمساوي السابق برونو كرايسكي، وبينا أن المنطلقات اليهودية هي التي حركت المستشار السابق.
وسنركز في هذه المقالة على دور الرئيس الروماني تشاوشيسكو ثالث الأقانيم اليهودية، والذي لا زال يعلب هذا الدور بمهارة وروية؛ حتى يتمكن من دفع طرف عربي آخر نحو تحقيق السلام على الطريقة اليهودية، كما فعل مع أنور السادات عام 1977 حين شارك المستشار النمساوي السابق كرايسكي في عملية دفع السادات نحو زيارة القدس المحتلة، ومن ثم السير في طريق المفاوضات الاستسلامية وصولًا إلى إبرام المعاهدات الخيانية في كامب ديفيد.
يهودية تشاوشيسكو 
رغم تعدد الاتجاهات الإعلامية السائدة إلا أن الملاحظ أن جميع الأجهزة الإعلامية سواء ذات الانتماء الشرقي أو  الانتماء الغربي حاولت ولا تزال تحاول إبراز الدور الذي يلعبه الرئيس الروماني تشاوشيسكو ومدح جهوده التي يبذلها في المنطقة، والملاحظ هنا أن هذه الأجهزة الإعلامية عمدت إلى أبعاد أية انعكاسات يمكن أن تنطبع في أذهان الآخرين نتيجة لانتماء تشاوشيسكو للديانة اليهودية، ولقد سارت الأجهزة الإعلامية العربية في نفس الاتجاه، ولم تشر من بعيد أو قريب إلى حقيقة الانتماء اليهودي للرئيس الروماني، كما فعلت من قبل مع المستشار النمساوي السابق كرايسكي، ومع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر.
والسؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن هو لماذا كيسنجر وكرايسكي وتشاوشيسكو فقط، كان لهم الأدوار الأساسية على مسرح المنطقة؟ وكيف اتفق أن يجمع هؤلاء الاتجاهات السياسية العالمية الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية الغربية؟ وهل هي مصادفة كونهم ينتمون لديانة واحدة هي الديانة اليهودية؟
إن من السذاجة بمكان أن يعتقد البعض أن هذه الأمور قد تمت مصادفة؛ لأن العمل السياسي لا يتحقق عن طريق الصدف، بل بأتباع الأساليب العالمية القائمة على التخطيط..
ولقد كانت الدوائر اليهودية العالمية تتحرك من خلال التخطيط العلمي للوصول إلى تحقيق أهدافها، ومن الواضح أن مخططاتها كانت تقضي بضرورة وجود أقانيم يهودية داخل جميع الاتجاهات السياسية القائمة في العالم، ومن هنا فإن دور تشاوشيسكو اليهودي لم ولن يخرج عن طبيعة دور المستشار كرايسكي ولا عن طبيعة دور الوزير الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، وإن اختلف أسلوب العمل المرسوم لكل دور من هذه الأدوار حسب ما تقضيه ظروف ومتطلبات الكيان اليهودي.
ومن خلال تعرضنا لدور الرئيس الروماني تشاوشيسكو على مسرح منطقة الشرق الأوسط يمكن أن تتضح الصورة اليهودية التي تقف وراء هذا الدور.
تشاوشيسكو والقضية الفلسطينية
شهدت العاصمة الرومانية مؤخرًا نشاطًا سياسيًّا ملحوظًا، تضمن زيارات عدد كبير من المسؤولين العرب والإسرائيليين فوفود فلسطينية وأخرى سورية وثالثة مصرية ووفود إسرائيلية.. أجرت جمعيها لقاءات ومحادثات مع الرئيس الروماني تشاوشيسكو حول أزمة الشرق الأوسط؛ حيث لوحظ أن الرئيس الروماني يسعى لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء العرب والعدو الإسرائيلي، ويأتي هذا الدور الروماني متزامنًا مع ما تشهده الساحة العربية والساحة الدولية من لقاءات وترتيبات حول دفع الأوضاع في المنطقة باتجاه الحل السلمي عن طريق عقد مؤتمر دولي أو مؤتمر رباعي أو... إلخ.
وهذه الزيارات واللقاءات المتكررة تعطي انطباعًا بأن ثمة طبخة تدار هناك في العاصمة الرومانية، باتجاه حل مشكلة الشرق الأوسط، وأن هذه الطبخة الرومانية التي يشرف عليها تشاوشيسكو تحظى بدعم وتأييد القوى الدولية؛ نظرًا للعلاقات الودية التي تربط الرئيس الروماني مع كافة الاتجاهات الأمريكية والروسية والإسرائيلية والفلسطينية والمصرية والسورية، فهل تم هذا مصادفة؟
وهنا لا بد أن نشير إلى أن رومانيا هي الدولة الشيوعية الوحيدة التي لا تزال ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل؛ حيث رفض تشاوشيسكو قطع العلاقات مع إسرائيل في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967 خارجًا بذلك على إجماع الدول الشيوعية الأعضاء في حلف وارسو، وكأن عملية الإخراج في قضية الشرق الأوسط اقتضت أن يكون هناك طرف يربط كافة الأطراف الأخرى، وأن يكون هذا الطرف بمثابة قناة لإيصال المعلومات ووجهات النظر إلى الأطراف الأخرى المعنية بالقضية، والتي لا علاقة لها مع دولة العدو كالأطراف العربية والاتحاد السوفياتي..
وسياسة تشاوشيسكو كانت ولا تزال تدور حول نقطة أساسية وهي  الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وضمان الأمن والاستقرار لهذه الكيان، ومن هنا فإن جولاته المتعددة في العالم العربي، ولقاءاته مع مختلف الأطراف في عصمته، كانت تهتم بالدعوة لعقد مؤتمر دولي لحل مشكلة الشرق الأوسط، ولهذا كان يدعو الأطراف العربية للاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات من التعاون وحسن الجوار معها، وقد جاء في بيان لمؤتمر الحزب الشيوعي الروماني ما نصه «يجب التوصل إلى حلول كفيلة بضمان وسيادة كل دولة وحرمة أراضيها، وفتح الطريق أمام التعاون السلمي، وأنه يجب إقامة علاقات جيدة بين الفلسطينيين واليهود وإجراء مصالحة تاريخية بينهما»!! هذه الدعوة من جانب حزب تشاوشيسكو ألا يفهم منها ضمان الأمن لإسرائيل، وإلا فما معنى الدعوة للمصالحة بين المعتدي والمعتدي عليه؟
وفي محاولة غير بريئة يدافع تشاوشيسكو عن استمرار العلاقات بين بلاده وإسرائيل فيقول في مقابلة مع مجلة السعودية: «إننا نؤمن في حالة قيام نزاعات بين دول معينة أنه لا يتوجب على دول أخرى قطع علاقاتها مع أحد الجانبين المتنازعين أو كلاهما، بل يجب الإسهام في الوصول إلى تسوية بين الأطراف المتنازعة، ومن هذا المنطلق حافظنا على علاقاتنا مع إسرائيل»!! ولا ندري أي منطق يمكن أن يقبل مثل هذا «التبرير التشاوشيسكي» وبالتالي فإن التفسير الوحيد الذي يمكن قبوله هو أن استمرار العلاقات بين رومانيا وإسرائيل يعطي تشاوشيسكو الضوء الأخضر ليتحرك هنا وهناك واضعًا جهوده في خدمة الحل السلمي لمشكلة الشرق الأوسط بما يخدم سياسة الكيان اليهودي.
ومن هنا فإن الساحة الرومانية كانت المكان المناسب للمبعوثين المصريين والإسرائيليين وغيرهم منذ ما بعد حرب 67 مرورًا بمرحلة اتفاقيات كامب ديفيد وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي يجري فيها العمل لصياغة مشاريع جديدة للسلام تدفع إليها أنظمة عربية أخرى..
حتى عملية خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان كان لتشاوشيسكو دور فيها وها هو يقول في حديث مع صحيفة مايو المصرية: «إنه يجب ضمان وقف إطلاق النار تمامًا لإنجاز عملية خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، وأن حل مشكلة بيروت يجب أن ينظر إليها كجزء من الحل الشامل للوضع في الشرق الأوسط». هكذا وبكل بساطة يعمل تشاوشيسكو على تثبيت وقف إطلاق النار في بيروت ليس لإخراج المعتدي الصهيوني وإنما لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان.
وفي مقابلة مع صحيفة السياسة الكويتية يقول تشاوشيسكو: «إنني أدعو لعقد اتفاق بين لبنان والفلسطينيين يحدد وضعهم في ذلك البلد الذي يرغب بأن تنسحب كافة القوى العسكرية غير اللبنانية»، وهذا تأكيد عن رغبته بمنع أي تواجد فلسطيني مسلح، وبالتالي يتم دفع المنظمة للتفاوض بعد ضرب عمودها الفقري المتمثل بالمقاومة المسلحة.
تشاوشيسكو والسادات 
في 21 مايو 1967 أي قبل حرب حزيران بأيام قال تشاوشيسكو في خطاب له: «إن النزاع المسلح لا يخدم أي طرف من الأطراف، وأن المفاوضات هي الطريق الأمثل لحل المشاكل والقضايا المختلفة»، ومن هنا فإن تحركات تشاوشيسكو كان تدور حول نقطة الحل السلمي، الذي يمكن من خلاله ضمان الأمن والاستقرار للدولة اليهودية، ونتيجة لهذا التحرك فقد تمكن تشاوشيسكو من إقناع أنور السادات بجدوى الحل السلمي وضرورته الحل مشكلات المنطقة..
وفي عام 1977 قام السادات بزيارة رومانيا؛ حيث التقى بتشاوشيسكو الذي بادر إلى إرسال مبعوث خاص من قبله إلى تل أبيب حاملًا رسالة خاصة إلى مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، ويعود المبعوث الروماني في نفس اليوم والسادات لازال في العاصمة الرومانية، ومن ثم يعلن السادات فور عودته إلى مصر عن رغبته بزيارة القدس المحتلة. ويقول السادات في هذا الشأن: «إن نيقولاي تشاوشيسكو أكد له أن مناحيم بيغن يرغب في السلام، ويتطلع إليه، هذا الكلام ألغي كل تردد لدى السادات للتوجه إلى القدس». ومن ثم كانت الزيارة المشؤومة والمفاوضات الاستسلامية والاتفاقيات الخيانية.
وفي كلمته التي وجهها حسني مبارك عقب إتمام انسحاب إسرائيل من سيناء عام 82 يوجه شكره وتقديره للرئيس الروماني تشاوشيسكو؛ وذلك لجهوده في تحقيق السلام بين مصر وإسرائيل.
وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).

الرابط المختصر :