العنوان دراسات في فقه الدعوة من خلال الأصول العشرين.. المعنى الثاني للجماعة (2).. هل وجدت جماعة المسلمين؟
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 233
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
الجماعات الإسلامية المعاصرة ليست هي
جماعة المسلمين
يجب أن نلتمس العذر لمن يخالفوننا الرأي
في بعض الفرعيات
قيام جماعة من الجماعات المعاصرة مهما بلغ
من وضوح الفكرة واستقامة الطريق لا يعني أن جماعة المسلمين قد قامت
نشرنا في العدد
الماضي الحلقة الثانية من دراسات فضيلة الشيخ عصام البشير، وكانت الحلقة المذكورة
هي القسم الأول من دراسة فضيلته لمعنى الجماعة المسلمة أو «جماعة المسلمين التي
وردت فيها النصوص»، وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثالثة من الدراسات المذكورة وتضم
القسم الثاني من معنى الجماعة المسلمة تحت عنوان «المعنى الثاني للجماعة»:
عضوي يتمثل في
لزوم الأئمة الشرعيين وهو جماعه العلماء -أهل الحل والعقد- إذا اجتمعوا على أمير
والأمة من ورائهم تبع لهم.
كما حدث في بيعة
أبي بكر الصديق حيث بايعه كبار الصحابة في السقيفة، ثم تبعهم السواد في بيعة عامة
مشهورة(20)، وعلى
هذا يتنزل قول الطبري: «والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من
اجتمعوا على تأميره»(21)، فإذا لم توجد
هذه الإمامية الشرعية في حياة الأمة وجب عليها السعي إلى تحقيقها ولا ينفك عنها
الإثم حتى تقام.
الخلاصة
يتضح مما تقدم
في معنى الجماعة التي وردت بها النصوص جملة أمور:
1- إن قيام
جماعة من الجماعات المعاصرة مهما بلغ من وضوح الفكرة واستقامة الطريق لا يعني بأي
حال أن جماعة المسلمين قد قامت، وعلى هذا فالجماعات اليوم العاملة في الحقل
الإسلامي والمعروفة بأسمائها وقادتها وشعاراتها ليست وحدها هي الجماعة المسلمة أو
جماعة المسلمين، بل هي تندرج في جماعة المسلمين.
ولا يصح وصف
واحدة بأنها هي الجماعة الواردة في الأحاديث، وإن كانت تسعى لتحقيق الجماعة
المسلمة بالتمكين لها بدولة الإسلام والخلافة الراشدة.
2- إن هذه
الجماعات وإن كانت مندرجة في المفهوم المنهجي للجماعة المسلمة، إلا أنها تتفاوت في
عطائها وقدراتها، فمنها من أوقف اجتهاده على إصلاح عقائدي، وآخر عني بتزكية النفس،
وثالث شغل بالوعظ والتذكير، ورابع غلب عليه الاهتمام السياسي، ومنها من استوعب كل
مناحي الإصلاح في شمول وتكامل وتوازن ورعاية أولويات.
انظر تفصيل ذلك
في الجماعات القائمة كتاب الشيخ حسين بن محسن بن علي جابر رحمه الله «الطريق إلى
جماعة المسلمين»، ففيه الشفاء العليل لمن طلب العمل في سبيل المؤمنين.
3- لا يصح قياس
هذه الجماعات على جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قائد تلك الجماعة، وطاعته
واجبة وهو مؤيد بالوحي، والانقياد له أمر لا يتم إسلام المرء إلا به، سواء في
حياته أو بعد مماته.
ثم إن الواقع
الفعلي كان مطابقًا للأمر التشريعي فلم يكن هناك إنسان يدعي أنه مسلم ويشهد
الشهادتين ويقيم الصلاة إلا ويعد نفسه عضوًا في تلك الجماعة، وواقعنا اليوم غير
ذلك، فكثير من الناس اليوم ينتسبون إلى الإسلام، ويقيمون شرائعه الظاهرة، ولا
يرتبطون بجماعة من الجماعات، فالحكم عليهم بالكفر قياسًا على الجماعة الأولى تحكم
وتعسف، وكذلك الحكم على من فارق إحدى هذه الجماعات بالكفر تعسف لا مسوغ له.
4- كما لا يصح
قياس شروط أمير إحدى هذه الجماعات على شروط أمير المؤمنين وواجباته.
5- مفهوم
المفارقة التنظيمية للجماعات لا ينطبق عليه وصف الخارج على الجماعة، فالخروج على
الجماعة في غالب اصطلاح الفقهاء محمول على معنى المقاومة المسلحة لا مجرد المفارقة
والابتعاد، وهذا المعنى ظاهر في معنى البغي والبغاة وما أطلق على الخوارج.
وحتى الخروج
بهذا المعنى في حد ذاته لا يعتبر كفرًا لاحتمال أن يكون صاحبه متأولًا قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: 8)، فسماهم مؤمنين رغم اقتتالهم.
