العنوان دراسة من حاضر العالم الإسلامي.. دار الحرب ودار السلام (المقال الثاني)
الكاتب الدكتور علي جريشة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979
مشاهدات 94
نشر في العدد 443
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 01-مايو-1979
نلفت نظر الأخوة القراء إلى أن المقال الثاني من المقالات التي كتبها الأستاذ الدكتور علي جريشة حول حاضر العالم الإسلامي لم تُنشر في العدد السابق، رقم «٤٤٢» لأسباب فنية، وسنوالي – إن شاء الله – نشر باقي الدراسة في حلقات متتابعة.
والله الموفق التحرير
===================
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة الحجرات: 1)
يُقسِّم الفقهاء العالم إلى دار حرب ودار إسلام، فالعالم الإسلامي – فقهًا – هو دار الإسلام، لكن ما هي دار الإسلام؟
يتفق الفقهاء على أن كل بلد يحكم بالإسلام فهو دار إسلام.
لكن ما هو حكم الإسلام حتى لا نختلف في التطبيق؟
لا شك أن شروطًا ثلاثة –مأخوذة من الكتاب والسنة– تلزم إضفاء الشرعية على حكم ما، للقول بأن الحكم فيه حكم الشرعية أو حكم الإسلام..
هذه هي الشروط:
١- أن يكون لله الشرع ابتداء..
فذاك خالص حق لله.. ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (سورة الشورى: 13) ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54)
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة الشورى: 21)
بيد أن مع دائرة شرع الله، دائرة أخرى قال فيها رب العالمين ﴿لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (سورة النساء: 83)، ومن ثم فقد تركت هذه الدائرة لاجتهاد العلماء المجتهدين.
وبهذا يتحقق للتشريع الإسلامي الأصالة الربانية، كما تتحقق له المرونة والقدرة على مواجهة القضايا والحاجات المتجددة.
۲- أن تكون شريعة الله هي العليا.
فلا ترتفع إليها شريعة، ولا تعلو عليها شريعة.
فإذا ذكر أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي، فإن ذلك يعني إمكان قيام مصادر أخرى إلى جوارها، ومن ثم فقد ارتفعت هذه المصادر إلى مستواها.
وإذا ذكر أن الشريعة الإسلامية مصدر ثالث، فإن ذلك يعني أن تعلو على شريعة الله شرائع أخرى، وكلا الأمرين خروج على شرط أن تكون شريعة الله هي العليا، ودليله قول الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: 1) أي لا يكن لكم رأي ولا شرع فوق قول الله ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (الحجرات: 2)
ولا يتصور أن يحرم رفع صوت فوق صوت النبي، وأن يحل رفع شرع أو قانون فوق شرع الله ورسوله.
وأخيرًا قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، وكلمة الله اسم جامع لكلماته، وبكلماته نزلت شرائعه! فدون أن تكون شريعة الله هي العليا.. قتل وقتال هو في سبيل الله!
٣- أن تطبق شريعة الله كاملة غير مُجزأة:
في مجالاتها المختلفة: عقيدة، وأخلاق، وشعائر ومعاملات.
فإن خلا مجال من هذه المجالات عمدًا.. فليست شريعة الله هي الحاكمة، ووجب القتال ليكون الدين كله لله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (سورة الأنفال: 39) ودليل هذا الشرط قوله سبحانه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49) وتسميته بعد ذلك بالجاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (سورة المائدة: 50)
وتسميته في تعطيل حكم واحد حرب الله ورسوله ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة البقرة: 279)، وتسميته مضادة ومحادَّة لله ورسوله «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه».. «رواه الترمذي»
فإذا لم تسد الشريعة بلدا فهو دار حرب – في رأي الفقهاء إلا أبا حنيفة.
أما أبو حنيفة فهو يرى أنها دار إسلام؛ إن توافر لها شرطان:
شرط الأمان للمسلمين.
وشرط المتاخمة لغيره من بلاد المسلمين.
والبعض يقسم دار الإسلام إلى:
دار عدل إذا سادها حكم الشريعة وحكمها خليفة.
ومن ثم وجبت الهجرة إليها – على رأي الغالبية.
دار بغى: وهي التي غلب عليها البغاة الخارجون على الخليفة الشرعي، ولا تزال كذلك حتى تستنقذ من أيديهم، ووجبت نصرة الخليفة الشرعي.
دار بدعة: وهي التي غلب فيها حكم البدع، واختفى فيها حكم السنة، وواجب محاربة البدعة ليكون الحكم لله.
دار مسلوبة: وهي التي كانت بيد المسلمين تحكم بالإسلام، ثم غلب عليها الكفار فسلبوها.
وفرض عين الجهاد لاسترجاعها.
ويقسم البعض دار الحرب إلى:
دار كفر.. وهي التي يسود فيها حكم الكفار.
دار عهد.. وهي التي بيننا – نحن المسلمين – وبينهم ميثاق.
ولكل تقسيم حكمه، مما يبحث عادة في مجال أحكام السلم والحرب، أو بالعبارة الحديثة في مجال القانون الدولي!
٣- العالم الإسلامي بين غيره من المعسكرات السياسية:
عرفنا موقع العالم الإسلامي جغرافيًّا، وعرفنا تقسيم العالم فقهيًّا إلى دار حرب ودار إسلام، والآن نبحث في تقسيم العالم سياسيًّا:
يتنازع السلطة السياسية على العالم معسكران:
أ- المعسكر الرأسمالي:
ولئن كانت الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، فهو يجد الحماية السياسية؛ بحيث صار علمًا على معسكر بعينه، تسوده الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، وتسوده الديموقراطية من الناحية السياسية، وتسوده الوجودية ومذاهب التحرر من الناحية الاجتماعية.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة الحجرات: 1)
وإلى نصف هذا القرن – تقريبا – كانت المملكة المتحدة تتربع على عرش الزعامة لهذا المعسكر، لكنها منذ ذلك الحين، وبناء على رغبتها، طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث نفوذها في الشرق الأدنى، ومن ثم قامت الولايات المتحدة بإرث ما سمحت به بريطانيا، وكذلك ما لم تسمح به، وورثت في النهاية زعامة هذا المعسكر!
وقد ناصرت الولايات المتحدة في الظاهر حركات التحرر، وأخفت بذلك تسللها إلى هذه المناطق؛ تفرض عليها الاستعمار الجديد، الذي راحت تفرضه في مناطق كثيرة عن طريق صناعة الزعماء، وصناعة الانقلابات، وصناعة الشعارات.
وبذا امتد نفوذ المخابرات المركزية الأمريكية، ومعها وزارة الحربية الأمريكية، وأخيرًا البيت الأبيض الأمريكي.. امتد إلى مساحات واسعة، خارج ما يُسمَّى بالمعسكر الرأسمالي، ومن التناقض «الظاهري» أن بعض هذه المساحات ترفع شعار الاشتراكية، وأن تبعث سياسة المعسكر الرأسمالي، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
ب- المعسكر الاشتراكي:
ونعني بذلك المعسكر الذي يتخذ الاشتراكية العلمية منهجًا اقتصاديًّا، وقد صار هذا الشعار الاقتصادي رمزًا لهذا المعسكر مميزًا له عن المعسكر الأول.
وهو يتخذ دكتاتورية البروليتاريا «شعارًا سياسيًّا» كما يتخذ التحلل الأخلاقي والأسري شعارًا اجتماعيًّا.
وهو إن بدأ متناقضا مع المعسكر الأول إلا أن الحقيقة غير ذلك..
فالمسيطرون على المعسكر الأول من اليهود، هم كذلك المسيطرون على المعسكر الثاني – كما سنشير بإذن الله –.
هذا من ناحية الحقيقة، وحتى من ناحية الظاهر فإن المعسكرين يقتربان..
فالمعسكر الرأسمالي يطعم رأسماليته الآن بشيء كبير من الاشتراكية، مثل تأميم الصناعات الكبيرة، وقوانين حماية العمال، وتحديد ساعات العمل..
والمعسكر الاشتراكي يطعم اشتراكيته بشيء كبير من الرأسمالية، مثل إدخال نظام الحوافز، والسماح بالملكيات الصغيرة، والسماح بالنظام الأسري.. إلخ
هذا من الناحية الاقتصادية، ومن ناحية السياسة الخارجية والاجتماعية.
فمنذ أزمة كوبا سنة ١٩٦٢ بدأت سياسة الوفاق.. وهي شبيهة بما اتفقت عليه إنجلترا وفرنسا سنة ١٩٠٤ من اتفاق ودي.. ونعتقد أنه وفقًا لسياسة الوفاق؛ تم توزيع مناطق النفوذ بين القوتين الأعظم.
كذلك تم التقارب بين الولايات المتحدة والمارد الشيوعي الجديد «الصين»، بقدر ما تم التباعد بين الأخيرة وبين الاتحاد السوفيتي.
ولا شك أن الشيوعية تعيش هذه الأيام شبابها، فلم يمضِ عليها غير خمسين عامًا، وهي مدة بسيطة في عمر الأمم، بينما تعيش الرأسمالية شيخوختها، وهو ما يمكن أن نستنتج منه أن الشيوعية هي الوريث الطبيعي للرأسمالية – ما لم ينهض أصحاب المعسكر الثالث – وهو ما بدا من اتساع رقعة الشيوعية يومًا بعد يوم، والتهامها لفيتنام ولاوس، وكمبوديا.. واستمرارها في الالتهام..
جـ - المعسكر الإسلامي
ونحن نضعه معسكرًا ثالثًا الى جوار المعسكرين الأعظم باعتبار ما سيكون وهو قريب بإذن الله.. وباعتبار ما كان، وهو قريب، كذلك لم يمضِ عليه إلا قرابة نصف قرن..
لقد كان العالم الاسلامي يومًا هو المعسكر الوحيد؛ الذي لا يناطحه معسكر آخر، ولسوف يكون كذلك بإذن الله..
وهو بمقتضى.. عدده، وموقعه وطاقاته، وخيراته، يمكن، بل ينبغي أن يأخذ المقام الأول..
وما يعتريه اليوم من ضعف وتفكك هو وليد مؤامرات المعسكرين ومن وراءهما، وهو بحول الله تعالى وقوته، ثم بيقظة أبنائه، ثم بمقتضى سنن الله في كونه.. سوف ينهض وسوف يعود..
وعلى أعداء الإسلام أن يختاروا لأنفسهم ليوم قريب:
إما أن يكفوا عن حربنا في ديننا، وعن إخراجنا من ديارنا.. ليكونوا في مقام الأصدقاء، وإلا فليختاروا لأنفسهم موقع الأعداء، ويومئذٍ سوف تنفذ فيهم قول الله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة البقرة: 179)
ويشير البعض بعد ذلك إلى معسكر أو مجتمع وثني..
لكننا لا نجد له وجودًا سياسيًّا، وما دام التقييم أساسه سياسيًّا؛ فلا ينبغي أن يكون المجتمع الوثني معسكرًا مُستقلًا – والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل