العنوان المارون في لبنان طابور خامس في المنطقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1983
مشاهدات 77
نشر في العدد 632
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-أغسطس-1983
الفارق بين منهجنا وطريقتهم في التحليل والاستقصاء.
اهتمام الفاتيكان بالعالم الإسلامي ما أبعاده؟
المسيحيون في لبنان «يخافون» من المسلمين!!
مهما شطح خيال المسيحيين بالسوء المتوقع من جراء تحكيم الشريعة فلن يبلغ معشار ما تم في صبرا وشاتيلا.
في عددها الصادر يوم ٢/٧/١٩٨3م نشرت مجلة «التضامن» العربية الصادرة في لندن تقريرًا مهمًا يعد وثيقة حول النظرات الكاثوليكية للوضع في لبنان.
وتنبع أهمية ذلك التقرير في أنه يوضح النظرة الكنسية في مرجع من مراجعها العليا والموثقة. وهو يعكس كذلك الأهمية التي يتميز بها لبنان لدى العالم الغربي المسيحي والتعويل الذي يعول عليه في موقعه وتاريخه وما يعتمل فيه وفي دوره المنوط به وفقًا لتلك الحيثيات والحقائق.
ثم إنه -وهذه نقطة أساسية- يعكس لنا هذا التقرير طريقة المعالجة للقضايا التي يهتم بها النظر الغربي المسيحي، وطابع الاستقصاء الميداني والتحقيق الدقيق والمنهج الصارم في التناول التحليلي لكل ما يهمهم عنا -وذلك بالضرورة يقودنا للمقارنة في تناولنا المقابل لقضايانا وشؤوننا الإسلامية. وكيفية معالجتنا لذلك. ولو مثلنا لهذا
بمثال قريب مذابح صبرا وشاتيلا أو مذابح آسام أو حتى الغزو السوفيتي لأفغانستان ورأينا مجهوداتنا في التحليل والتناول والتقصي لرأينا بونًا شاسعًا بين منهجنا العملي ومناهج أعدائنا ومخالفينا، وقد لا يعجب هذا الكلام كثيرًا من الناس، ولكنها حقيقة يجب إدراكنا لها قبل فوات الأوان.
خلفية تاريخية:
قدمت مجلة التضامن بين يدي التقرير الذي نشرته بمقال عن دور الفاتيكان في العالم العربي وتعرضت لتاريخ الاهتمام الذي أولاه للإسلام في العصر الحديث وعن أسباب ذلك وأهدافه.
وأشار المقال إلى أن اهتمام الفاتيكان بدأ مع الحرب العالمية الأولى عندما عين الأب «تيسرات» اليسوعي الذي كان يرافق الحملة الفرنسية إلى لبنان وسوريا رئيسًا لقسم الكنائس غير اللاتينية في الفاتيكان، كما وضحت أن الأهمية التي علقها الفاتيكان على ما أسمته بـ العلاقات المسيحية - الإسلامية دفعته لإدخال مواد تتعلق بالدين الإسلامي لتدرس في المعهد الشرقي بالحاضرة وذلك عام ١٩٢٦م في عهد الباب بيوس الحادي عشر.
وإن أول اتصال عربي «مسلم» - فاتيكاني في هذا القرن تم بين الملك فؤاد «مصر» والبابا بيوس الحادي عشر في عام ١٩٢٧م. وتطرق المقال لتطور العلاقات فيما بعد ذلك، عبر الجامعة العربية وبعض الشخصيات الأخرى. إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في وقتنا الحاضر هذا.
- بابا الفاتيكان ... حلم في لبنان
خائفون قالوا:
لعلنا لا نحتاج إلى التنويه بأهمية الإعلام اللبناني وبتأثيره وتوجيهه لكثير من الأحداث إن لم يكن يقوم بصنعها من أساسها. ودور الصحف والمجلات السيارة في تثبيت أو زرع تصورات معينة شيء غني عن البيان.
