; دراسات فكرية: الإسلام.. والحضارة | مجلة المجتمع

العنوان دراسات فكرية: الإسلام.. والحضارة

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الخميس 01-مايو-2014

مشاهدات 64

نشر في العدد 2071

نشر في الصفحة 54

الخميس 01-مايو-2014

 كاتب ومفكر إسلامي مصر

لأن الإسلام «دین» و «دولة» و«حضارة»، فلقد فجر منذ ظهوره الإبداع الحضاري، مع هدايته القلوب إلى «الإيمان بالله».

فبينما اقترن انتشار النصرانية في أوروبا في القرن الرابع الميلادي ببدايات العصور الأوروبية الوسطى والمظلمة. التي بدأت في القرن الخامس الميلادي، وامتدت عشرة قرون. حتى ان أوروبا النصرانية، لم تعرف أول فلكي في تاريخها «كوبرنيكوس» (١٤٧٣ -١٥٤٣)، إلا في القرن السادس عشر، وكتابه الذي كتبه عن «دوران الأفلاك» عام ١٥٣٠م، لم يطبع الا بعد وفاته، وظل مصادرا من قبل الكنيسة حتى القرن الثامن عشر سنة ١٧٥٨م !

بينما حدث هذا لأوروبا المسيحية، فجر الإسلام منذ ظهوره الإبداع الحضاري في علوم التمدن المدني، مع علوم العقيدة والشريعة والتفسير والحديث.

إبداع حضاري

إن أوروبا المسيحية، قد تخلفت عن العلوم المدنية والطبيعية عشرة قرون، في ظل نصرانيتها، بينما فجر الدين الإسلامي الإبداع الحضاري في العلوم المدنية والطبيعية منذ القرن الهجري الأول، ولقد وقفت خلف هذا الامتياز والتميز الإسلامي أسباب عديدة، في مقدمتها :

-        تميز النظرة الإسلامية لـ «الطبيعة» و «العالم»، عن النظرة المسيحية لهذه «الطبيعة». وهذا «العالم».

-        فالطبيعة والعالم في النظرة الكنسية مدنس، في مقابل اللاهوت (المقدس). ومملكته هذا اللاهوت الكنسي أشرف من أن تتحقق في هذا العالم «المدنس»؛ لذلك، كان الاشتغال بالعلوم الطبيعية والتجريبية عملاً شيطانيا، لأنه طلب للعلم خارج المقدس -الإنجيل واللاهوت – وكانت التجارب في ظل هذا اللاهوت الكنسي كالعمل اليدوي في ظل الفكر الإغريقي مما لا يليق بالأحرار والأشراف، وإنما هي من عمل العبيد الأرقاء.

اضطهاد الكنيسة

ومن هنا كان اضطهاد الكنيسة لكل الذين اشتغلوا بالعلم التجريبي، وكانت انتصارات هذه العلوم الطبيعية في النهضة الأوروبية على أنقاض سلطان الكنيسة وسلطات رجال الدين وفي ظلال العلمانية، التي استبدلت والدين الطبيعي ب «الدين الإلهي»، وجعلت العالم والطبيعة المصدر الوحيد للمعرفة، بل وأليت الطبيعة، وأحلتها محل الله.

مخلوق الهي

أما الإسلام الذي اقترن فيه الإيمان بد العمل، فإنه قد رأى ويرى في هذه الطبيعة خليقة مخلوقة لله سبحانه وتعالى، مثلها في ذلك مثل الإنسان، وكل عوالم المخلوقات، فلها ككل المخلوقات شرف الخلق الإلهي، بل إن هذه الطبيعة في الرؤية الإسلامية حية مؤمنة بخالقها، وهي تسبحه كما نسيحه، حتى وإن لم نفقه نحن تسبيحها إن لها شرف الخلق الإلهي حتى إن الإمام محمد عبده (١٢٦٥) ۱۳۲۳ هـ / ١٨٤٩ – ١٩٠٥م) كان يؤثر أن يسميها «الخليقة»، بدلاً من «الطبيعة»، ولها شرف الخطاب الإلهي لها بل وعرض الأمانة عليها، ولها كذلك شرف العبادة والتسبيح لله! ثم إن هذه الطبيعة (الخليقة) قد سخرها الله سبحانه وتعالى بكل قواها وطاقاتها الخدمة الإنسان، فغدا عمرانها التحقيق للأمانة التي حملها الإنسان كخليفة لله سبحانه وتعالى: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (٣٢) وسخر لكم الشمس والقمر ذائبين وسخر لكم الليل والنهار (۳۳) وأناكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان الظلوم كفار(٣٤)} ( إبراهيم).

فالبحث في هذه الطبيعة التي خلقها الله وخاطبها وسخرها للإنسان والنظر في سنتها، والاكتشاف لأسرارها، عبادة لله، وقيام بالفريضة الإلهية التي كانت أولى فرائض الإسلام، فريضة القراءة لآيات الله :{اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (1) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (1) علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق).

فالقراءة هنا قراءتان: قراءة الآيات الله الكونية والطبيعية المودعة في الطبيعة، وقراءة الآيات الله المنزلة أي قراءة في كتاب الله المنظور، وقراءة في كتاب الله المسطور.

بل إن القرآن قد جعل البحث والتجريب والاكتشاف الأسرار الله في الطبيعة والكون. بواسطة العلوم الطبيعية والتجريبية في مقدمة الأسباب الداعمة للإيمان الديني والمفضية إلى أن يكون علماء هذه العلوم الطبيعية هم الأكثر خشية الله سبحانه وتعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال حدد بيض وحمر ألوانها وغرابيب سود (٢٧) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من مختلف عباده العلماء إن الله عزيز غَفُورٌ (٢٨)} (فاطر).

على حين كان المشتغلون بهذه العلوم الطبيعية والتجريبية – في نظر الكنيسة الأوروبية – هم المارقون والملاحدة، الذين تركوا البحث في المقدس» (اللاهوت) واشتغلوا بالتجريب في المدنس (الطبيعة وعلومها ) لهذه الحقائق التي ميزت بين الإسلام وبين نصرانية الكنيسة الأوروبية، عاشت أوروبا المسيحية عشرة قرون مظلمة بدأت بسقوط

الإمبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٧٦م، الذي تزامن مع انتشار المسيحية في أوروبا. وامتدت حتى اكتشاف كريستوفر كوليس (١٤٥١ – ١٥٠٦م) لأمريكا عام ١٤٩٢م، وبدء الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر (١٤٨٣) – ١٥٤٦م) في القرن السادس عشر الميلادي.

أما الإسلام، فإنه لتميزه والتميز موقفه من الطبيعة، ولأنه دين ودولة وحضارة، قد سلك طريقاً آخر، اقترن فيه الإبداع في العلوم الطبيعية والتجريبية والمدنية بالإبداع في العلوم الشرعية، وكانت فيه الطبيعة وعلومها وآيات الإبداع فيها هي السبيل إلى معرفة الله وعظمته وقدرته، وهي السبيل إلى خشيته. بينما أدى الغلو العلماني الذي جاء رد فعل للغلو الكنسي إزاء الطبيعة، إلى أن صاح الذين أحلوا العلم الطبيعي محل الله، صيحتهم المنكرة التي قالوا فيها : لقد مات الله .

شرعي ومدني

لقد برئ الإسلام من غلو احتفار الطبيعة في سبعة عشر فنا ومن آثاره: أصول الدين. م ومن غلو تأليه الطبيعة، حتى لقد رأينا الإبداع وتفسير القرآن و معيار النظر»، و«التكملة في العلوم الشرعية والإلهية يجاور ويزامل الإبداع في العلوم الطبيعية والتجريبية، ليس فقط في المجتمع الإسلامي، وإنما في عقل العالم المسلم، وفي المشروع الفكري لكثير من علماء الإسلام، فلم تعرف علماء للعلوم الشرعية، وآخرين للعلوم الطبيعية، وإنما وجدنا تجسد هذه النظرة الإسلامية الجامعة بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

علوم طبيعية وشرعية

من العلماء الذين امتزجت في إبداعاتهم العلوم الإلهية بالعلوم الطبيعية: أبو الوليد ابن رشد (٥٢٠ – ٥٩٥هـ / ١١٣٦ – ١١٩٨م) الذي كان الناس يفزعون إلى فتواه في الفقه، كما يفزعون إلى فتواه في الطب، فهو الطبيب المجرب، والفقيه الأصولي المتكلم، والحكيم.... إنه صاحب كتاب الكليات، في الطب، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، و«مناهج الأدلة في عقائد الملة»، و«فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، في علم الكلام والتوحيد.

 وابن سينا أبو على الحسين بن عبدالله (٣٧٠ – ٤٣٨ هـ / ٩٨٠ – ۱۰۳۷م) الذي كان الشيخ الرئيس في «الشرعي» و«المدني» في الإلهيات والطيبات في التصوف والنبات والحيوان والهيئة، فمن آثاره في الطب القانون، وفي الحكمة والإلهيات الشفاء، والمعاد، وأسرار الحكمة المشرقية وفي التجريب والطبيعة النبات والحيوان الإمبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٧٦م والهيئة وأسباب الرعد والبرق... إلخ.

والبغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر (٤٢٩هـ / ١٠٣٧م) الذي اشتهر بإبداعاته المتميزة في أصول الدين والمبرزة في الحساب وفي الهندسة، حتى لقد قالوا : إنه كان يدرس في سبعة آلاف فنا! ومن آثاره: «أصول الدين»، و«تفسير القرآن» و«معيار النظر»،« التكملة في الحساب»، و«رسالة في الهندسة»..إلخ.

 والخيام، أبو الفتح عمر بن إبراهيم ( ٥١٥هـ /(۱۱۲۱م) اللغوي، والشاعر، والفيلسوف، والمؤرخ، والرياضي والفقيه، والمهندس، والفلكي! ولقد بقيت لنا من آثاره: «مقالة في الجبر والمقابلة»، وشرح ما يشكل من مصادرات إقليدس و الاحتيال المعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما والرباعيات و الخلق والتكليف... وغيرها من الآثار الشاهدة على تنوعها وتكاملها على هذا المذهب الإسلامي. في تكامل مصادر المعرفة وتكامل أدواتها. وتكامل الإبداع فيها.

والفخر الرازي أبو عبد الله فخر الدين محمد بن عمر (٥٤٤) – ٦٠٦ هـ - / ١١٥٠- ١٢١٠م) الذي كان الإمام في علوم الدين والدنيا جميعا. حتى لقد قال مؤرخوه: «إنه كان أوحد زمانه في المعقول والمنقول، وعلوم الأوائل»، ومن بين آثاره الكثيرة والجامعة الأقطار المعرفة وتخصصاتها، نجد: «مفاتيح الغيب»، في تفسير القرآن و «معالم أصول الدين»، و«لوامع البينات» و «الخلق والبعث» في التوحيد وأصول الدين و«محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين» و«نهاية العقول»، و«البيان والبرهان» في الفلسفة و«المباحث المشرقية» في التصوف و«السر المكتوم» في الفلك و«النبوات» في النبوات و«الرسالة»، و«النفس»، في علم النفس، كما أبدع في الهندسة «كتاب الهندسة» و«كتاب مصادرات إقليدس»... إلخ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 877

76

الثلاثاء 09-أغسطس-1988

مخطط كنسي خطير في جنوب السودان