ومما يدل على
ذلك أن الخوارج لم يكفرهم على ولا سائر الصحابة رغم خروجهم ومع ورود الأحاديث
المستفيضة بشأن ضلالهم، بل قال رضي الله عنه: «إخواننا بغوا علينا، هم من الكفر قد
فروا»، وعاملهم في الحرب معاملة البغاة، فلم يغنم أموالهم، ولم يسب ذراريهم، ولم
يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم أو يتبع من أدبر منهم.
6- مفهوم «مات
ميتة جاهلية» لا تعنى أنه مات على الكفر، بل المراد أنه مات على حالة تشبه حال أهل
الجاهلية؛ لأنهم لم يكونوا يبايعون إمامًا أو يخضعون لسلطان، قال الإمام الشوكاني:
«ميتة الجاهلية تشبيه بأهل الجاهلية فلا إمام لهم فليس المراد أنه يموت كافرًا، بل
يموت عاصيًا»(22).
7- التخلف عن
العمل الجماعي لإنفاذ أوامر الله وشرائعه والتمكين لدينه يأثم المرء عليه ولا يخرج
من الملة بسبب ذلك إلا أن يجحد الهدف(23)؛ وهو تحكيم شرع
الله فيكون كافرًا مرتدًا(24).
كان للإمام
البنا منهج واضح المعالم بين القسمات، أوضح فيه معنى جماعة الإخوان المسلمين
وموقعها من جماعة المسلمين في اعتدال صادق، وتوازن محكم تأكيدًا لما قرره الأئمة
الأعلام من سلف الأمة الصالح ويتضح هذا البيان في عدة محاور:
الأول: موقف
الإخوان من الهيئات الإسلامية(25): يقول الإمام البنا: «والإخوان
المسلمون» يرون هذه الهيئات على اختلاف ميادينها تعمل لنصرة الإسلام وهم يتمنون
لها جميعًا النجاح ولم يفتهم أن يجعلوا من منهاجهم العمل على جمعها وتوحيدها حول
الفكرة العامة».
الثاني: الفرق
بين الإخوان والجماعات الإسلامية(26): يقول الإمام البنا: «كثيرًا ما
يرد على أذهان الناس هذا السؤال: ما الفرق بين جماعة الإخوان وجماعة الشبان؟
ولماذا لا يكونان هيئة واحدة ويعملان على منهج واحد؟ وأحب قبل الجواب عن هذا
السؤال أن أؤكد للذين يسرهم وحدة الشهود وتعاون العاملين أن الإخوان المسلمين
وخاصة هنا في القاهرة لا يشعرون بأنهم في ميدان مناقشة، ولكن في ميدان تعاون قوي
وثيق، وأن كثيرًا من القضايا الإسلامية العامة يظهر فيها الإخوان والشبان شيئا
واحدًا، وجماعة واحدة؛ إذ إن الغاية العامة مشتركة وهي العمل لما فيه إعزاز
الإسلام وإسعاد المسلمين، وإنما تقع فروق يسيرة في أسلوب الدعوة وفي خطة القائمين
عليها وتوجيه جهودهم في كلتا الجماعتين»(27).
الثالث: أسلوب
معاملة المخالف(28): ونلتمس كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن
هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلًا دون ارتباط القلوب، وتبادل الحب والتعاون على
الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته.
الرابع: موقفنا
من الدعوات الأخرى: «موقفنا من الدعوات في هذا البلد دينية واجتماعية واقتصادية
وسياسية -بناء على طبيعة دعوتنا- موقف واحد على ما أعتقد، نتمنى لها الخير وندعو
لها بالتوفيق وأن خير طريق نسلكها ألا يشغلنا الالتفات إلى غيرنا عن الالتفات إلى
أنفسنا.. إننا في حاجة إلى عدة وإلى تعبئة، وإن أمتنا والميادين الخالية فيها
محتاجة إلى جنود والى جهاد؛ كلٌّ في ميدانه والله مع المحسنين حتى يفتح الله بيننا
وبين قومنا بالحق»(29).
الخامس: تقرير
الإمام الهضيبي عن مسلك الإمام البنا العملي: يقول الإمام الهضيبي: «ومن المسلم أن
جماعة الإخوان المسلمين مع إيمانها الكامل أنها قامت على الحق ويقينها الذي لا شك
فيه أن دعوتها دعوة حق خالصة أمر الله بها أمر وجوب وإلزام، فمن المؤكد أن
الاختيار الفقهي لمؤسسها لم يكن النظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين المقصودة في
الأحاديث، وإنما هي داعية بعون الله لتحقيق جماعة المسلمين، يؤكد ذلك أن مؤسس
الجماعة رضي الله عنه اعترف طوال فترة قيادته للجماعة وصحبه الذين آزروه واجتمعوا
معه على دعوته قد اعترفوا لغيرها من الجماعات بأنها جماعات إسلامية كما اعترفوا
بصفة المسلم لمن لم يكن منضمًا لجماعة الإخوان أو فصل منها.