والملاحظة التي تسجل في هذا المجال ما سعى هذا المقال والتقرير الذي تلاه من تثبيت «الخوف المسيحي» من وجوده بين المسلمين، وقد تكرر هذا في مواضع عديدة في صلب هذا المقال، كما وأنه يتكرر كثيرًا في عديد من المجلات اللبنانية خاصة إذا كان على رأسها أو فيها أقلام مسيحية.
ولا ندري هل المسيحيون اللبنانيون جادين في تخوفهم هذا بعد كل الذي مارسوه وحققوه؟ وبودنا أن نعرف حدود الطمأنينة العملية التي يطالبون بها حتى نكون على بينة من أمرنا وأمرهم.
هل من إجابة:
في ثنيات التقرير والمقال الذي تصدره شيء من الحصر لمبررات الخوف المسيحي من المسلمين خلاصته الشريعة الإسلامية وفرضها في المنطقة وما يترتب عليه من وضعية معينة لغير المسلمين في ظلالها. وإن ذلك سيجعلهم «أهل ذمة» بلا كيان ولا وجود وقد نشكر من تمنى هذه الأمنية الطيبة من المسيحيين -تحكيم الشريعة الإسلامية- ولسنا في موضع يسمح لنا بجدالهم حول وضعيتهم في ظلالها. ولا هم بحاجة إلى مثل هذا الإيضاح فإنهم أدرى بالإجابة الصحيحة على هذا من مدوناتهم وشهادات رهبانهم ومن ذكرياتهم المتوارثة٠
ولكنا فقط ننوه بأنه مهما شطح خيالهم بالسوء المتوقع من جانب المحكمين للشريعة بإذن الله، فلن يبلغ معشار ما تم في صبر وشاتيلا ولا ما يتم في الفلبين وشرق آسيا فيما تواجهه الأقليات المسلمة على أيدي الكثرة المسيحية تحت ظلال العلمانية والمدنية والتحضر!
يبدو أن المسيحيين في لبنان شعروا بمقدار الحزن الذي دخل قلوب كثير من المسلمين هناك بحكم التنامي المتزايد للثكالى واليتامى في أوساطهم، فأرادوا أن يبددوا غمهم بضحكة صادقة من الأعماق فتفتقت عبقريتهم في الإضحاك والتسلية عن هذه القصة الظريفة: خوف المسيحيين على أنفسهم وسط المسلمين لا سيما في ربوع لبنان!!
حسنًا لقد تحقق المراد وأفتر كل ثغر عابس.
ماذا قال التقرير؟:
لنعبر هذه المساحات إلى الحديث عن التقرير والوثيقة الذي نشرته التضامن..
فقد قامت بعثة أمريكية تابعة لجامعة القديس الوسيوس دو غونزاغا اليسوعية ذات الصلة الوثيقة بدوائر الفاتيكان بزيارة إلى لبنان برئاسة الأب ريمون هيليمك. ووضعت تقريرًا في تسعة عشر صفحة من الفاسكاب ضمنته وصفها وتصورها وتحليلها لما لاحظته ودونته.
فقرة مفيدة:
لعل من أهم ما يعنينا في هذا التقرير هذه الفقرة:
«ومن خلال عصور التاريخ كان المارونيون ينظرون إلى مسيحيي الغرب لحمايتهم - البيزنطيون، الصليبيون وأخيرًا قوى الاستعمار الغربي وخاصة الفرنسيين، حيث وجدوا أنفسهم الآن على الرغم من أنهم من نفس الطينة الاجتماعية أسوة باللبنانيين الآخرين، منعزلين عن التضامن العربي وعن تطلعات اللبنانيين الآخرين.
ويشعر اللبنانيون بأنهم قد لحق بهم الإجحاف والظلم تمامًا نتيجة لرفض باقي اللبنانيين الاعتراف والقبول بالقيم الغربية التي حصلوا عليها خلال عصور التاريخ هذه التي تقدم أهم الفرص لكافة طوائف المجتمع اللبناني».
ولعل القارئ الكريم يفطن إلى أسلوب التمجيد للقيم الغربية الهابطة على لبنان من
علياء الرجل الأبيض كما ترجو البعثة الأمريكية أن تؤكد.
ومدار ذلك يقوم على تثبيت حقيقة لبنان كنموذج علماني مثالي ينبغي الاحتذاء به في المنطقة، ولعل روعة هذا النموذج ومثاليته بدت خلال الحرب الضروس التي دارت -وما زالت- مما يغنينا عن أية إضافة أو توضيح.
دور لبنان:
لقد سعى الغر بيون واتباعهم من المارونيين ومن لف لفهم إلى أن يقنعوا غيرهم من الموجودين معهم في لبنان بأن لبنان قنطرة القيم والمصالح الغربية في المنطقة وعلى الآخرين أن يسلموا بذلك.
لقد أرادوا أن يجعلوا لبنان نموذجًا غربيًا في قلب المنطقة، وأن يفرضوا هذا الواقع حتى صرنا نسمع بمن ينادي أن لبنان منتمي إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وأن لا صلة له بعالم العرب والمسلمين، وأن كل مناداة بغير ذلك هي ادعاء ومحض افتراء.
بل إن مجلة كالحوادث في كلمة محررها عدد الجمعة ٢٢/٧/١٩٨3م في معرض تمجدها بصحافة لبنان ساقت أن حكام لبنان يرون أنفسهم منتمين إلى الغرب أكثر من الشرق.
وأخذت تضرب على هذا الوتر محفزة لهم على إثبات «أصالتهم» في القيم الغربية المدعاة في حرية الصحافة وما إليه.
والمطلع على السياق الذي وجه فيه ذلك المحرر كلمته يخرج بأن ذلك الانتماء الغربي للبنان وحكامه أمر بديهي مقرر لا يحتاج إلى كثير جدال.
وليس مهمًا لدينا أن يكون ذلك صحيحًا أو لا، وإنما نرجو أن نفطن من خلال تلك المقولات إلى الدور المراد للبنان والذي يعول عليه الغرب والقوى المتصلة به أيما تعويل في تحقيق أغراضهم ومصالحهم في هذه المنطقة من خلال السيادة المارونية على وجه الخصوص والتي أثبت التقرير أنها -أي المارونية- ما رأت ذاتها ومصلحتها إلا في القوى الغر بية على مدى التاريخ والعصور.
نقول هذا لأن روح المجاملة غير المنطقية في أوساط المسلمين تتجاهل هذا الواقع وما ينبني عليه، وتتصور لبنان آخر لا يوجد إلا في مخيلتها وأمانيها، أما لبنان الحقيقي الذي فصله هذا التقرير وبيَّنه فبيننا وبينه حجب من الغفلة والأوهام.
أمين الجميل ... في أول الطابور
هدف التقرير:
من خلال الاطلاع على هذا التقرير يتضح أن الغرض منه في الأساس هو النصح للمسيحيين اللبنانيين وتزويدهم بالتصورات والتوجيهات التي ترشدهم في حياتهم ووجودهم في لبنان، فقد تعرض التقرير إلى تشريح مختلف الطوائف التي يتكون منها المجتمع اللبناني كما عرض للخلفيات التاريخية والتباينات الثقافية وما إليه، وهو تقرير في غاية الدقة والتقصي والتركيز، حتى إن قارئه لا يصدق أن كاتبه رجل دين مسيحي! ومن خلال طوافك بين سطوره واستحضارك لكثير من تفاصيل غسيل الدماغ الثقافي الذي يمارس علينا نحن المسلمين من خلال التربية والمنهج الغربي المسيحي الأصول الذي يراد له أن يتعمق ويسود في كل أوساطنا. ولا تملك وأنت تقرأ هذا التقرير وتتذكر مهازل مقولات فصل الدين عن الدولة إلا أن تتمتم قائلًا: لقد كنسونا وتسيسوا، وهنيئًا للكنيسة بإنجازها السياسي العظيم في العالم الإسلامي!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل