; دراسة أصولية حول التماثيل في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان دراسة أصولية حول التماثيل في الإسلام

الكاتب المستشار فيصل مولوي

تاريخ النشر السبت 31-مارس-2001

مشاهدات 42

نشر في العدد 1444

نشر في الصفحة 44

السبت 31-مارس-2001

هدم طالبان لتماثيل بوذا في أفغانستان فتح باب الجدل حول الموقف الشرعي من التماثيل والصور مما له أو ليس له ظل، وما يعبد من دون الله وما لا يعبد الدراسة التالية تتناول الموضوع من وجهة نظر شرعية بطريقة أصولية بحتة، ومن خلال النصوص فقط بهدف توضيح أبعاد المسألة.

 

التمثال هو الصورة التي تماثل الشيء الأصلي. هذه الصورة حين تكون مجسمة تسمى تمثالًا، والتمثال قد يكون صورة لشيء ذي روح وفيه حياة، وقد يكون صورة لجماد. ولكن اسم التمثال غلب على صورة ذي روح. وقد تكون الصورة مسطحة كالصور الفوتوغرافية والمرسومة باليد. أما الصور الفوتوغرافية فيكاد الإجماع يتحقق حول إباحتها، لأنها انعكاس للصورة الحقيقية وليست رسمًا أو نحتًا جديدًا. وأما الصور المرسومة باليد والتماثيل المجسمة لها فلا يزال الخلاف قائمًا حولها بين الفقهاء والمذاهب وكلامنا في هذا البحث ينحصر بالتماثيل، وإن كان أكثر الفقهاء يستعملون مصطلح الصورة أو التمثال بمعنى واحد.

ورد في القرآن الكريم ذكر نوعين من التماثيل:

الأول: تماثيل تعبد من دون الله، وهذه تسمى تماثيل وتسمى أصنامًا وتسمى أنصابًا.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَاۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِین إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِیلُ ٱلَّتِیۤ أَنتُمۡ لَهَا عَـٰكِفُونَ  قَالُوا۟ وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا لَهَا عَـٰبِدِینَ  قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُمۡ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ  قَالُوۤا۟ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِینَ قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِی فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَ ٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ وَتَٱللَّهِ لَأَكِیدَنَّ أَصۡنَـٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدۡبِرِینَ  فَجَعَلَهُمۡ جُذَ ٰذًا إِلَّا كَبِیرࣰا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَیۡهِ یَرۡجِعُونَ ﴾ (الأنبياء:51-52-53-54-55-56-57).

وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف:148). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم:35).

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:90). والأنصاب هي الأصنام المعبودة التي تنصب لتقدم لها الذبائح.

ومن البديهي أن نقول: إن مثل هذه التماثيل – التي تعبد من دون الله - يحرم على المسلم صنعها أو بيعها أو تقديم الذبائح لها، فضلًا عن أن عبادتها هي الشرك الواضح.

الثاني: تماثيل لا تعبد من دون الله، وهي بالتالي ليست أصنامًا ولا أنصابًا.

مثل هذه التماثيل كان معروفًا منذ القدم. ولا يزال موجودا عند أكثر شعوب العالم. وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الجن كانوا يصنعون مثل هذه التماثيل السليمان عليه السلام قال تعالى: ﴿ويَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ:13).

وهذا يعني أن التماثيل كانت مباحة في شريعة سليمان عليه السلام كما يقول المفسرون وقد ذكر الله تعالى في سورة الصافات على لسان إبراهيم عليه السلام قوله لقومه: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ*﴾ (الصافات:95-96)

فاستنكار إبراهيم لم يوجه إلى فن النحت وإنما كان موجها ضد عبادة ما ينحت، مما يعني إباحة نحت التماثيل إذا لم تكن للعبادة. وقد استدل بالآيتين من يرى أن صنع التماثيل مباح إذا لم تكن للعبادة ورد في الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف في الكويت – في مادة تصوير أن الألوسي نقل هذا القول في تفسيره للآية ١٣ من سورة سبأ. وذكر أن النحاس ومكي ابن أبي طالب وابن الفرس نقلوه عن قوم، ولكنه لم يذكر أسماء هؤلاء القوم كما ذكرت مجلة الوعي الإسلامي العدد ۲۹) الصادر عام ١٣٨٧ هـ ص ٥٧ – (٥٨) هذا القول في مقال للسيد محمد رجب البيلي ونسبه للشيخ عبد العزيز جاويش.

الأحاديث المتعلقة بالموضوع

1 – حول صنع المسلم للتماثيل:

وردت أحاديث صحيحة كثيرة وكلها تؤكد: أن المصورين في النار – وأنهم أشد الناس عذابًا عند الله وعلة ذلك حسب نص الأحاديث: أنهم يضاهون بخلق الله والمضاهاة هي المشاكلة أي أنهم يخلقون تماثيل على شاكلة خلق الله، ولذلك يقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم.

ولذلك اتفق جمهور العلماء على تحريم صنع التماثيل – وبالتالي بيعها وشرائها – قال النووي: وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره شرح النووي على صحيح مسلم: (٨٢/١٤)

وقال ابن العربي: إن الصورة إذا كان لها ظل حرام بالإجماع سواء كانت مما يمتهن أو لاء. واستدرك ابن حجر العسقلاني وقال: إن هذا الإجماع محله غير لعب الأطفال (فتح الباري للعسقلاني: (۳۸۸/۱۰).

۲ – حول اقتنائها في البيت:

اختلف العلماء في تفسير الأحاديث التي تشير إلى أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة أو كلب. فجعل ابن حبان ذلك خاصًا بالنبي ﷺ، وجعل بعضهم خاصًا بملائكة الوحي، وجعله الكثيرون خاصًا بملائكة الرحمة، ذكر ذلك السيد محمد رشيد رضا (الفتاوى: ١٤١٣/٤)

وثبت أن رسول الله ﷺ استعمل وساند ومرافق فيها صور، ولكنه كان ينقض التصاليب ويزيلها. كما ثبت عنه إباحة لعب الأطفال – وهي تماثيل صغيرة – كما روت السيدة عائشة – رضي الله عنها – وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنهم أجازوا بيع هذه اللعب لتدريب البنات على إدارة شؤون الأطفال، وهذا من الأغراض المعتبرة شرعًا.

وقد أجاز الكثيرون استعمال التماثيل والصور في البيوت إذا لم تكن منصوبة معظمة على الستائر والحيطان، وكانت ممتهنة أو معرضة لوط الأقدام أو غير ذلك.

وورد في الموسوعة الفقهية – باب تصوير – ما يلي: يذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يلزم من تحريم الصور تحريم اقتنائها أو تحريم استعمالها. 

فإن عملية التصوير لذات الأرواح ورد فيها لعن المصور وأنه يعذب في النار وأنه من أشد الناس عذابًا، ولم يرد شيء من ذلك في اقتناء الصور، ولم تتحقق في مستعملها علة تحريم الصور من المضاهاة لخلق الله تعالى ومع ذلك فقد ورد ما يدل على منع اقتناء الصور أو استعمالها، إلا أن الأحاديث الواردة في ذلك ليس فيها ذكر عذاب، أو أي قرينة تدل على أن اقتناءها من الكبائر. وبهذا يكون حكم مقتني الصورة التي يحرم اقتناؤها: أنه قد فعل صغيرة من الصغائر وقد نبه إلى الفرق بين التصوير وبين اقتناء الصور في الحكم: النووي في شرحه لحديث الصور في صحيح مسلم، ونبه إليه الشبراملسي من الشافعية أيضًا. وعليه يجري أكثر كلام الفقها.

شرع من قبلنا

ونقصد به الشرائع التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء السابقين لمحمد عليهم الصلاة والسلام ولا تكون ثابتة النسبة إليهم إلا إذا ورد ذكرها في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة ولا خلاف بين العلماء أن ما يتعلق بالعقائد لم يتغير، وهو واحد عند جميع الأنبياء لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ ﴾ الشورى: 13)

أما ما يتعلق بالأحكام الشرعية العملية فالاختلاف بين شرائع الأنبياء أمر واقع قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48) وفي هذا المجال هناك ثلاثة أنواع من الأحكام:

الأول: يتناول الأحكام التي كانت مشروعة لدى الأنبياء السابقين، وأقرتها شريعتنا، فنحن ملزمون بها لأنها من شريعتنا كالصيام والأضحية وغيرها.

الثاني: يتناول الأحكام التي كانت مشروعة لدى الأنبياء السابقين ونسختها شريعتنا، فهي ليست شرعاً لنا بالتأكيد مثل تحريم أكل كل ذي ظفر، وتحريم الشحوم التي لا تختلط بعظم، وقتل النفس في سبيل التوبة، وغير ذلك.

الثالث: وهو أحكام الشرائع السابقة التي لم يأت في شريعتنا ما يؤيدها أو ينسخها. وهذا النوع هو الذي اختلف فيه العلماء فقال جمهور الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وأحمد في رواية له رجحها أكثر أصحابه: أن ما صح من شرع من قبلنا - عن طريق الوحي لا من جهة كتبهم المبدلة يعتبر شرعًا لنا يجب علينا العمل به ما لم يرد في شرعنا خلافه. 

واستدلوا بما يلي: قوله تعالى عن الأنبياء السابقين: ﴿أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ۹۰). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل: ۱۲۳). أن النبي ﷺ قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وقرأ قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه:14)، وهذه الآية خطاب لسيدنا موسى عليه السلام وبما أن إخوتنا في حركة طالبان يلتزمون بمذهب السادة الأحناف، وبما أن مذهب الحنفية كان أوسع المذاهب في إعمال مبدأ: شرع من قبلنا شرع لنا لذلك وجدت من المناسب طرح مسألة الحكم الشرعي في هدم تماثيل بوذا من خلال هذه القاعدة الأصولية.

حكم التماثيل في ضوء شرع من قبلنا: 

ثبت لنا من خلال نصوص القرآن الكريم التي ذكرناها آنفاً أن التماثيل نوعان:

۱ – ما يعبد فعلًا من دون الله، فعبادته شرك وضلال وبالتالي فإن صنعه واقتناءه لا يجوز، وقد أبدت شريعتنا هذه الأحكام التي كانت موجودة في شريعة إبراهيم عليه السلام بنصوص من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأجمع العلماء أن عبادة الأصنام شرك وضلال، وأنه لا يجوز صنعها ولا اقتناؤها.

أما تكسير الأصنام فقد فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام كجزء من الحوار الذي دار بينه وبين قومه فقد كان يريد إقناعهم أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة لأنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، بل لا يستطيع كبيرها أن يفعل هذا الفعل مع صغارها، وإنما علق إبراهيم الفأس عليه ليقنع قومه أن هذه الأصنام لا تستطيع أن تفعل شيئًا ولا أن ترد على ما يفعل بها.

وقد أيدت شريعتنا تكسير الأصنام المعبودة من دون الله، وهذا من قبيل إزالة المنكر، ولكنه لا يتم إلا في الوقت المناسب بحيث ينسجم مع مستلزمات الدعوة إلى الله.

٢- ما يصنع لتحقيق مصالح أخرى، ولا علاقة له بالعبادة ولا بالتعظيم وقد ثبت جواز ذلك في شريعة سليمان عليه السلام ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل دون ذكر شيء عن الهدف من صنع هذه التماثيل والمصالح التي تتحقق منها مما يعني جواز صنع التماثيل في شريعته بشرط واحد ألا تكون للعبادة.

ومن خلال استعراض الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الموضوع نجد أن الشريعة الإسلامية أقرت استثناء وجود تماثيل غير معبودة من خلال إقرار رسول الله الله للعب البنات – لكنها أضافت أمرين:

أولهما: أنه لا يشترط لمنع التماثيل أن تكون معبودة فعلًا، بل إن مجرد تعظيم التمثال يكفي للتحريم سدًا لذريعة الانتقال من التعظيم إلى العبادة كما أن نية صانع التمثال حين تكون مضاهاة خلق الله تجعل عمله حرامًا لأنها نوع من الشرك بالله ولذلك ورد الكثير من الأحاديث الصحيحة التي تجعل الاحتفاظ بالتمثال غير المعبود – جائز إذا دخله تشويه أو نقصان أو امتهان يجعل تعظيمه أمرًا غير وارد.

ثانيهما: أن الأحاديث لم تنص على إباحة شيء من التماثيل غير المعبودة وغير المعظمة إلا لعب البنات. والسؤال المطروح هنا هل الإباحة محصورة بلعب البنات أم هل يمكن القياس على ذلك وإلى أي مدى وضمن أي شروط؟ ونحن نجيب عن هذا السؤال ضمن النقاط التالية:

أولًا: أن أصل صناعة التماثيل وبيعها وشراءها واقتناها يدخل في نطاق الأعمال المباحة بناء على القاعدة الأصولية المعروفة أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحريم يطرأ عليها إذا دخلها وصف يقتضي التحريم.

ثانيًا: إذا كانت التماثيل للعبادة فهي نوع من الشرك بالله ولذلك يكون صنعها وبيعها وشراؤها واقتناؤها حرامًا ويعتبر من الكبائر لأن النصوص الواردة في ذلك قرنت التحريم بالعذاب الشديد.

ثالثًا: إذا كانت التماثيل المصنوعة مضاهاة الخلق الله، أو تشبهًا بخلق الله، فذلك يجعلها حرامًا وتعتبر من الكبائر وفق الأحاديث الصحيحة الواردة لكن التشبه بخلق الله ومضاهاته يمكن أن يكون في صنع تماثيل ما لا روح له كالشمس والقمر والجبال والشجر، وفي صنع لعب البنات وغير ذلك مما ورد النص بإباحته صراحة، ولذلك قال بعض العلماء أن المقصود هنا من يصنع التمثال أو يرسم الصورة تحديًا لقدرة الله، ومن يعتقد أنه قادر على أن يخلق كخلق الله، فيريه الله تعالى عجزه يوم القيامة بأن يكلفه أن ينفخ الروح في تلك الصورة وتأييدًا لهذا القول فسر ابن حجر في فتح الباري – قول الله عز وجل في الحديث القدسي ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي فسر ذهب بمعنى قصد ورد ذلك في الموسوعة الفقهية مادة تصوير). وعلى هذا القول فإن الحرام هنا يتعلق بنية كان المصنوع تمثالًا الصانع ولو:

الجماد أو رسمًا يدويًا لأي صورة

رابعًا: إذا كانت التماثيل المصنوعة، أو الصور المسطحة، وسيلة لتعظيم غير الله والغلو في ذلك بحيث يمكن أن يؤول الأمر إلى نوع من التقديس والعبادة، فإنها تصبح حرامًا من باب سد الذرائع وهو أصل متفق عليه بين العلماء ويؤيد ذلك في هذه المسألة ما ورد في صحيح البخاري وفي أكثر التفاسير عن ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، أنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابًا.

 وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت لكن العلماء الذين اعتمدوا مبدأ سد الذريعة في هذه المسألة اختلفوا بين متشدد وصل إلى التحريم المطلق لكل تمثال أو صورة ثم بدأ يستثني من ذلك ما ورد في النصوص ويضيقه ما استطاع وبين متوسط منع التماثيل المنصوبة وسمح بغير المنصوب أو سمح بالصور المسطحة التي لا ظل لها، أو سمح بالتماثيل والصور لما لا روح له.

خامسًا: إذا خلت التماثيل - وكذلك الصور المسطحة – من معاني العبادة أو التعظيم أو المضاهاة لخلق الله فإنها تبقى على أصل الإباحة حتى ولو لم يكن من ورائها تحقيق أي مصلحة مشروعة فإذا وجدت بعض المصالح المشروعة، فإن الإباحة قد ترتفع إلى شيء من الاستحباب كما لو تعلق الأمر بصناعة لعب الأطفال، فقد أجازها العلماء من المذاهب الأربعة – وإن وضع الحنابلة لها شروطًا – ولم يشترط غيرهم أي شرط لذلك وقد علل كثير من الفقهاء إباحة لعب البنات بالحاجة لتدريبهن على تربية الأولاد، وهو تعليل مستنبط ونص الحديث لا يقبله فقد تحدثت عائشة عن فرس له جناحان فما علاقة هذه اللعبة بتربية الأولاد ولذلك علل الحليمي إباحة لعب الأطفال بما يحصل لهم من الاستئناس الذي في الصبيان من معادن النشوء والنمو، فإن الصبي إن كان أنعم حالًا وأطيب نفسًا وأشرح صدرًا كان أقوى وأحسن نموًا، وذلك لأن السرور بسط للقلب، وفي انبساطه انبساط للروح الموسوعة الفقهية – الكويت – مادة تصویر) وواضح أن تعليل الفقهاء بالحاجة لتدريب البنات على تربية الأولاد يجعل رخصة الألعاب خاصة بالبنات دون الصبيان، وهو أمر مستغرب أما تعليل الحليمي، وهو فرح الأولاد واستئناسهم وانشراح صدورهم فهو يجعل الرخصة شاملة للذكور والإناث، وهو ما رجحه الدكتور عبد الكريم زيدان المفصل في أحكام المرأة (٤٦١/٣)

ونحن نرى أن إباحة لعب البنات لا تحتاج إلى تعليل لأنها رجوع إلى الأصل وهو الإباحة، لأن التحريم يكون حين توجد أسبابه وهي العبادة، أو التعظيم الذي قد يؤدي للعبادة، أو المضاهاة لخلق الله، فإذا لم يوجد أي من هذه الأسباب عاد الأمر إلى الإباحة.

سادسًا: إذا كانت التماثيل المصنوعة تحقق مصلحة مشروعة كما لو كانت للتعليم أو التدريب وهذه أصبحت اليوم كثيرة كالتماثيل التي تستخدم کوسائل إيضاح في المدارس، وتساعد الطالب على فهم علوم الإنسان أو الحيوان أو النبات، فإنها أيضًا ترتفع من الإباحة إلى الاستحباب، وربما كانت واجبة في بعض الحالات إذا أصبحت وسيلة فعالة لفهم العلوم والتقدم فيها. ومعلوم أن طلب العلم فريضة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

إجحاف بعض الدعاة بحق المجتمعات الإسلامية. 

برلين: محمد شاويش

هل يجوز أن يكون الحكم واحدًا على مجتمع من المجتمعات الإسلامية والسلطات التي تتحكم فيها فتويان، سمعتهما في برلين لاتزالان تطنان في أذني، ومنذ سمعتهما شعرت بأنني لن يهدأ لي بال ولن يرتاح ضميري حتى أبدي رأيي بهما، وأبذل ما أستطيع من جهد في بيان خطئهما وخطورة العقلية التي تقف وراءهما:

أما الأولى فقد صدرت في حضوري عن إمام أحد مساجد برلين حين سأله أحد الحضور عن حكم حمل جواز سفر الكيان الصهيوني، فقال بلا تردد إنه جائز، وأضاف وما الفرق بينه وبين جوازات بعض الدول العربية أليست هذه الدول مثلها مثل "إسرائيل" لا تطبق الإسلام.

وأحب أن يلاحظ القارئ أن هذا «المفتي» لم يعلل إجازته لحمل جواز الكيان الصهيوني بعلل قد يكون بعضها مقبولًا عند جزء على الأقل من علماء الإسلام، علل من نوع القول إن هذا الخيار هو الخيار الوحيد أمام القطاع المعني بهذه القضية من المسلمين الموجودين في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م فهو خيار اضطراري لا مندوحة عنه، مثل أكل الميتة ولحم الخنزير للمضطر، وإنما عللها بأنه لا فرق بين أن يحمل المرء جواز سفر لدولة عربية لا تطبق الإسلام، وأن يحمل جواز سفر صهيونيًا.

أما الفتوى الثانية وتمت أيضًا بحضور الفقير لله، فصدرت من داعية مشرقي مشهور زارنا في برلين والتقى جمعًا غفيرًا من العرب في المسجد الذي تولى دعوته، وفي هذا اللقاء أبدى أحد الحضور شكه في جواز إقامة المسلم المختار غير المضطر في أوروبا لما تشكله هذه الإقامة من خطر داهم على عقيدة الأطفال وأخلاقهم خصوصًا.

وكما في الحالة الأولى لم يتردد هذا الداعية في تسفيه هذا التوجه والسخرية منه قائلًا إن الذي يرى هذا الرأي لا يدل على أكثر من أنه غير قادر على أداء واجب القوامة في بيته وأضاف إذا كانت المسألة مسألة فسق في المجتمع فإن الفسق موجود حتى في وذكر اسم أحد الأماكن الطاهرة.

أن تقول إن الفسق موجود في مكان طاهر مثلما هو موجود في أوروبا فهذا يعادل تقريبًا قولك إن جرثومة السل موجودة في الهواء العادي وليس فقط في رئتي المسلول – عافانا الله وإياكم – فلا داعي إذن لاتخاذ احتياطات خاصة عند الاحتكاك مع المسلول، وكالقول إن الفسق يمكن أن يكون موجودًا في أي حي عادي في المدينة تمامًا كما هو موجود في الملهى الليلي المخصص لهذه الغاية وينتج عن ذلك أن الوالد لا يلام إذا اختار لنفسه استئجار غرفة في هذا الملهى ليقيم هو وعائلته وإذا شك في جواز هذا الاختيار شرعًا فإن من واجبنا أن نؤنبه ونعده غير أهل للقيام بواجب القوامة في بيته.

نتائج وخيمة 

تعبر الفتويان السابقتان عن عقلية شديدة الخطر تنظر إلى الواقع بنظارات سود تجعلها لا تفرق بين المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، فكل القطط رمادية في الظلام كما يقول المثل. الدعوى السائدة عند هؤلاء مبنية على القياس الخاطئ التالي: الشريعة الإسلامية لا تطبق في هذا المكان إذن كل البلاد سواء.

لنلاحظ أن هؤلاء لا ينتبهون إلى النتائج المنطقية الوخيمة لهذا الزعم مثلًا لماذا إذن ندعم المجاهدين في سبيل استرداد فلسطين مادام الكيان الصهيوني والبلاد العربية والإسلامية سواء؟

ألا تعبر مناصرتنا للمجاهدين في فلسطين والبوسنة وكشمير وأفغانستان سابقًا والشيشان وغيرها من بلاد المسلمين المبتلاة بالاحتلال الأجنبي على أننا لا نضع علامات مساواة بين هذه البلاد ومحتليها وأننا نعدها بلادًا إسلامية ونقاوم تغيير وضعها القائم على علاته - إذا كان هذا التغيير سيأتي من قبل المحتل الغاصب؟

وما أحسب هؤلاء لو احتل الكيان الصهيوني دولة من هذه الدول التي لا يرون بينها وبينه فرقًا إلا مستنفرين المسلمين للجهاد دفاعًا عنها فلماذا إذن هذه الفتاوى التي نخشى أن ينطبق فيها قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم:35-36).

الميل إلى التجني على المجتمعات الإسلامية: ثمة أصل معرفي خاطئ يحرك تلك المحاكمات هو ببساطة الدمج بين الحكم على الأنظمة السياسية السائدة في معظم بلاد المسلمين وصفتها العامة أنها أنظمة تابعة سياسيًا مستلبة ثقافيًا. والحكم على المجتمعات الإسلامية التي هي رغم بعدها عما نتمناه لها من سير قويم على قواعد شريعتنا العظيمة إلا أنها مجتمعات تحب الإسلام ولا تناصبه العداء، بل تتماهى معه ولا يهون عليها التفريط به، فهي إذن ليست مجتمعات جاهلية وكفى، وقد قام علماء ودعاة كثيرون مشكورين في السنوات الأخيرة بالتفنيد الدقيق الحجج مكفري المجتمعات الإسلامية، فلا نعيد هذه الحجج هنا ونكتفي بالإشارة إليها ما نريد في مثال ملموس عن الفرق بين أن تربي أطفالك في مجتمع مسلم وأن تربيهم في مجتمع غير مسلم أن تبرهن على أن المجتمع المسلم حتى في وضعه المعتل القائم يختلف اختلافًا جوهريًا عن المجتمع غير المسلم.

الفرق بين أن تعيش عائلتك في أوروبا وأن تعيش في مدينة مسلمة أن الأب قد يسأل في تلك المدينة إذا كان مرافقاً لابنته عن هذه المرأة التي يرافقها من هي أما في أوروبا فالسائل سينال نصيبه من الشتم والإهانة. كما أن البنت والولد في المجتمعات الإسلامية لا يضبط سلوكهما الأهل فقط وفق معايير إسلامية، بل يتولى المجتمع بأسره هذا الضبط من الحارة إلى العمل إلى المدرسة إلى كل الأماكن الممكنة أما في أوروبا فإن القانون يحاسبك بمجرد بلوغ ولدك وبنتك سنا معينة إذا حاولت التدخل في حياتهما الشخصية أساس شخصية الفرد، ولنسر في التحليل إلى نقطة أبعد من هذا وأعمق نقطة تبرهنها التجربة ولا يمكن توقعها بمجرد التأمل أو المحاكمة المنطقية وهي أن التركيبة الأساسية لشخصية الإنسان لا يقوم بها إلا المجتمع المحيط، فالناشئ في بيئة عربية مثلاً ستكون شخصيته عربية أما الأطفال الذين تربوا في أوروبا فهم ذوو شخصيات أوروبية حتى لو كان آباؤهم عربًا، وهذا الأمر لا خيار فيه لأحد لا الأهل ولا الطفل فهو عملية طبيعية حتمية لا مجال للتدخل فيها، إلا في الحالة المستحيلة التي لا يرغب بها أحد على كل حال وهي حالة عزلة الولد عن المجتمع وبقائه مع أبويه طيلة الوقت ليلاً ونهاراً والطفل سينشأ أوروبيًا ولكنه – إذا هداه الله . يمكن أن يكون مسلمًا أوروبيًا ناطقًا بالعربية، وهذا هو أفضل وضع ممكن للطفل، ولكنه في الواقع الملموس للجاليات المسلمة في أوروبا ليس هو الوضع المألوف مع الأسف، فكثرة كاثرة من أطفال العرب هنا لا تعرف العربية بالمرة ومن يعرفها منهم يعرف عاميتها فقط بلا قراءة ولا كتابة إلا أقلية زهيدة.

غير المجرب سيعترض بالتأكيد على ما قلته للتو إذ إن مثل هذه المعلومات - كما قلت – لا يتوصل إليها المرء بالتفكير المجرد، ولهذا السبب نفسه فهو لا يستطيع بعد أن يتوصل إليها بالتجربة أن يقنع بها من لم يجرب، فغير المجرب قد يعترض فوراً ويقول إن دور الأسرة كاف الصياغة شخصية الولد كما يريد أهله وإنني لأدعو المعترضين إلى الاحتكاك لوقت كاف مع أبناء العرب الذين تربوا في أوروبا في أحسن حالاتهم - بمعيار المحافظة قدر الإمكان على سمات الهوية الثقافية للأهل – ليروا أنهم في الواقع لا يتعاملون مع عرب بل يتعاملون مع أوروبيين سود الشعر سمر البشرة وقد لا نرى مانعًا مبدئيًا في هذا إذا كنا لا نفرق أصلًا بين العربي والأوروبي على قاعدة الهوية القومية، ولكن المسألة هي أبعد من ذلك فالمنطق المادي الذي يقوم عليه المجتمع الغربي الذي يحاول المفكرون المخلصون في الغرب بكل جهدهم أن يحرروا أنفسهم منه – إذ هو متغلغل في اللا شعور ونكاد نقول يجري في الدم ويتنفس مع الهواء لأنه مستبطن في التجربة الحياتية وفي اللغة نفسها - هذا المنطق سيغزو طبعًا ابنك وابني ولكي تعيد هذا الولد إلى وضع استبطان المنطق الشامل للهوية الثقافية الإسلامية أنت بحاجة إلى جهد غير ممكن بل باختصار إلى معجزة والحقيقة أن هذه المعجزة هي أبعد بكثير مما يتوقع المبسطون عن الواقع فأغلب الآباء هنا هم في مستوى وعي متواضع ولو فرضنا جدلًا أنهم حازوا على الوعي اللازم والإرادة اللازمة فإن من النادر أن يحوزوا على الوقت الكافي وهم في عمار مشكلات اللقمة لينصرفوا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عناصر الهوية الثقافية الأصلية للأولاد.

إعادة الاعتبار

أذكر القارئ أنني لا أنوي التطرق إلى موضوع الفتوى في جواز أو عدم جواز الإقامة الاختيارية في الغرب – وأنا بالمناسبة لا أميل خلافًا لما قد يتوقع قارئ السطور السابقة إلى التحريم المطلق لهذا، وإنما كان الحديث السابق عن الفرق بين تربية الولد في مجتمعاتنا وتربيته في أوروبا مدخلًا مناسبًا للحديث عن الفرق بين المجتمعات المسلمة التي قد لا تعجبنا أوضاعها والمجتمعات غير المسلمة بما لا يبيح لنا البتة الحديث عن سوانية في الحكم. وإذا كان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فإنه -عز وجل- يحفظ شريعته في صدور أبناء المجتمع، وفي لغتهم، وفي قواعد سلوكهم التي يسيرون عليها لا شعوريًا، وهذا الحفظ لعله أعظم أشكال الحفظ وما الصحوة الإسلامية المعاصرة إلا دليل على هذا الحفظ فهل انطلقت هذه الصحوة من مجتمعات أوروبا وأمريكا وكندا أم انطلقت من المجتمعات الإسلامية التي يتجنى عليها بعض دعاة هذه الصحوة فيزعمون أنها لا تختلف عن المجتمعات الغربية أو غيرها من المجتمعات غير الإسلامية.

 

الرابط المختصر :