وقد قرر الإمام
الشهيد فصل وكيلي الجماعة السابقين وعشرات غيرهما كان بعضهم بمكتب الإرشاد والهيئة
التأسيسية، ولم يكن قد نسب لأحدهم أنه أتى عملًا أو قال قولًا ارتد به عن الإسلام،
ولا زعم أحد أنهم بفصلهم من الجماعة قد أخرجوا من الإسلام(30).
منهج الجماعة
بعد الإمام الشهيد: سار على ذات السنن القويم الذي اختطه الإمام البنا رحمه الله،
قال الإمام الهضيبي: «وبعد الإمام الشهيد صدق مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية على
فصل عدد غير قليل من أعضاء كانوا بالجماعة منهم من كان عضوًا بمكتب الإرشاد أكثر
من مرة، ومنهم من تولى مراكز قيادية في الجماعة وأنظمتها، وكان القول الصريح من
قيادة الجماعة في هذه المناسبات مسلمون معصومو الدم والمال ترجو الجماعة لهم أن
يخدموا الإسلام بمجهوداتهم الفردية وبأساليبهم الخاصة بعد أن استعصى عليهم توطين
أنفسهم على نظام الجماعة والالتزام بمفهوماتها وبرامجها ومناهجها»(31).
مما تقدم يتبين
بجلاء لا شبهة فيه أن منهج الإخوان قائم على أنهم جماعة من المسلمين يسعون لتحقيق
جماعة المسلمين ويعترفون لغيرها من الجماعات بأنها تسعى لخدمة الإسلام ومما يتضح
في منهج الإخوان كذلك ما يلي:
1- إنه لا تقاس
عندهم شروط العضوية على شروط الإسلام(32).
2- إنه لا تقاس
عندهم شروط الفصل على شروط الردة (33).
وإلا فلماذا فصل
وكيلي الجماعة السابقين وبعض أعضاء مكتب الإرشاد ولم يكن أحدهم قد ارتكب ما يخرجه
من الملة.
3- يمكن للجماعة
أن تلزم أفرادها بأكثر مما يلزمهم الإسلام على وجه التفصيل كالنظم الداخلية
واللوائح مثلًا(34).
4- الجماعة ليست
مطالبة بالقيام بواجبات الخلافة كلها قبل إيجاد الخليفة، بل الواجب إيجاد الخليفة
لتحقيق تلك الأمور(35).
5- لا تقاس شروط
أمير الجماعة وواجباته على شروط أمير المؤمنين(36).
فهذه خلاصة ما
حرره فقهاء الجماعة، والتزمته قيادتها في منهاجها العملي، وفي تعاملها مع
المخالفين وفق أصول أهل السُّنة ومنهاج السلف الصالح.
______________________
(1) حديث
صحيح مشهور رواه أصحاب السنن والمسانيد بألفاظ عدة، انظر الجامع الصغير 1/179 (2)
انظر حاشية ابن ماجة ها 2/1322 (3) انظر عون العبد 12/342 (4) انظر فيض القدير
1/179 (5) عون المعبود 12/341-340 (6) انظر الاعتصام 2/258-267 (7) أن تلزم جماعة
المسلمين وإمامهم (8) الطبري (9) فتح الباري 13/37 (10) انظر الاعتصام 2/258/267
(11) شرح النووي على مسلم 8/25-126 بحاشية إرشاد الساري (12) دون من رمى ببدعة أو
تخليط (13) إغاثة اللهفان 84-85 (14) فيض القدير 1/179 (15) انظر حاشية ابن ماجة
2/1322 (16) تفسير ابن كثير 2/466 (17) الرسالة من 475-476 (18) انظر فتوى هيئة
كبار العلماء رقم 830 بتاريخ 13/8/1394هـ (19) جامع الأصول لابن الأثير 3201-321
(20) انظر البداية والنهاية لابن كثر 5/245-247 (21) فتح الباري 13/37 والاعتصام
2/258-267 (22) نيل الأوطار 7/194(23) وهو عالم بذلك (24) انظر دعاة لا قضاة ص
183(25) مجموعة الرسائل ص 313 (26) المصدر السابق ص 314(27) المصدر السابق ص
314(28) المصدر السابق ص 128(29) مذكرات الدعوة والداعية ص 227(30) دعاة لا قضاة ص
185(31) دعاة لا قضاة ص 185- 186 المصدر السابق من 185-186-الرسائل جـ 2-62(33)
المصدر السابق ص 185-186(34) ما أشار إليه الشيخ سعيد حوى في كتاباته في هذا
الموضوع لا يخرج عن هذه المعاني حيث إن جماعة الإخوان جماعة كاملة للمسلمين-إنما
عنى من حيث فهمها الشامل وتكامل تصورها في أخذ الإسلام ولم يقصد خروج غيرهم عن
جماعات المسلمين(35) شلبي 206-320 الشيخ حسن البنا ومدرسته (36) الرسائل ط25.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل