; دراسات سياسية- قضيّة الجهَاد والسنون العجاف | مجلة المجتمع

العنوان دراسات سياسية- قضيّة الجهَاد والسنون العجاف

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 62

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

المتتبع لما يجري داخل العالم الإسلامي بصفة عامة والجزء العربي منه بصفة خاصة يلاحظ أن هناك ظاهرة من أكثر الظواهر انتشارًا وأشدها أثرًا في أوضاع هذا العالم سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية.. وهذه الظاهرة ما انفرد بها مشرق أو استأثر بها مغرب بل إن امتدادها كان في المشرق والمغرب على السواء، وأعني بهذا ظاهرة اتهام معظم الهيئات الحاكمة لرجال الدعوة الإسلامية ومطاردتهم واعتقالهم وإيداعهم السجون والمعتقلات... ومن ثم محاكمات تتلو محاكمات، الخصم فيها والحكم سواء..

وما يدفعنا إلى الكتابة في هذا الموضوع هو وقوف ما يقرب من (300) شاب مسلم داخل قفص الاتهام في الشهر الماضي ينتظرون نطق القاضي بالحكم فيما عرف بقضية الجهاد والذي تأجل بسبب مرض طارئ أصاب القاضي. وبالإضافة إلى شباب الجهاد كانت ذكرى محاكمات عام 1965 لشباب الإخوان التي أعدم نتيجتها صاحب الظلال الشهيد سيد قطب، وإضافة إلى هذا وذاك كانت ذكرى تلك النخبة من الشباب المسلم في الشام والتي أعدم أفرادها إثر محاكمة ما شهد تاريخ الشام مثيلًا لها..

أقول إن ذكرى أولئك وهؤلاء تدفع إلى الكتابة عنهم وعن كل الشباب المسلم أينما كان في المشرق أو في المغرب. يقف شامخًا وراء القضبان السوداء أو وراء أقفاص الاتهام ينتظر حكم الطغاة فيه.

* البدعة الناصرية:

ولا تزال السنون العجاف تترى على أرض الكنانة منذ ثلاثين عاما حين سن عبد الناصر بدعة ضالة مضلة هي دفع الشباب المسلم إلى قفص الاتهام رتلًا وراء رتل ونخبة تتلو نخبة وقافلة تتبعها قافلة في محاكمات «قراقوشية» لم تشهد أرض الكنانة مثيلًا لها في عصورها السابقة.. وانتشرت بدعة عبد الناصر في أرجاء العالم الإسلامي.. وتعلق الطواغيت بهذه البدعة الناصرية، فأقيمت أقفاص الاتهام لمحاكمات مماثلة للشباب المسلم الملتزم في معظم بلدان العالم الإسلامي.

وفي مصر المسلمة لا تزال البدعة الناصرية تؤتي أكلها من أيام مبتدعها مرورًا بصاحب الكامب وصولًا إلى النظام القائم، هذه البدعة انطلقت مع محاكمات الإخوان عام (1954) إلى محكمات الإخوان عام (1965) إلى محاكمات صالح سرية ورفاقه.. إلى محاكمات التكفير والهجرة، وإلى محاكمات الإسلامبولي.. إلى المحاكمات الدائرة منذ عامين فيما يعرف بقضية الجهاد، وقد قامت هذه المحاكمات على أساس اتهامي واحد هو محاولة قلب نظام الحكم.

* على أن المتتبع لهذه المحاكمات التي دارت «ولا تزال تدور» عبر ثلاثين عاما يلاحظ بعض النقاط التي لا بد أن تشد انتباه أكثر المراقبين حيادًا، ومن هذه النقاط:

- التشابه والتطابق في الادعاءات والاتهامات الحكومية.

- التشابه في المسار الإعلامي الذي يغطي تلك المحاكمات.

- التشابه في نوعية معاملة المتهمين وراء القضبان... وفي قاعة المحكمة.

- التشابه في القرارات والأحكام الصادرة.

هذه النقاط التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر تؤكد الحقيقة الواضحة التي لا تشوبها شائبة ولا يعتريها أي لبس أو غموض، وهي أن هذه المحاكمات المستمرة خرجت من منطلق واحد وهو منطلق العداء للإسلام ودعاته، سواء كانوا جماعة الجهاد.. أو جماعة المسلمين.. أو جماعة الإخوان المسلمين.. أو أية جماعة إسلامية أخرى ترفع راية الدعوة للإسلام في مصر والشام والفلبين وأفغانستان وباكستان وفي كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي.

* التعذيب والإعدام:

وما نظن أن العالم الإسلام شهد فصلًا في التعذيب كما شهد في الفصول التي مورست ضد دعاة الإسلام وشبابه خلال العقود الثلاثة الماضية. وكما شملت البدعة الناصرية فنون الاعتقال والاتهام والمحاكمات.. شملت أيضًا أحدث فنون التعذيب وأشد صنوف الظلم والقهر، حتى باتت القلاع التي شهدت هذه الأهوال أكثر شهرة من أهرامات مصر وكنوز فراعنتها، فمن معتقل أبي زعبل إلى القناطر إلى المقطم إلى السجن الحربي، وهكذا في معظم أرجاء العالم الإسلامي حيث تفوق زكريا محي الدين وصلاح نصر وشعراوي جمعة والنبوي إسماعيل وحسن أبو باشا والعديد العديد من الزبانية والجلادين من عصابات المباحث والأمن القومي والمخابرات المنتشرين في سجون ومعتقلات العالم الإسلامي، لقد تفوق هؤلاء على تيمورلنك وجنكيز خان وستالين وهتلر وموسوليني.. وما أظن أحدًا لم يسمع عن قصص التعذيب أو لم ير بعض صوره أو لم يقرأ أحكام الإعدام التي كانت تمثل العمود الفقري لهذه المحاكمات، والغاية الأساسية لها والهدف المرسوم الذي من أجله عقدت ونظمت والتي استطاع الطغاة عن طريقها أن يجهزوا على قافلة من الرجال قلما ينجب الزمان مثيلًا لهم، فإعدام الشهيد عبد القاهر عودة كان محاولة لإجهاض الفكر التشريعي الجنائي الإسلامي الذي كان الشهيد عودة يتربع على قمته، وكان إعدام الشهيد سيد قطب محاولة لطمس معالم الفكر الإسلامي الحديث الذي كان الشهيد قطب عموده وأساسه، ثم كان إعدام شباب الجماعات الإسلامية وأمرائها محاولة لوقف انتشار الدعوة بين أوساط الشباب، ثم كان إعدام الشهيد الإسلامبولي لقطع الطريق على انتشار الدعوة في صفوف القوات المسلحة التي تحظى برقابة واهتمام الطغاة، وها هم شباب الجهاد ينتظرون اليوم خلف القضبان ما ستنطق به المحكمة وقد ارتدوا أكفانهم لأنهم يعلمون أنه لا بد من الإعدام في تلك المحاكمات!!

* الثبات على الحق:

المتتبع لقضية الجهاد يلاحظ أن الشباب الملتزم بإسلامه وعقيدته كان يسجل وهو وراء القضبان أروع الملاحم وأعظم المواقف إثارة للإعجاب والتقدير، فخلال الجلسات المتتابعة ورغم موجات التعذيب التي كانوا يتعرضون لها في المعتقل، ورغم الوجود الأمني المكثف للسلطة، استطاع هؤلاء الشباب تحويل قاعة المحكمة إلى تظاهرة إسلامية رفع خلالها المتهمون رايات ولافتات تتحدث عن ثباتهم على الحق واستمرارهم في التصدي لكل أشكال الطغيان، وارتدوا أكفانهم للدلالة على حبهم وسعيهم للشهادة ومتابعة الطرق الذي سبقهم إليه شهداء الدعوة من لدن حسن البنا إلى خالد الإسلامبولي مرورا بعودة وأصحابه وقطب ورفاقه، وظل الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن العقيدة وانتصارًا للدعوة وثباتًا على العهد الذي قطعوه على أنفسهم بإعلاء كلمة الله. وكانت هتافاتهم تلك تعبيرًا عن استهزائهم بالباطل وجنده وثقتهم المطلقة بالحق ووعده.

والملاحظ أن مواقف الإسلاميين في المحاكمات تميزت كلها بمظاهر الثبات النابع من قلوب وحناجر الشباب المسلم، ولن ننسى أبدًا صرخة الحق التي أعلنها الشهيد سيد قطب حين قال: «إن كنت محكومًا بباطل فأنا أكبر من أسترحم الباطل» وحين قال «إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يرفض أن يكتب حرفًا واحدًا يقر به حكم طاغية».

ولا ننسى أيضًا الشهيد الإسلامبولي أثناء محاكمته وحتى قبل صدور الحكم بإعدامه حين صرخ في وجه القضاة قائلًا:

يا أيها القاضي المبجل هل تعي *** أني عرفت نهايتي فكفاني

أني سألقى محمدًا وصحابه *** يومًا وألقى ملائك الرحمن

هذا الثبات على الحق كان ديدن أبناء الإسلام منذ عصوره الأولى وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يكن قول الصحابي الكريم خبيب بن عدي حين استقبل الموت إلا مثالًا من أمثلة الثبات التي سارت عليها قوافل الشهداء من أبناء هذه الأمة:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا    على أي جنب كان في الله مصرعي

وبعد:

فإن سيل هذه المحاكمات لن ينقطع لأنها صورة من صور الصراع المستمر بين الحق والباطل، فهذا قدر الدعوة وقدر أبنائها محن وفتن وابتلاء ومن ثم ثبات على الحق أو شهادة ورضوان.

إن حجم العذاب الذي يتعرض له الإسلاميون يوازي حجم العداء الموجه نحو الإسلام والمسلمين، وإلا فكيف نفهم أن يتعرض الرئيس الأمريكي ريغان لمحاولة اغتيال ولا يعذب فيها أحد؟ وكيف يقتل الرئيس الأمريكي السابق جون كنيدي ولا يعذب فيه أحد؟

أما في عالمنا الإسلامي فمجرد الشبه تكفي لدفع عشرات الآلاف من أبناء المسلمين إلى سراديب القهر والظلم والعذاب والمشانق...

الدماء تراق والحقوق تنتهك والأموال والأعراض تسلب لمجرد شعور الطاغية بأي خطر يحيط بكرسيه وعرشه.

كل الطغاة كانوا يوثقون علاقاتهم بدول الكفر سواء مع الشرق أو الغرب، وكلهم داهنوا النصارى على حساب المسلمين، وكلهم عملوا على تطبيع علاقاتهم مع اليهود، ومع كل خطوة من هذه الخطوات كان الطغاة يجعلون من محاكمات الإسلاميين غطاء لخياناتهم ومؤامراتهم وتبريرًا لطغيانهم.

* إن الفصول الماضية من محاكمات الجهاد أثبت أن الاتهام لم يستطع الصمود أمام الحق الذي ينادي به المعتقلون.. لذا فإن أملًا يراود المسلمين بأن يمنح الله القضاة الجرأة الكافية في الحق لينطقوا بحكم البراءة لشباب المسلمين.. وعسى أن يكون ذلك بداية لطريق يستنه القضاء في عالم الطغاة.. ذلك العالم الذي تعود على سفك دماء أبناء المسلمين بلا أية محاكمة..

الرابط المختصر :